اليونانيون يتمنون مشاهدته برحابة أفق والإيرانيون يرون فيه إهانة للحضارة الفارسية

حجم الخط
0

اليونانيون يتمنون مشاهدته برحابة أفق والإيرانيون يرون فيه إهانة للحضارة الفارسية

محمد نصرالله في معرضه الجديد بدار المشرق فيلم 300 للمخرج الأمريكي زاك سنايدر:اليونانيون يتمنون مشاهدته برحابة أفق والإيرانيون يرون فيه إهانة للحضارة الفارسيةأمستردام ـ القدس العربي ـ من عدنان حسين أحمد: أثار فيلم 300 للمخرج الأمريكي زاك سنايدر ردود فعل إيرانية غاضبة علي المستويين الرسمي والشعبي. وقد اعتبر الإيرانيون هذا الفيلم الذي جاء متزامناً مع تصاعد وتيرة الملف النووي الإيراني إهانة للحضارة الفارسية . كما وصفه بعض النقاد الإيرانيين بأنه تزوير وتشويه متعمَدين لتاريخ الإمبراطورية الفارسية. وقد خلصت مجمل الآراء بأن هذا الفيلم ناجم عن موقف عدائي هدفه شن حرب ثقافية ونفسية مؤازرة للحرب الإعلامية التي تشنها الولايات المتحدة مع الغرب الأوروبي المناهضَين للتوجهات الإيرانية . وجدير ذكره أن هذا الفيلم قد تصدر قائمة أعلي ايرادات شباك التذاكر في الأسبوع المنصرم، حيث حصد في عروضه الأولي ما يزيد علي 70 مليون دولار، وهو رقم قياسي كبير حتي في حسابات السينما الهوليوودية. وقد بلغ غضب بعض البرلمانيين الإيرانيين أشدّه حينما ناشدوا كلاً من وزير الخارجية منوشهر متكي، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي محمد حسن صفار أن يطلبوا من بعض الدول الإسلامية عدم عرض هذا الفيلم الهوليوودي المعادي لإيران، والساعي الي مسخها، والحط من مكانتها الحضارية بين شعوب ودول العالم.الملحمة التاريخيةلا بد من الاشارة الي أن فيلم 300 مأخوذ عن رواية كوميدية مصورة عنوانها 300 لفرانك ميللر، وهي تتحدث عن المعركة الدامية تيرموبيل التي دارت بين الاسبارطيين والفرس عام 480 ق.م. وثيمة هذه الرواية تقول بأن 300 محارب اسبارطي يقودهم الملك ليونيداس جيرارد باتلر قاتلوا حتي الرجل الأخير من أجل اعاقة تقدّم الجيش الفارسي الجرار الذي يقوده الملك الفارسي أحشويرش رودريكو سانتورو . إن تضحية المقاتلين الأسبارطيين بأنفسهم في الدفاع عن بلادهم قد ألهمت كل اليونانيين في التوحد بوجه الغزاة الفرس الذين جاؤوا لكسر شوكة اليونان. وفي القصة ذاتها تحاول غورغو ملكة أسبارطة جسدت الدور الفنانة لينا هيدي أن تحشد الشعب الأغريقي لمؤازرة زوجها الذي يقود حربه الطاحنة ضد الفرس الغزاة الذين حشدوا جيشاً كبيراً بلغ تعدادة نحو مليون مقاتل. أسفرت هذه المعركة عن هزيمة الأغريق الذين كان عددهم 300 مقاتل، لكنهم كبدوا الجيش الفارسي خسائر كبيرة ظلت مضرباً للأمثال التي تعكس شدتهم في القتال، وتضحيتهم بالغالي والنفيس من أجل الذود عن بلادهم. وأكثر من ذلك فإنهم ينسبون خسارتهم في المعركة الي الخيانة التي وقعت بين صفوفهم، ولولاها لربما عاد الجيش الفارسي يجر أذيال الخيبة والخسران. أن تنديد بعض الوزراء الإيرانيين، وأعضاء في البرلمان الإيراني، وأصحاب المدوّنات الإلكترونية قد جاء علي خلفية مضمون الفيلم، والرسائل المبطنة فيه، والتي تصف الجيش الفارسي الكبير بالغلظة والفظاظة والوحشية حيث تنسب إليهم مشاهد قطع الرؤوس بطريقة بربرية غير مسبوقة، بينما يرد المسؤولون الإيرانيون بأن امبراطوريتهم الفارسية في عام 480 ق. م كانت الامبراطورية الأكثر عظمة وتحضراً .حرب ثقافية ونفسيةوصفت النقاد والساسة الإيرانيون فيلم 300 بأنه عدائي يستهدف الحط من الشخصية الإيرانية المعاصرة من خلال خلق صورة نمطية ترسخ مفهوم وحشية المقاتل الإيراني الذي يتعامل مع أعدائه بطريقة لا انسانية حتي وإن جاء هذا الاستهداف عبر قصة تاريخية يزيد عمرها علي ألفي وأربعمائة وثمانين سنة! والمثير للدهشة أن إزدراء الأسلاف في هذا الفيلم قد أجج الإنتقادات من كل حدب وصوب، فلقد اجمعت الأطياف الإيرانية برمتها علي التصدي لهذه الصور النمطية التي تسعي هوليوود لترسيخها في الذاكرة الجمعية للعالم. وهم يخشون أن تستثمر أمريكا هذه الصورة في ظل الظروف الراهنة التي تشهد فيها ايران ضغوطاً متنوعة من جانب أمريكا وأوروبا علي حد سواء. ان مبعث هذا التوتر بين الشرق والغرب يعود الي أن الغربيين أنفسهم كانوا يرون، ولا يزالون بأن هذه المعركة كانت بمثابة الحرب الأولي بين الشرق بمحمولاته العدوانية المتخلفة، وبين الغرب الذي ينطوي قيمٍ حضارية متطورة. ومن هنا، علي وجه التحديد، نستطيع أن نفهم اتهام جواد شامقدري، المستشار الفني للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي قال بأن الفيلم جزء من الحرب الأمريكية النفسية الشاملة التي تستهدف الحضارة الايرانية . ولكنه شدد بالمقابل علي أن القيم في الثقافة الايرانية والثورة الإسلامية راسخة بعمق، ولا تحطمها مثل هذه الخطط . وطالب المخرجين الإيرانيين بإنجاز الكثير من الأفلام الإيرانية ذات الطابع الفني العميق والذي يُعتبر رداً مناسباً علي مثل هذه الأفلام الإستفزازية.وجهة النظر الأوروبية لم يكلف الأمريكيون واليونانيون أنفسهم عناء الرد علي هذه الاتهامات، بل انهم تجاهلوها تماماً، وأعتبروها ضرباً من التهويل والمبالغة المفرطة في الخشية من الآخر. وهم يرون أن المخرج الأمريكي زاك سنايدر، الذي سبق له أن أخرج فجر الموتي و المراقبون ، إنما يعتمد في أفلامه علي الكثير من الخدع المشهدية التي ينجزها عن طريق الكومبيوتر، وذلك من أجل خلق مشاهد مرعبة تعكس أجواء الحرب الدموية التي اندلعت قبل نحو ألفي وأربعمائة وثمانين سنة. وإن الإثارة والتشويق هما عنصران أساسيان في هذا النوع من الأفلام التي تعيد لنا تاريخاً مدفوناً في الذاكرة البعيدة. كما أشاد النقاد بالمؤثرات السمعية والبصرية التي جسدت هول المعركة وفظاعتها، كما لفتت الانتباه الي ممثلين بارعين من طراز الأسكتلندي جيرار بتلر، والبرازيلي رودروغو سانتورو، والبريطاني دومنيك ويست، والأسترالي ديفد ونهام، والنجمة الريطانية لينا هيدي. إن ممثلين من هذا الطراز لا يفكرون بالإساءة الي شعب بحد ذاته، ولا حضارة بعينها. وفي اليونان نفسها، حيث جرت وقائع هذه المعركة التاريخية القديمة، تم عرض الفيلم في مدينة أسبارطة جنوبي اليونان خلال معرض للقصص الكوميدية المصورة، ومنها قصة 300 للكاتب الكوميدي فرانك ميللر التي أخذ عنها هذا الفيلم المثير للجدل. كما أن بانوس بابادولياس، مدير المعرض المذكور، والمولود في إسبارطة قد صرّح لوكالة أثينا للأنباء قائلاً: إن الفيلم ليس عملاً تاريخياً، لكنه عمل فني يقدم تصوراً مرئياً لرواية كوميدية، وإذا أدركتم هذه النقطة ستشاهدون الفيلم برحابة أفق . متغاضياً عن الضجة المفتعلة التي أثارها الإيرانيون، وذهبوا بعيداً في تصوراتهم التي لا تمت الي الحقيقة بصله بحسب وجهات النظر الغربية. فهم، أي اليونانيون، يأملون بأن يزداد اهتمام السياح الأجانب بمدينتي أسبارطة ولاكونيا من خلال معرض القصص الكوميدية والأفلام المستوحاة عنها، الأمر الذي يبعد عنهم الشكوك والتخرصات التي تقول بأنهم يهدفون الي إهانة الحضارة الفارسية من خلال إعادة انتاج المعارك التاريخية. وأكثر من ذلك فاليونانيون يقولون إن إسبارطة القديمة لم تكن فقط ساحة للقتال مثلما يصورها الفيلم، لكنها كانت أرض حضارة وشعر وموسيقي وثقافة .2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية