‘سأكون سعيدا باستقبال هذه الأرواح العلمية في بلد الحقيقة’
إيه يا عزيزي ديكارت لقد قمنا بغرس شجرة الفلسفة في هذه الأرض الخصبة، أرض الأرواح العلمية التي ستدشن عصر الثورات الفكرية، وحين نضجت ثمارها وزعناها على العالم وأرغمناه على الاحتفال معنا بعيد الفلسفة، هكذا أصبح للفلسفة يومها العالمي، بعدما حركته الإرادة المبدعة لأصدقاء الفلسفة بفاس. ونحن على يقين أن ديكارت كتب رسالته إلينا يقول فيها: ‘وهكذا الفلسفة كلها مثل شجرة، جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزيقا، والفروع التي تتفرع من الجذع هي سائر العلوم الأخرى…’. فبأي أرض يمكن لهذه الشجرة أن تنبت إن لم تجد تربتها في الأرواح العلمية بمدينة فاس؟.
فاس الأخرى، ذات الكشوفات الروحية، إنها وردة المدن العربية، ولذلك منحت لقب عاصمة الفلسفة في المتوسط، فمهما تأخر الاعتراف بهذه الثورة الفلسفية فإننا مع ذلك نقاتل ونقاتل من أجل الاستمرار في الوجود، لأنه كلما منحنا للمغرب وجها مشرقا في العالم، من خلال تصويت سفراء العالم في اليونيسكو على مقترحنا لليوم العالمي للفلسفة سنة 2005، كلما منحنا المغرب قدحا ممتلئا بالتهميش والإبعاد، فلم نستطع إلى حد الآن من إعادة الفلسفة من منفاها، لأنه بقدر ما جعلنا العالم يحتفل بالفلسفة بقدر ما نفتقد إلى الفلسفة، فأين هي الفلسفة في الكليات؟ وهل عندنا مؤسسة عليا للفكر الفلسفي كما هو الحال مع المؤسسات التقنية التي تنتج الأرواح الميكانيكية؟، وما الذي يجعل هذا الحكم بالمنفى يدوم كل هذه الآلاف من السنين؟
يا للدهشة أمام مغرب يقتل الأرواح العلمية بشراسة صمته. وإصراره على إبعاد الفلسفة واقتلاع شجرتها لكي لا تنمو في الأرواح، مغرب بدون جذور عقلانية، مغرب الخطابة والسفسطة.
ومع ذلك حضر عشاق محبة الحكمة بكثرة مدهشة إذا تجاوز عددهم ألف طالب وطالبة قرأوا الأشعار تغنوا بعيد الفلسفة، فإليهم جميعا أهدي وردة المدن وزهرة العصور، لأنهم مستقبل بلد الحقيقة، وبعنايتهم الفائقة بشجرة الفلسفة. فما أمتع الفرح بالكينونة في هذا اليوم الذي استطاع أن يقتحم القلوب في الأماكن المبتهجة بالتنوير، بيد أن قلوب وعاظ السياسة المقدسة التي تكفر الفكر ظلت مختفية تخشى نور الشمس كطائر الخفاش، مصابة بداء الصمم والعمى، وتسعى إلى تعميمهما، وتنسى أن الفكر هو أعدل قسمة بين الناس، فمن حرم شعبه من نعمة الفكر كمن حرم العطشان من الماء، أو المشتاق من الحربة، لكن ماذا فعلت بك الأشواق أيها الفيلسوف الغريب في هذه المدينة؟ وإلى أين تتجه في هذا الدرب الذي حرم أهله من متعة الأسئلة ومذاق الحقيقة؟، هل تشتاق إلى رائحة خبز الفجر أم ساعة الحرية في مملكة الحكماء؟.
لم تعد الفلسفة قادرة على بناء حياة العظمة في هذه الأمة الممزقة، لأنها حرمت من أداة الفكر النظري: ‘لأننا لو أمعنا النظر قليلا في الفلسفة لوجدنا أنها تنبع من الأصالة الحية للروح، ومن طبيعة الروح أن تبدع العظمة بواسطة الفكر’، ولذلك ينبغي الانتقال من الحاجة إلى الفلسفة إلى أداة التفلسف أعني العقل، إذ يتعين بناء الوعي الذاتي وهدم الوعي الشقي، تلك هي مهمة الفلسفة. إنها علاج مرض الحضارة، فإلى أي متى سنظل في قاعة الانتظار؟، وإلى متى سنظل مجرد ضيوف في التاريخ والحقيقة؟ وما مبرر هذا الصمت الشرس؟ بل كيف يمكن الانفلات من هذا العدم الفكري والثقافي الذي يتشبث بإحياء الآراء الميتة؟.
علمتنا الأيام كيف نقاوم بإخلاص لمطالبنا التي مللنا من تكرارها، أولها تشييد بيت الحكمة، فتح شعبة الفلسفة بكلية الآداب سايس التي تتألم من هذا الحرمان، بناء المعهد العالي للفلسفة والعلوم الإنسانية، إذا أراد المغرب أن يلتحق بالتاريخ، وينتقل من مقام الانهيار الفكري إلى مقام عظمة الروح، ولا يمكن أن نستسلم للقوة الظلامية التي تسير المغرب بروح الغزالي من خلال قراءة تهافت الفلاسفة بصون مزعج، ونحن نندد بتهافت السياسة التي وضعتنا في سجن التخلف، وحولت التربية والتعليم إلى مشتل لتفريخ الجهل والتطرف، والبطالة.
نعم يا عزيزي ابن رشد إن درب النضال طويل وشاق، ولكنه ممتع عندما يمزق الحجاب على وجه الحقيقة، باعتبارها شقيقة الروح، التي تأتي إلى العالم غريبة فتجد حميميتها في الفلسفة.
هنيئا للفلسفة بعيدها الدولي، وكل عام والعالم يقتسم المحبة في هذا اليوم الذي خرج من قلوبنا، التي تتسع لاحتواء الكون بكامله. وأخشى أن نستيقظ ذات يوم فنجد أنفسنا قد حملنا على ظهر دابة ابن رشد إلى المنفى بجواره ونتمتع بجوار فلسفي رائع يعيد إلينا الأمل بدلا من بشاعة هذا الانتظار نريد حديث ينتقد عتمات سياسة الخسة.
شكرا لعميد العمداء، الأستاذ عبد الوهاب التازي سعود الذي أشعل شمعة الفلسفة في فاس لتنير الأرواح العلمية في المغرب، وظل مصرا على الاحتفال معنا في كل عيد للفلسفة، وشكرا لمجلس مدينة فاس على دعمه، ووالي المدينة على فتحه باب قصر المؤتمرات أمام طلبة العلوم الإنسانية بفاس، كما أشكر بعمق كبير الأستاذ سعيد بنعمر العمراني، هذا الذي أحب الحكمة وأخلص في محبته. وأحمد فاضل الفاضل.