صحف عبريةوجدت الحكومة العراقية، بسبب جملة المصالح التي تماثلها، صعوبة في الوصول الى صيغة تسمح بتواجد امريكي بعد الاول من كانون الثاني/يناير 2012. وقد رفضت منح القوات الامريكية حصانة من تقديمهم الى المحاكمة، رغم ان قادة الجيش العراقي أيدوا استمرار التواجد ‘لايقاف العراق على قدميه’. قادة الدولتين أعلنوا بان الانسحاب سيتم كما كان مخططا له وحتى عيد الميلاد لن تبقى قوات امريكية في العراق. ويمكن للمالكي ان يعلن الان عن انتهاء ‘الاحتلال’ بينما اوباما سيعلن بانه أوفى بوعده الذي قطعه عندما كان مرشحا للرئاسة في أن يخرج آخر الجنود من العراق. وذلك، على نحو منفصل عن تطور سياقات التحول الديمقراطي، التوترات العرقية او تصاعد النفوذ الايراني. حتى الان، اخلاء القوات العسكرية الامريكية في كانون الثاني/يناير 2009 (140 الف جندي) وحتى اليوم (40 الف جندي) كان يرتبط اساسا بارادة الرئيس اوباما للايفاء بتعهد سياسي قطعه. اما الان فلديه حجة اخرى: الاقتصاد الامريكي الاعرج والمصاعب في تمويل نفقات الحرب (كلفة ابقاء جندي امريكي في العراق هي مليون دولار بالمتوسط في السنة). حتى الان الواقع على الارض يظهر صورة شوهاء: رغم انفاق نحو تريليون دولار في الحرب وقرابة 4.500 جندي امريكي قتيل، فان الجيش العراقي لا يفرض إمرته في كل مناطق الدولة ومعظم القوة مسؤولة عن الامن الداخلي. اضافة الى ذلك، فان ولاء قوات الامن يعود بقدر لا يقل بل وربما اكثر الى الانتماء القبلي والطائفي وبعضهم أصبح ذراعا لرئيس الوزراء (الذي لا يزال يحتفظ بحقيبة الدفاع)، ويستخدمهم لتصفية الحسابات السياسية. من الصعب أن نرى كيف ان تواجد بضعة الاف من الجنود في وظائف الارشاد والتدريب مثلما سعت الادارة الامريكية في البداية سيساهم في استقرار العراق ككابح لايران اذا لم يكن تواجد أكثر كثافة قد ساعد في ذلك. مهما يكن من أمر، فبالنسبة لجيران العراق العرب، وعلى رأسهم السعودية، يبدو الامر ليس أقل من ‘هجر’ للعراق وترك الساحة لايران. وبالفعل في الفترة الاخيرة نحصل على اطلالة مقلقة على مستقبل العراق. فقد بدأت ايران تشعر بامن اكبر وهي تعمق، الى جانب تركيا، نشاطها العسكري داخل الاراضي السيادية العراقية وتشعر براحة أكبر في تحدي سفن الاسطول الخامس في الخليج والميليشيات التي تحظى بدعمها، مثل كتائب حزب الله تطلق لاول مرة حتى الكاتيوشا نحو الكويت. منذ الان تعد ايران هي القوة الخارجية التي لها النفوذ الاكبر في العراق. دليل على ذلك يمكن أن نراه في التأييد العراقي للاحتجاج الشيعي في البحرين، في توثيق العلاقات الاقتصادية مع ايران، في الدعم السياسي والاقتصادي الذي يمنحه العراق، كما يبدو، للاسد بل وموقف العراق الى جانب ايران في صراعها ضد السعودية في منظمة اوبك للنفط. بالتوازي، فان جيران العراق العرب يرفضون المشاركة الاكثر فاعلية في الكفاح في سبيل طابعه المستقبلي. أكبر وأهم هؤلاء، السعودية، تصرفت على هذا النحو بعد أن فشل تأييدها لاياد علاوي في تحقيق ثمار، وسحبت يدها من الساحة السياسية العراقية انطلاقا من الفهم بان الحكومة العراقية متماثلة تماما مع ايران. التخوف من أن يزيد الانسحاب الامريكي ‘شهية’ ايران في تعميق دورها في شؤون العراق كي يستقيم هذا في خطه مع مصالحها، ليس عديم الاساس. في هذا السياق، في الاشهر الاخيرة كثرت التقارير عن محاولة ايرانية لتثبيت محور ايراني عراقي سوري جديد قد يكون وزنا مضادا للمحاولة السعودية التصدر لحلف سني ملكي. دور ايران في العراق تحركه رؤيتها للعراق كمجال نفوذ طبيعي لها. وهو يتغذى سواء بالخوف من الصورة المستقبلية للدولة العراقية أم من التطلع الى الهيمنة في المنطقة، مع فهمها بان العراق هو مدماك هام في الطريق الى تحقيق هذا الهدف. الاحداث الاخيرة في سورية من شأنها أن تعزز هذا الميل. الاهتزاز المحتمل لنظام الاسد وصعود حكم ذي طابع سني من شأنه هو أيضا الى يؤدي الى زيادة الدور الايراني في العراق، وهذه المرة على سبيل ‘التعويض’ عن فقدان حليف.
كقاعدة، أهداف السياسة الايرانية في العراق تتضمن محاولة استخدام العراق كخشبة قفز لتصعيد نفوذها في المنطقة، منع نشوب تهديد من جهته وحصر النفوذ الامريكي هنا. ايران تشعر بالتسيد تجاه جارها من الغرب وترى دورها في نطاقه أمرا طبيعيا. ميل العراق في المدى القصير هو لاضعاف الحكم المركزي في بغداد كي يسهل عليها التأثير عليه وفي المدى البعيد لاحباط نشوء نموذج منافس: دولة شيعية علمانية ومعتدلة، مع مؤشرات ديمقراطية. ما سيؤثر أكثر من أي شي آخر على سياستها في هذا السياق هو مستقبل العلاقة الامريكية العراقية.
التوتر بين ‘وعد’ اوباما باعادة كل القوات الى الديار، ولا سيما عندما تدخل الولايات المتحدة في سنة الانتخابات، وبين الحاجة الى الضمان بان يتمكن العراق من الدفاع عن نفسه، كفيل بان يحل بنظرة الاطراف من خلال التواجد والحفاظ على قوة امريكية ‘مدنية’. ابقاء بضعة الاف من رجال شركات أمن خاصة، يمكنهم العمل من داخل القواعد ‘العراقية’، كفيل بان يخفف عن المالكي واوباما الانتقاد الداخلي ويملأ بعض الفراغ الذي سينشأ مع خروج القوات. وسيكلف ذات رجال الامن، بمساعدة الناتو، ضمن امور اخرى، بالمساعدة في حماية الحدود المنفلتة، المياه الاقليمية والمجال الجوي العراق وكذا ارشاد رجال الجيش العراقيين على استخدام الاسلحة الامريكية من دبابة ابرامز وحتى طائرة اف 16 التي اشتروها. بالتوازي، سيتم على ما يبدو تعزيز القوات الامريكية في الكويت، استجابة لاحتياجات تنفيذية محتملة ستثور في العراق وفي الخليج. اخلاء القوات الامريكية سيؤدي الى ان يحرم الميليشيات الشيعية في العراق مثل ‘كتائب حزب الله’، التي صعدت في الاشهر الاخيرة هجماتها على القوات الامريكية، من اهداف للاصابة وسيسمح للامريكيين بردع ايران بمصداقية اكبر، حين تكون قواتهم معفية من الاصابة المحتملة. الانسحاب الكامل سيسمح ايضا للعراقيين بالتركيز على النفوذ الايراني السلبي في الدولة في ظل عدم وجود ‘احتلال’ آخر.
التخوف من أن يؤدي ابقاء قوة مدنية صغيرة مسؤولة عن ‘التدريب والتسليح’ الى تآكل الانجازات المتواضعة التي تحققت في السنوات الاخيرة ليس مبررا على الاطلاق لان حتى القوة الاكبر ستجد صعوبة في أن تشكل وزنا مضادا ذا مغزى لاهمية العراق بالنسبة لايران وقدرتها على التأثير على ما يجري فيه بوسائل ‘قاسية’ و ‘لينة’. قوة عسكرية أمريكية اكبر لن تحسن هي ايضا الوضع الاقتصادي، السياسي والاجتماعي في الدولة: فالبنى التحتية في الدولة في وضع متهالك، الفساد انتشر في كل مجالات الحياة، ولا يوجد لقسم كبير من السكان قدرة على الوصول الى المياه النقية والكهرباء ومستوى الامن الشخصي لا يزال منخفضا الامر الذي أدى الى احتجاج جماهيري متصاعد. اذا ما تعاظم هذا ووصل ‘الربيع العربي’ بكل قوته الى العراق، فان اياد علاوي، الشيعي العلماني الذي معظم مؤيديه من السُنة، كفيل في المستقبل في أن يحصل على فرصة اخرى من الناخب، الخطوة التي بحد ذاتها ستضعف بعضا من التأثير الايراني.
الجدال على طبيعة وحجم القوة التي ستبقى أخيرا في العراق لن يحسم في ضوء مستوى التقدم في بناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، او الاحتياجات العملياتية الفورية، بل في ضوء القدرة السياسية في الولايات المتحدة وفي العراق على حسمه. مهما يكن من امر، فان اضعافا آخر في صورة القوة الامريكية، يغذيه ليس فقط الانسحاب من العراق وان كان يعززه، هو سياق ذو آثار خطيرة، قد لا يكون مرد لها. هناك من سيسير بعيدا فيقول انه يرمز اكثر من أي شيء آخر الى انتهاء الدور الامريكي، في شكله الحالي، في الشرق الاوسط. بعد نحو تسع سنوات فان الاهداف الامريكية التي تتضمن العراق كديمقراطية نافذة، حليف للولايات المتحدة للسنوات القادمة وكابح لقوة ايران، تبدو أصعب على التحقيق أكثر من أي وقت مضى.
نظرة عليا 24/10/2011′ نشرة الكترونية تصدر عن مركز بحوث الأمن القومي