اليُتم اليساري في العراق!
جمال محمد تقياليُتم اليساري في العراق!تحديد الموقع الفكري والسياسي والبرنامجي لاي حركة او تيار او حزب، علي الخارطة الفعلية، وعلي جغرافية القوي الاجتماعية المتضادة في وحدة زمنية ما، وفي اي بلد او قارة او علي صعيد العالم كله، وضمن عملية تفاعل متبادل، بين العام والخاص، والذاتي والموضوعي، وضـــــمن معادلات احتمالية متغيرة، قد يكون فيها العامــــــل المساعد هنا هو عامل حاسم هناك، تجد فرزا متجددا، علي اساس المواقف المختلفة من قضايا، توزيع الثروة واشكال الملكية وشكل الدولة ونمط الانتاج والاستهلاك وما يتشعب عنها، او يستجد فـــــي كل الميادين التي توظف لخدمة طرفي الصراع، وكل هذا الفرز لا يعني تصنيف ادانة او اشادة مسبقة علي وجهتها، فكلاهما اليمين واليسار، ينطلق من قاعدة اجتماعية، وله مبررات وجود سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية. لليسار موقع سياسي وفكري وخصائص محددة تغتني وتتجاوز في طريق نموها الطبيعي مراحل الطفولة والمراهقة والشباب والنضج والشيخوخة ثم الموت الذي يولد في رحمه شكل جديد ليسار جديد نافيا نفيه، ومثله اليمين ايضا، ومفردة اليسار عبارة عن وعاء لغوي تمييزي يحتم تداوله وجود مفردة قطب اليمين، وهي بهذا المعني تعبير عن وجهة قياسية محددة يحكم عليها من خلال ادائها، ونقطة تطابق اهدافها، في الممارسة مع نتائج صراعها لا غير، وان افتقدت لهذا المعني، فتبقي التسمية، مجرد اتجاه مثل بقية الاتجاهات الاربعة.ان القطبين السالب والموجب هما حتميان لاي عملية تشغيل لتيار الطاقة، واليسار واليمين وتفاعلات صراعاتهما حتميان ايضا، لاي عملية تطور وحركة تصاعدية للمجتمعات الطبقية السائدة. ليست مفردة اليسار حميدة بحد ذاتها، وليس الموصوف بها مشادا به بالضرورة، ولا مفردة اليمين شتيمة، وليس الموصوف بها ذميما بالضرورة، وهكذا الحال بالنسبة للوسط، ويمينه ويساره، ولا شطط في قولنا ان تصير وتبلور قطب يساري واضح بتاثيره في خطوط الطول والعرض التي تشد جغرافية المعادلة السياسية يفترض بالضرورة تصير وتبلور قطب يميني له فعل الشد نفسه لكنه يعاكسه الاتجاه، وكلما كان الطرفان حريصين علي الشد المتوازن الذي لا يخل بآليات الصراع، لكي لا يؤدي الي خسارة القطبين معا، فانهما بذلك يمارسان نضجا عميقا في ادراك المسؤولية الكلية المترتبة علي ممارساتهما معا، مما يزيد من احتماليات تجدد عمريهما الافتراضي بتواصل راق، وقد يفتح ذلك الباب واسعا امام توازن، يعززه تجذر معرفي في تجاوز فكرة الهيمنة نحو فكرة المشاركة.كفتا لوح قطباه يمين ويسار، وما بينهما يبتعد ويقترب من احدهما كلما زاد وزنه، فاذا مال اللوح باتجاه الاثقل وركز طرفه، فمعني هذا انه قد كسب حركة هذا اللوح خلال هذه الجولة من التارجح وسيكون مصير اقصي الجبهة المقابلة معلقا بشدة وقع الركزة تلك.هذا التوصيف يذبل ويتلكا ويتكسح امام حالات التخشب الطبقي والتشوه والاضطراب المجتمعي ويسيح تاركا الباب مفتوحا الي توصيفات تسبق حالات التبلور والاصطفاف السوي بين يسار ويمين، بين محافظين ومطالبين بالتغيير، بين مالكين وماجورين، اي بين طبقات اجتماعية، وليست اطباق اجتماعية، بمعني العينات الاجتماعية المتوفرة، والتي لا تشكل نمطا اجتماعيا، لانها عينات غير سائدة ولم تاخذ مداها الضروري، مهما حملناها، ما لا تحتمل، من لبوس مستعارة، ووصفناها بما ليس فيها من باب الهروب للامام، وهذه الحالة هي نتيجة لاحد الاحتمالين التاليين، اما ان المجتمع المعني ما زال متخلفا ومعزولا، او انه مجتمع نام وفيه كل مستويات الاصطفاف والفرز لكنه فجر من داخله تفجيرا هائلا ادي الي تشظي نموه الطبيعي وانهيار منظومة دولته بالاحتلال الاجنبي المباشر، او بالاحتلال غير المباشر بواسطة التسيير المبرمج عن بعد ضمن مناطق النفوذ التابعة والمهيمن عليها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، والحالة الثانية تنطبق علي العراق، اي انه مجتمع نام فجر من داخله، والحقيقة ان السعي الحثيث لقطع عملية نموه واعاقتها وحرمانها من امكانيات الاستئناف ابتدات فعليا منذ بداية عقد التسعينات، اي بفرض الحصارالشامل والمدمر الذي استمر زهاء 13 عاما، ثم توج بالاحتلال المباشر في 9/4/2003، بمعني ان فترة الحصار هي الفترة المدي الواقعي للهدم المنظم، وما حدث بعد عام 2003 هو تسوية الارض لاقامة مجتمع الفوضي الخلاقة كما يحلو للبعض تسميتها، فهي عملية اتلاف وبتر وتحطيم لكل طلل تبقي بعد الحصار كي لا يكون شاهدا علي نمو كان ولا يكون محفزا لاي نوع من لاستدعاء والاستئناف، انها عودة الي الوراء بكل المقاييس، وما يهمنا هنا حالة الطبقات الاجتماعية، التي يفترض ان يكون اليسار واليمين التعبير السياسي لافرازات استقطاباتها وتركزها وتمركزها.الطبقات في العراق اطباق طائرةاكثر من 70% من الايدي العاملة عاطلة عن العمل، بدون اي تامينات اجتماعية او صحية، اغلب معامل ومصانع القطاع العام والخاص اما دمرت او بيعت كخردة او فككت لتباع في دول الجوار، وحتي المجال النفطي فقد شمله قانون الاجتثاث والتصفية، فقد تسربت خيرة الخبرات الفنية العراقية للعمل في الخارج، ويتم الاستعاضة عن الايدي العاملة العراقية رويدا رويدا لتحل محلها شركات اجنبية بطواقم مستوردة، فقط اعمال الخدمة والضيافة تترك للعراقيين. اما العمل في المجال الزراعي والحيواني فقد انهار وما بقي فيه من رمق فهو صراع من اجل البقاء لا غير، ارض تزداد ملوحة، تعطل في كل مشاريع البزل، انهيار نظام حصص الاسمدة والمبيدات، هجرة مخيفة داخليا وخارجيا، انهيار نظام الخدمة البيطرية، تلوث اشعاعي وبيئي خطير، استخدام سياسة الباب المفتوح امام كل انواع البضائع، تدهور مكانة المنتوج المحلي العراقي وجعله في خبر كان، والمقصود بالمنتوج المحلي، الصناعات اليدوية والاعمال الحرفية، والمنتجات المنزلية، نزوع واضح نحو الاعمال الطفيلية وغير المنتجة السمسرة، الدلالة، الارتزاق، ومهنة جديدة هي شركات الامن الخاص ـ الحماية ـ . ازدهار قيم الشعوذة والنصب والتحايل والفساد الاخلاقي مع ظاهرة طافحة جديدة هي تعاطي المخدرات وعلي نطاق واسع.انهيار شامل وكامل للطبقة الوسطي (الموظفون من ذوي الكفاءات، تجار الجملة التقليديون، الصناعيون، المالكون المتوسطون في الريف والمدينة).سيادة طبقة طفيلية طارئة بشرائح متعددة ومنوعة علي اغلب مجالات الحياة العراقية (السياسية والاقتصادية والثقافية والخدمية).تزايد هائل في كم وكيف الطبقة المعدمة، او المسحوقة او الكادحة سمـــــها ما شئت، وهناك شرائح وفئات اجتماعية قليلة نسبيا تقع بينها البين، اي بين الطبقة الكادحة والطبقة الميسر حالها او الميسورة.اين اليسار من كل هذا؟مثلما ليس هناك يمين واضح فليس هناك يسار واضح، لاننا نتكلم عن حطام وبقايا، وما انفك غربال الفرز يعمل بعد، ولان هناك تفجيرا اجتماعيا سلبيا وارتداديا هائلا، فان الاصطفاف الاساسي ستكون علته في الموقف من عوامل التفجير، وكيفية مجابهتها، لاستئناف عملية النمو الطبيعي والفرز الطبيعي لقوي مستقطبة موضوعيا في صراع طبقي وسياسي بعيدا عن الارادوية، وقد بدات ارهاصات هذا الفرز فعلا، بين فئة سياسية تماهت مع فعل التفجير وفاعليه وانخرطت لترتيب حالها علي اساس تداعياته المشروطة بشروط فاعله، وبين فئات صامتة، واخري مندهشة، واخري مقاومة، واخري منتهزة، لكن الفئات المقاومة بمعناها الشامل تزداد قوة، والمقاومة هنا هي كل اشكال الرفض للمشروع الاحتلالي وشروطه التي يضعها علي طفيليه من العراقيين لرسم مستقبل بلاد مسموح لها ان تبيع نفطها لزبائن معينين وبشروط معينة مقابل شراء ما يسد الرمق من غذاء ودواء ليس اكثر من ذلك!وازدياد هذا الرفض يتاتي كلما انكشفت عورات المحتلين واتباعهم وهذا الامر حاصل وبتعاظم رغم كل اشكال التدليس والمغالطات والتجويع والاشغال والتعبئة الانعزالية الطائفية والاثنية والمناطقية التي يلف ويدور حولها المحتل واذنابه.صحيح ان اليسار في اجزاء واسعة من العالم تلقي طعنة موجعة في انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية، لكن هذه الطعنة ستكون بمثابة الجرح الذي يجعل صاحبه اقوي لو كانت منطلقاته في العدة والعدد هي منطلقات محلية وطنية حرة، كما هو حال يسار امريكا اللاتينية مثلا، فاليسار سيفرز معطياته عدة وعددا من هذه الاغلبية الساحقة المسحوقة، واليمين سيفرز معطياته من فئاته المتضررة حتما من الاستعمار والاستثمار الامبريالي الجديد الذي يريد جعل الاستثمار الوطني هو عبد مسير لا مخير، وعليه فاليسار واليمين موضوعيا في خندق واحد للنضال من اجل استعادة حلبة الصراع، من اجل استعادة الوطن. الوطنية ليست شعارات نرددها، الوطنية افعال نستنهض بها الكادحين نحو وطن حر وشعب مرفه هذا ما قاله عاصم فليح اول قائد للحزب الشيوعي العراقي. كنت وطنيا قبل ان اكون شيوعيا وعندما اصبحت شيوعيا صارت وطنيتي اوثق يوسف سلمان يوسف ـ مؤسس الحزب الشيوعي العراقي. الدفاع عن الوطن ضد اي محاولة لاحتلاله او اذلال شعبه هو واجب مقدس تحقيقه يتيح للشيوعيين امكانية رحبة للانطلاق نحو اهداف الحزب ليكون في الطليعة حقا . الراحل زكي خيري قائد شيوعي مخضرم.هؤلاء وغيرهم الكثيرون من زعماء اليسار الاصيل الذين تخرجوا من مدرسة الوطنية الاولي الحزب الوطني وزعيمه الوطني واليساري البارز جعفر ابو التمن، وكانوا اقرانا ليساريين خلاقين من امثال كامل الجادرجي وابراهيم كبة وفؤاد الركابي وعزيز شريف ومكرم الطالباني وغيرهم من الشهود علي الجذوة الوطنية الفياضة لليسار الاول. حزبان شيوعيان في بلد واحد احدهما يكذب فلاديمير لينيناريد من القاريء ان يؤسس بنفسه علي ضوء مقولة لينين اعلاه بعد ان اسرد وجها اخر للحالة الراهنة.. الطبقة العاملة الكردية في العراق، الطبقة العاملة التركمانية في العراق، الطبقة العاملة الشيعية في العراق، الطبقة العاملة السنية في العراق، الطبقة العاملة التركمانية في كردستان العراق، الطبقة العاملة الفيلية في العراق، الطبقة العاملة المندائية في العراق، الطبقة العاملة الكلدو اشورية في العراق (اعذرونا عن نسيان اي مكون اخر من مكونات والطبقات العاملة في العراق)!.لا نقابات حقيقية للعمال أو اتحاد حقيقي، وعلي غرار ذلك اوضاع نقابات المعلمين واتحادات الطلاب ومنظمات النساء والجمعيات المهنية كالمحامين والصحافيين، حتي اتحاد الكتاب والادباء صار في ظل العراق الجديد ادارة صورية للفدرلة البائسة.الحزب الشيوعي الكردستاني، الحزب الشيوعي العراقي اللجنة المركزية، الحزب الشيوعي العراقي القيادة المركزية، الحزب الشيوعي العمالي العراقي، حركة اتحاد الشعب، منظمة سلام عادل، الحزب الشيوعي العراقي الكادر، منظمة اللينيين الثوريين، والقائمة تطول. اما كلهم كاذبون، او لا يطيق بعضهم بعضا، واما الاثنان معا، وبما ان العبرة في النتائج فانها ومنذ زمن قد اعلنت عن نفسها، انهم جميعا ليست لهم لا عدة العمل التي يتاهلون بها ولا العدد، وهذا اكبرهم حظا بحكم مماهاته للمشروع الاحتلالي لم يحصل الا علي مقعدين في انتخابات يقول عنها ديمقراطية، كان شخص واحد مثل مشعان الجبوري قد حصل فيها علي ثلاثة مقاعد!؟ وعليه فلا اليمين يمينا ولا اليسار يسارا، والمطلوب استعادة بساط الوطن الذي سحبه الاحتلال من تحت الجميع، المطلوب جبهة وطنية شاملة للتحرير ووضع البلاد علي طريق التنمية الديمقراطية الحقيقية، ليلعب اليمين واليسار لعبتهما علي ملعب الوطن المستعاد.ہ كاتب من العراق8