الي كل من يهمه امر الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة

حجم الخط
0

الي كل من يهمه امر الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة

د. محرز الحسينيالي كل من يهمه امر الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدةفي الوقت الذي تبذل فيه قيادات ومنظمات عربية اسلامية الكثير من الجهد والمال والوقت من أجل تحسين صورة الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة هناك بعض الأئمة يقومون بعمليات منظمة لغسل عقول شباب صغير السن من المراهقين من أبناء الجالية وتشتيت عقولهم بأفكار مشوشة عن الإسلام والجهاد والتكفير والكفر والمجتمع الضال ويقدمون لهم تفاسير نصوص قرآنية منتقاة باسلوب يجعل هؤلاء الشباب يتمردون علي آبائهم واسرهم بل وعلي المجتمع الذي يعيشون فيه ويهملون دراستهم ومدارسهم ويمضون اوقاتهم في مشاهدة بعض افلام الفيديو والاستماع لشرائط كاسيت ـ معظمها تقدم لهم مجانا ـ تحتوي علي لقطات تظهر اساليب تدريب شباب المسلمين علي الجهاد عسكريا وفكريا، الي جانب لقطات اخري تصور معاناة المسلمين في بعض البلدان الاسلامية تصاحبها مؤثرات صوتية حماسية تتضمن آيات من القرآن الكريم وفقرات من خطب بعض الدعاة التي تحث علي الجهاد والشهادة والتضحية بالنفس وارهاب العدو. والنتيجة الطبيعية لهذه العمليات التضليلية أنه اصبح هناك العديد من الأسر المسلمـــــة تتعرض للإنهيار نتيجة انحراف الفكر الديني عند أبنائها، والبعض من هؤلاء الشباب، أو الضحايا، إما في انتظــــار محاكمات قضائية أو يمضي فترة عقوبة في سجن الأحداث أو تحت مراقبة امنية شديدة ومستمرة نتيجة تعاملهم مع الغير باساليب عدوانية ومحاولة التبشير عن طريق العنف والدعوة الي الجهاد بطــــرق استفزازية. والجدير بالذكر ان هناك بعض السماسرة من جنسيات مختلفة، عربية وغير عربية، يندمجون في وسط هؤلاء المراهقين وينتقون منهم افرادا تتوافر فيهم مواصفات خاصة تؤهلهم لعمليات غسيل المخ وان يكون لديهم استعداد طبيعي للإنحراف وتقبل العنف كوسيلة لفرض الفكر والسلوك، ثم يتم بعد ذلك تسليمهم لدعاة منتشرين في بعض المدن الأمريكية. ومن الملاحظ ان اهم معايير انتقاء هؤلاء الشباب هي الاستعداد الفطري للتمرد وعدم اجادة اللغة العربية او تفهم معاني مفرداتها بدقة وان يكون لديهم احساس بالإغتراب ومعاناة واضحة من هوية غير مستقرة ـ أي هوية لا هي شرقية ولا هي غربية ـ بل هوية مشتتة واحساس بالضياع الوجداني وواقع فكري مضطرب يبحث فيه الشاب عن معني لوجوده وهدف ينتمي اليه يحقق من خلاله ذاته وكيانه. وتحت تاثير أفكار دينية مشوشة تنتابهم حالة من الرفض لكل شيء يحيط بهم .. رفض للاسرة والمجتمع، وتختل بالتالي علاقاتهم مع الآباء والأصدقاء ويقومون بتكسير التماثيل في منازلهم ونزع الصور المعلقة علي الحوائط وتخريب التليفزيونات باعتبارها أدوات شيطانية تجسد حالات الكفر والشرك والإنحراف عن الدين والشرع ويطالبون آباءهم بضرورة اطلاق لحاهم ولبس السروال والقفطان ذي مواصفات خاصة واطالة اللحي وتضفير شعر رؤوسهم وفقا للسنة، والإصرار علي تحجب امهاتهم بل وضرورة لبسهن النقاب وعدم خروجهن من المنزل. هذا ما يحدث بالفعل مع بعض أبناء الأسر العربية في الولايات المتحدة وليس في بلاد الأم العربية!ومن اجل الكشف عن دوافع تنامي تلك الظاهرة التي نعرضها علي القارئ دون أي مبالغة او محسنات لفظية، التقيت مع شاب صغير يجسد تلك الظاهره فكرا وسلوكا، لكي استمع الي وجهات نظره ومبررات سلوكه ومدي المامه بالمبادئ الأساسية للدين أو معاني ما يقوله من كلمات او جمل عربية ركيكة سطحية المضمون والمعني، وجدت انه لا يعرف حتي الأركان الأساسية للدين الإسلامي التي يعرفها عامة المسلمين ولا يحفظ عن ظهر قلب من الفكر والتعاليم الاسلامية باللغة العربية الا بعض الآيات المتفرقة من سورتي (الأنفال) و(التوبة) خاصة ما يتعلق منها بالجهاد والتكفير والكافرين وارهاب العدو واعداد القوة. ويصر علي ان الواجب الأساسي لكل مسلم في الحياة هو محاربة الكفار من المسلمين وغير المسلمين، وعندما سالته عن تعريفه للكافر اجاب بلا تردد : هو من لا يؤدي واجب الجهاد، وعندما سألته عن الهدف من وراء الجهاد قال ايضا بلا تردد هو الجهاد ضد الكافرين! وعندما حاولت ان اعرف من هم الكافرون في نظره قال (هم كل الذين لا يؤمنون بما آمنت به من حق). استماعي الي هذه الكلمات جعلني استشرف هول الكارثة التي يمكن ان تنقض علي الاسلام والمسلمين في امريكا وغيرها من بلاد المهجر ذلك لو اعتنق شباب الاسلام، وهم الجيل الجديد، مثل تلك الأفكار. ونظرا لكوني غير مؤهل للفتوي او التفسير الديني بشكل متخصص ارسلت هذا الشاب الصغير الي صديق لي من دعاة المسلمين املا في اصلاحه، خاصة وهو عالم اثق في فكره ويحمل شهادة الدكتوراة في العلوم الدينية ويجيد اللغة الانكليزية، وعقب مقابلته لهذا الشاب قال لي (انني لا اعرف من أين جاء هذا الشاب المسكين بهذه الأفكار الخاطئة وهذه التفسيرات المضللة لبعض النصوص القرآنية ولماذا لا يعرف من القرآن الكريم الا بعض الآيات المتفرقة من سورتي الأنفال والتوبة فقط.. ان فكره المشتت وسلوكه المضطرب يمثلان ظاهرة خطيرة تهدد الاسلام والمسلمين في هذا البلد وكلها ظواهر سلبية يجب تصحيحها والتعرف علي هؤلاء المضللين وابعادهم عن ابنائنا). الحقيقة المؤسفة في هذا الصدد ان مثل هذا الشاب الصغير الذي لا يتعدي عمره 16 عاما فقط وليس لديه أي خبرة في الحياة او علم صحيح بالشأن الديني او معايير مستقرة لتفهم اصول الفقه والشريعة، هو في الواقع ضحية لظروف ليس له يد في خلقها، شاب صغير حاول ان يجد لنفسه في الدين هوية، فتلقي مفاهيم وتفاسير خاطئة عن مضمون الرسالات السماوية، خاصة وانه يتلقي معارفه من شخصيات تعتبر في تقديره مرجعية فقهية ودينية لا تخطئ في القول أو تحرف معاني الكلمات، وفي نفس الوقت لم يجد في المقابل من يصحح له مفاهيمه وفكره وبالتالي اصبحت لديه قناعة بان الطريق الي الجنة والخلود فيها هو الجهاد (فقط) الذي قدم له ايضا في اطار يخرج عن المعني الصحيح لهذه الكلمة. ويحق التساؤل هنا: ما هي جناية هذا الشاب الصغير؟ ومن هو المتهم الحقيقي في تلك المأساة؟ ومن ينفق علي هؤلاء الدعاة والسماسرة؟ ولماذا تنفق كل هذه الأموال؟ وهل هذا المنهج يخدم الإسلام والمسلمين أم انه يوظف لصالح جهات اخري؟ وهل هذا يتم عن علم صحيح أم جهل وعبثية؟والجدير بالذكر في شأن تلك الظاهرة الخطيرة هو حيرة الأجهزة الأمنية الأمريكية في اختيار الأسلوب الأمثل للتعامل معها وكيفية إنقاذ أبناء المسلمين من هذا الضياع الفكري حفاظا علي الجالية وأمن الدولة المضيفة لها. والإشكالية هنا تتمثل في الآتي: لو ابتعدت الأجهزة الأمنية عن المساجد ولم تتدخل في شؤونها صرخت الجالية وتقول ان الأجهزة الأمنية لا تهتم بمصير ابنائنا وانها تترك عن قصد دعاة يضللون الأبناء ويشوهون افكارهم ويقضون علي مستقبلهم لسبب أو آخر…. ولو تدخلت تلك الأجهزة لعادت الجالية مرة اخري للصراخ وتعلن عن رفضها لتدخل الأمن الأمريكي في شؤون المساجد وعمل الدعاة والدعوة وتستنكر التعدي علي حريات ممارسة الدين والعقيدة.. وبالتالي يصبح التساؤل الملح امام جميع أطراف القضية: ما هو العمل وكيف يمكن مواجهة تلك الظاهرة المدمرة لحاضر ومستقبل الجالية العربية الاسلامية في امريكا؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة احتواء آثارها المدمرة علي الأمن الأمريكي دون التعدي علي مساحة الحريات الواسعة المتاحة للجالية الاسلامية؟ لا شك ان هناك العديد من العوامل المتشابكة التي تعوق التعامل مع هذه الظاهرة بشكل واقعي وفاعل في المهجر، لا يتسع المجال هنا للإستفاضة فيها، ولكن من اهمها وجود مدرسة فكرية تؤمن بنظرية المؤامرة وتعلن ان هناك قوي خفية تكره وتخشي من تطور أوضاع الاسلام والمسلمين في أمريكا وتحاول تشويه صورتهم قبل ان تزداد قوتهم ويتعاظم تأثيرهم في المجتمع. وقد يتمادي البعض بالقول ان هذه القوي تحاول الخروج بفكرة تصادم الحضارات بين الشرق والغرب من نطاق النظريات والكتب وتحويلها الي واقع وحقيقة وذلك من خلال تغذية دوافع ومبررات هذا التصادم بخلق جيل جديد من المسلمين يتخذ من التطرف والعنف اسلوبا للتعامل مع قضايا الحياة والمستقبل، خاصة وان نتائج هذا التصادم محسومة قبل ان يبدأ. وكنتيجة طبيعية لهذا المنهج الفكري يتحول جهد الجالية وفكرها نحو مواجهة عدو خارجي هلامي الشكل غير واضح المعالم يصعب تلمس عناصره، وبالتالي تضيع الطاقات في حرث الهواء. ان مثل هذه العقلية لا تختلف كثيرا عن بعض العقول في الاقطار العربية التي استسلمت لنظرية المؤامرة وتركت حاضرها ومستقبلها ضحية لرؤية قدرية سلبية انتهت بتفكك الأمة وتمزقها وتحولها الي كيانات بشرية هشة فاقدة القدرة والمقدرة علي اتخاذ أي مبادرة أو التفكير والعمل بشكل منطقي أو عقلاني. انها نفس العقلية التي تبحث عن أسباب الإنهياروالتراجع من خارج معطيات الواقع بكل حقائقه وظروفه ونقاط ضعفه وعناصر تخلفه. لا شك ان هذه الظاهرة المتنامية في واقع الجالية الاسلامية بالمهجر الأمريكي تفرض مسؤولية عظمي علي الجالية ذاتها، وخاصة علي الآباء وأولياء الأمورالذين يتركون فكر وسلوك أبنائهم فريسة سائغة للآخرين، بغض النظر عن نواياهم ودوافعهم المقصودة او غير المقصودة. ان هذه المسؤولية تفرض علي الآباء ضرورة عدم ترك ابنائهم صغار السن يحضرون الجلسات الدينية بمفردهم بل يجب اصطحابهم والاستماع الي ما يقال لهم في الشأن الديني وما لا يقال لهم في بعض المساجد، وان يتحروا بدقة ويعرفوا تاريخ وفكر وآراء القائمين بالدعوة فيها، وعليهم مطالبة مجالس الادارات بضرورة ابعاد كل من يشوه الدين ويحرف التفسير ويضلل الشباب. وهــــذه مسؤوليـــة تتطلب ايضا ضرورة بناء جسور الحوار مع الأبناء واعطــــاء النموذج لهم سواء في الفكر او الســـــلوك ومناقشة مشــــكلة الهــوية (Identity Crisis) بموضوعية ومنطق ولغة يفهمها الأبناء وتوجيههم لأنسب اساليب التعامل مع حقائق ومطالب التواجد في المهجر بكل ابعادها الثقافية والاجتماعية والدينية والقانونية، وارشادهم نحو اسس بناء علاقات المسلم مع غير المسلم بما يتفق مع تعاليم الدين الاسلامي الحنيف وان خير وسيلة للدعوة هي اتباع السلوك الحسن واعطاء القدوة الجاذبة، دون ان يفقد هذا الشباب المقومات الأساسية لهويتهم الثقافية والدينية والتاريخية. علي الآباء ضرورة التعرف علي اصدقاء ابنائهم بل علي كل من يختلطون بهم سواء في المدرسة او في اوقات الفراغ، خاصة من أعلنوا اسلامهم من جنسيات اخري، ومراقبة كل ما يطلع عليه الأبناء علي شاشات الكمبيوتر وما يتبادلونه من احاديث ومناقشات عليها. ان تربية وخلق جيل جديد قادر علي تحمل المسؤولية بواقعية وعقلانية في المهجر هي مسؤولية تقع بالأساس علي عاتق الآباء والأسرة قبل اي جهة اخري أمنية أو دينية او تعليمية. وربما يحق الاشارة في هذا المجال الي حقيقة اقتناع بعض الآباء في المهجر بان الدين في المهجر هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم للحفاظ علي الأبناء من الضياع او الانحراف أو التأثر بافكار وسلوكيات قد تتناقض مع التقاليد الشرقية. ربما لا يختلف احد علي تلك الحقيقة ولكنها مسألة لها خصوصيتها ومحاذيرها وحساسيتها ايضا وتتطلب توخي الحذر الشديد عند ممارستها وتفرض ضرورة الحفاظ علي توازن دقيق بين اساليب التوجيه والارشاد وبين قوة تأثير البيئة الثقافية والاجتماعية والسلوكية التي ينشأ الأبناء في احضانها وتتسرب عناصرها الي وجدانهم بلا ارادة أو وعي. ان حدوث اي خلل في الحفاظ علي هذا التوازن يؤدي بالضرورة الي تقويض اسس الهوية عند الأبناء ويخلق لديهم احساس بالتناقض والضياع والفراغ والتمزق ويجعلهم عرضة للاتجاه نحو نقيض الأشياء. وهذا موضوع يتطلب حديثا خاصا. ان ظاهرة انحراف الابناء في المهجر سواء من الناحية العقائدية او السلوكية بشكل عام تثير قضية اخري تتعلق برحلة الهجرة ذاتها واساليب تأهيل المهاجر لمواجهة مشاكلها المعقدة بشكل علمي صحيح. ان اهم ما يفكر فيه المهاجر عادة، خاصة من يصطحب معه افراد اسرته وابنائه الصغار عند بدء رحلته، هو كيفية تأمين موارده المالية التي توفر له ولأسرته حياة مستقرة ولكن من النادر ان يفكر المهاجر مسبقا في كيفية التعامل مع ابنائه واساليب توجيههم وتربيتهم في بيئة تختلف تماما عن البيئة التي هاجر منها. ومن الملاحظ ان بعض الأسر تسترشد في ذلك بتجارب الآخرين أو ان يتبعوا سياسة تجربة الصواب والخطأ ثم تعديل المسار وفقا للنتائج. ومن المؤسف ان المكتبة العربية تفتقر كثيرا الي دراسات تهتم بأساليب تربية الأبناء في المهجر بشكل متخصص. ان تلك الظاهرة التي بدأت تفرض نفسها علي حال الجالية الاسلامية الأمريكية تفرض حتمية الإسترشاد بآراء العلماء والمتخصصين في مجالات المعرفة الانسانية المختلفة، خاصة في الشأن الإجتماعي والعقائدي والسيكولوجي، وذلك لوضع برامج تربوية علمية قابلة للتطبيق والممارسة في بلاد المهجر يمكن ان يسترشد بها الآباء والأمهات عند مواجهة تلك الحالات الفردية التي علي الرغم من تباعد مواقعها الجغرافية الا انها قد اصبحت تشكل في مجملها ظاهرة اجتماعية متشابكة ومعقدة لو تركت بلا مواجهة او اهملت وهي لا زالت في المهد ستكون لها نتائج وخيمة وسلبية علي وضع ومستقبل الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة خاصة في الظروف الحالية التي يعلم الجميع طبيعتها ومتغيراتها المتلاحقة. رئيس تحرير صحيفة المنصة العربية التي تصدر من الولايات المتحدة ومدير مركز الحوار والدراساتEmail: [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية