جنين ـ «القدس العربي»: لا تتوقف تحديثات الحالة في شمال الضفة الغربية، ويبدو أن هناك يوما تاليا خاصا في هذه المنطقة ومخيماتها أسوة باليوم التالي الخاص بالضفة الغربية، وذلك على غرار اليوم التالي في قطاع غزة.
وحسب آخر تحديث معلن للخطة الإسرائيلية التي كشفت عنها القناة 14 الإسرائيلية فإن هناك خطة إسرائيلية يجري العمل عليها بهدف إعادة تشكيل الواقع الميداني والتعليمي في المنطقة وفق رؤية أمنية إسرائيلية وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ووفقًا للقناة، تسعى إسرائيل إلى تشكيل فريق متخصص من المنظومة الأمنية يكون مسؤولًا عن تنفيذ هذه التوجهات، بهدف إعادة صياغة شمال الضفة بعيدًا عن أي تدخل من الأونروا أو ما تصفه إسرائيل بـ«التأثيرات الإسلامية المتطرفة».
تشمل الخطة عدة محاور رئيسية، أبرزها إعادة هيكلة البنية التحتية من خلال مشاريع بناء مرتفع وشوارع واسعة، في خطوة تعكس توجهًا نحو فرض معايير عمرانية جديدة قد تتيح مرونة أكبر للسيطرة الأمنية والتنقل العسكري.
كما تتضمن الخطة إصلاحًا في منظومة التعليم الفلسطيني، إذ تعمل إسرائيل على إنتاج محتوى تعليمي جديد يتم إبعاده عما تعتبره «تحريضًا»، بما يضمن رقابة كاملة على المناهج المدرسية.
إضافة إلى ذلك، تطرح الخطة رؤية طويلة المدى لبرامج تدريب وتشغيل في شمال الضفة، في محاولة لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي وفق الاعتبارات الإسرائيلية.
خبير الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، رأى في عملية التهجير التي يقوم بها جيش الاحتلال في مخيمات جنين وطولكرم (وطالبت 40 ألف مواطن) بإنها تلبيةً لمطالب المستوطنين، فالسياسة التي يتبناها بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس في الضفة الغربية، تهدف إلى تفكيك المخيمات وتهجير سكانها، وهي امتدادٌ لخطة «الحسم» التي وضعها بتسلئيل سموتريتش، ومحاولة واضحة لإرضاء المستوطنين.
وطالب بن يشاي، أن تمتد التدابير الأمنية كافة المناطق في الضفة، «حتى تلك التي تبدو هادئة نسبيًا»، أما مخاوفه فتمثلت في احتمال أن يقود العقاب الجماعي الذي يقوم به جيش الاحتلال إلى تفاقم الأوضاع بدلاً من تهدئتها، حيث دعا بن يشاي إلى «تجنب الأخطاء التاريخية» كما حدث في حرب الاستقلال الجزائرية، عندما أدت العقوبات الجماعية إلى تصعيد المقاومة بدلاً من القضاء عليها، محذَّرا أن استمرار هذا النهج، «قد يؤدي لانتفاضة فلسطينية ثالثة تختلف عن سابقاتها، حيث قد تتطور الهجمات لتشمل استخدام متفجرات أكثر تطورًا داخل المدن الإسرائيلية وعلى الطرق في الضفة الغربية، مما يزيد من صعوبة التعامل معها».
ووصف بن يشاي تصريح وزير الجيش يسرائيل كاتس مؤخرًا بمنع سكان مخيمي جنين ونور شمس من العودة إلى منازلهم لمدة عام بأنه «خطوة غير محسوبة، إذ أن ذلك سيؤدي إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني وخلق بيئة خصبة لانضمام المزيد من الأفراد إلى التنظيمات المسلحة».
أبرز ملمحين
وحسب الخبير في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد فإن الحملة الإسرائيلية شمال الضفة الغربية تحيل إلى مذكرات «رجل أسرار إسحاق رابين» والتي جاء فيها إلى رابين (سياسي ورئيس وزراء إسرائيلي راحل، لعب دورا كبيرا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وقّع معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية عام 1994، واغتيل على يد يهودي متطرف في العام التالي) لم يكن ينوي تطبيق اتفاق أوسلو ولا الانسحاب من مناطق «ج» في الضفة الغربية.
وفي حديثه في ندوة «شؤون إسرائيلية» بعنوان: «السياسة الإسرائيلية شمال الضفة الغربية النتائج والأبعاد».
استعرض أبو عواد تاريخ الاستيطان في الضفة الغربية منذ أوسلو وحتى اللحظة حيث كانت الملمح الرئيس يتمثل في أن الاستيطان لم يتوقف طوال تلك الفترة حتى اللحظة الراهنة رغم اختلاف الحكومات الإسرائيلية.
ورأي أبو عواد ان أبرز ملمحين يمكن رصدهما في السلوك الإسرائيلي شمال الضفة الغربية هو أن الاحتلال مارس فعل التهيئة سواء عند الفلسطينيين أو الإقليم أو العالم في أن ما يقوم به أمر طبيعي وشرعي وهو ما أنتج تراجع حدة التغطية الإعلامية وما ترتب عليها من شبه غياب لردود الفعل الدولية والإقليمية، فقضية شمال الضفة أصبحت مغيبة بفعل سياسة التهويل الحالة الأمنية في الشمال من أجل تحقيق أهداف سياسية.
وشدد أبو عواد على أن ما يجري في الشمال هو تطبيق لسياسة وخطط سموتريتش الذي ربط بين الاستيطان وأمن إسرائيل، وبنى على ذلك مقولة إنه إذا قامت دولة فلسطين فإن سابع من أكتوبر جديد سيحدث في الضفة الغربية وهو أمر ترتب عليه دعوات إعادة النشاط الاستيطاني في الضفة والشمال.
وشدد على أن الخطاب الإسرائيلي ترتبت عليه مقولة أن الاستيطان حفظ الأمن لدولة الاحتلال، حيث أن النشاط المقاوم جاء من شمال الضفة وهي التي فيها سبع مستوطنات فقط، أما في مدينة رام الله فهناك أكثر من 24 مستوطنة حيث تغيب أعمال المقاومة.
وخلص إلى الفضاء الجغرافي في شمال الضفة الغربية تم السيطرة عليه بالكامل، وتبع ذلك استهداف المخيمات وترحيل سكانها بما يحمل ذلك من فكرة القضاء على المخيم حيث دوما ما حملت فكرة وجود المخيم وجود القضية الفلسطينية.
ويرى أبو عواد أن مجمل ما يخرج من أخبار عن مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم تشير إلى ذلك، حيث يجري العمل على تحويل المخيمات إلى أحياء من المدن في ظل انها تلاصقها تماما.
ورأى أنه في حال عاد اللاجئون فإن جزءا منهم لن يجد مكانا يسكن فيه في المخيم. وهي سياسة تهدف إلى تقليص أي إمكانية للعودة المستقبلية.
وحسب جهات فلسطينية فإن اللاجئين في مخيم جنين يتوزعون في أحياء المدينة وكذلك في 40 بلدة وقرية في محافظة جنين.
وفي طولكرم قال محافظ المدينة عبد الله كميل إن «عدد البيوت التي دمرت بشكل كلي أو جزئي خلال الاجتياحات السابقة وصل إلى 1100 بيت من المخيمين، فيما أن الفرق الفنية من المؤسسات الرسمية والقطاعات الشريكة لا يوجد لديها تقدير عن طبيعة الأضرار الحاصلة داخل المخيمين بهذا الوقت بفعل إعاقة عمل تلك الطواقم وعدم قدرتها على التحرك الآمن».
وفي حديث أبو عواد رأى أنه إلى جانب السياسات الاحتلالية في شمال الضفة فإن الملمح الأبرز في الضفة هو غياب وتغييب الحالة النضالية بمفهومها الشعبي، والسبب وراء ذلك وجود فجوة داخل المجتمع الفلسطيني.
ووصف ما تعيشه الضفة بإنه حالة من الاغتراب الداخلي فكل منطقة مفصولة ومعزولة عن الأخرى وهو ما خلق حالة من عدم الحس الجمعي.
وسعى الاحتلال في مدينة جنين إلى أن تعود الحياة الطبيعية لأسواقها في حين تم عزل مخيم جنين بالحواجز والسواتر الترابية بحيث تم عزل المنطقتين بشكل كامل.
وحذر أبو عواد من أن هناك حالة من الصراع الداخلي قد تحدث لاحقا في ظل تقسيم المجتمع الفلسطيني، فهناك مناطق لا تعرف الكثير عما تعيشه المخيمات في الشمال.
ورجح الخبير في الشأن الإسرائيلي أنه سيترتب على قضاء الاحتلال على حالة الكتائب في مخيمات شمال الضفة عودة العمليات الفردية والمتباعدة وهي التي كانت حاضرة خلال الأعوام 2014 ـ 2016.
وحذر أبو عواد من أن واقع الحال في الضفة الغربية في ظل غياب الأمان وحالة عدم الاكتراث العام سيقود إلى ارتفاع مقولات الخروج من الضفة والسفر خارجا على شكل هجرات ناعمة.
وخلص إلى أن المعطيات تدلل على أن الاحتلال لن يتوقف شمال الضفة بل ستتمدد الإجراءات الاحتلالية حتى تحقيق فكرة السيطرة على الأرض تمهيدا لتحقيق الهدف الأكبر وهو الضم.
ثلاثة نماذج في الضفة
الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع يرى أن ما يجري في الضفة الغربية من مشهد متباين الأبعاد يستدعي قراءة معمقة. معتبرا أن المشهد الحقيقي يبقى في الضفة الغربية، ولا سيما في مدينتي جنين وطولكرم، حيث يمتاز بكونه على درجة عالية من التعقيد.
وشدد مناع على أنه وفقًا للمعطيات المتوفرة من وقائع الضفة الغربية، يمكن تمييز ثلاثة نماذج رئيسية تبرز التباين الواضح في إدارة الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية فيها. النموذج الأول، في شمال الضفة الغربية، وخاصة في المخيمات التي تشهد عملًا عسكريًا متواصلًا منذ قرابة الشهر، يظهر المشهد الفلسطيني على أنه يخضع لعملية تهجير داخلية منظمة. هنا، تتزامن العملية العسكرية الإسرائيلية مع حملة منهجية لتهجير السكان من المخيمات، حيث يستهدف هدم البيوت ومراكز السكن التي أصبحت تمثل رمزًا للمقاومة.
ويرى مناع أنه من المؤكد أن هذا التهجير له أبعاد اقتصادية واجتماعية؛ إذ في ظل الظروف المعيشية المتردية والأزمات والأعباء الاقتصادية، يصبح إعادة بناء منزل مهدم مهمة شبه مستحيلة، ما يدفع الأسر إلى الانتقال إلى المدن أو القرى المجاورة مع الاحتفاظ برغبتهم في العودة إلى المخيم في المستقبل.
ويرى أن التوجه الراهن لا يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل يحمل أيضًا أبعادًا استراتيجية، إذ يسعى الجانب الإسرائيلي إلى «محاربة المخيم» ليس فقط كمكان جغرافي وإنما كرمز سياسي واجتماعي. إذ تُرى جهود تحويل المخيمات إلى أحياء مدنية ضمن صلاحيات البلديات كخطوة لإنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» وتفكيك البنى التحتية للمقاومة الشعبية. هذا الهدف يتطلب من جيش الاحتلال البقاء داخل المخيمات لأطول فترة ممكنة.
النموذج الثاني حسب مناع هو على النقيض من المناطق الشمالية، حيث تُظهر المدن المركزية في الضفة الغربية، مثل رام الله، نمطًا مختلفًا يتجسد في حياة تبدو طبيعية رغم ظروف الحصار. في هذه المدن، تستمر الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بمستوى معين من الرفاهية، ويظهر التعايش وكأن الحياة تدور وفق نظام مغاير لما يحدث في المناطق الأخرى. فمع أن هذه المدن تخضع لاقتحامات بين الفينة والأخرى، إلا أن السياسات الإسرائيلية تتيح للسلطة الفلسطينية الاستمرار في عملها.
يحذر مناع من أن التفاوت في تطبيق السياسات الإسرائيلية قد يُستخدم كأداة لإعادة رسم الحدود المجتمعية والسياسية داخل الأراضي المحتلة، ما يعكس محاولات لتقسيم المشهد الفلسطيني بطرق تخدم أهدافًا استراتيجية أوسع.
أما في جنوب الضفة الغربية فيوجد النموذج الثالث الذي يبرز في مدينة الخليل كنموذج يدمج بين الازدهار الاقتصادي والوجود العسكري الإسرائيلي في قلب المدينة. إن الخليل، التي تعد من أكثر المدن كثافة من حيث السكان، تشهد حاليًا نشاطًا اقتصاديًا أعلى مستوى مقارنة بالمحافظات الأخرى.
ويرى مناع أن الخليل تعتبر بمثابة مركز جذب اقتصادي ثمة محاولات تهدف إلى نسج علاقات اقتصادية غير رسمية مع بعض الجهات الإسرائيلية. رغم ذلك، فإن هذا الازدهار لا يخلو من تناقضات؛ إذ يتعارض وجود الجيش في قلب المدينة مع التطلعات الاقتصادية، ما يجعل الخليل رمزًا معقدًا يجمع بين ملامح الاحتلال والانتعاش الاقتصادي في آن واحد.
ويعتقد مناع أن تحليل المعطيات يدعو إلى استنتاج أن ما يحدث في الضفة الغربية ليس إلا جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف السلطة الفلسطينية والمشهد السياسي في الأراضي المحتلة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين، حسب مناع، في كيفية مواجهة هذه السياسات ضمن رؤية وطنية تشاركية تحت برنامج سياسي واضح الوسائل والأدوات والبدائل.