الي متي سيتمكن اولمرت من الاستمرار في أداء مهامه واتخاذ القرارات الاستراتيجية بصدد الدولة دون مراقبة احد؟
بيريس المرشح لخلافته اذا رحل فجأة ينفي ذلك ولكن نفسه تشتاق للمنصبالي متي سيتمكن اولمرت من الاستمرار في أداء مهامه واتخاذ القرارات الاستراتيجية بصدد الدولة دون مراقبة احد؟ سؤال: الي متي سيتمكن اهود اولمرت من الاستمرار بهذه الصورة؟ كيف يمكنه أن يستمر في اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية المتعلقة بمستقبل الشعب اليهودي في دولته؟ الي متي سيحتفظ بعقلانيته وقدرته علي الأداء وصحته؟ ليس واضحا. في محيط اولمرت القريب جدا في منزله الداخلي تتزايد مشاعر الندم. هناك من يطالبه بالتنازل عن كل شيء. ترك ذلك. خسارة علي الصحة، وخسارة علي الحياة. في السنة الأخيرة شاخ كما لم يحدث له خلال كل العقد السابق. هو يرزح تحت هجوم متواصل، هو كسب بعضا من هذا الهجوم بنزاهة، تحقيق يتلوه تحقيق، قضية تتبعها قضية، لا يتمكن من الخلود للراحة للحظة واحدة.كما أنه لا يوجد لديه مقربون. يسرائيل ميمون في طريقه نحو الخارج. آسي شريب يُعد العدة للتوجه الي نيويورك، وشولا زاكين مجمدة تحت التحقيق. هو بقي هناك وحيدا في الموقع المقصوف مع يورام توربوفيتش وعوفيد يحزقيل الذي وجد نفسه في يوم الخميس صباحا في مركز قضية متشعبة جديدة. لا يمكن الاستمرار علي هذا النحو واولمرت يعرف ذلك.ماذا سيفعل؟ سؤال ممتاز. هو يريد، ويريد جدا التوجه نحو المسار السوري، ويعرف أن ذلك وحده هو الذي ينقذ حكمه، اذا بقي له حكم ينقذه. ويعرف أن هذه خطوة منطقية. علي المستوي السياسي وعلي المستوي الأمني ايضا. ولكن الامريكيين يواصلون الاصرار علي رفض ذلك. هناك من يحاول اقناعهم بلطف وهدوء وتواضع. في بعض الدوائر في الخارجية الامريكية اقتنعوا ان الوقت قد حان لتغيير السياسة في مواجهة سورية. أما البيت الابيض فلم يقتنع بعد. ولكن أين سورية وأين اولمرت؟ دعوه يكمل اسبوعا واحدا بهدوء. اسبوع واحد. عندما ظهرت قضية استرينا تارتمان استمتع خمس دقائق لان الفضيحة في هذه المرة ليست فضيحته. وعندئذ جاءته القناة العاشرة مع صناعة الفساد .أحد المساعدين السابقين لمستشار اولمرت السابق أعد وثيقة التعيينات التي سُربت للقناة العاشرة. شاب اسمه جيمي إلغوت. في الصيف الأخير تزوج إلغوت من امرأة اسمها دانا ليفي وهي مستشارة اعلامية مستقلة عملت مع جهات يمينية مثل الاتحاد الوطني وآريه الداد وغيرهم. بعد عدة اسابيع اندلعت الحرب. إلغوت جندي. هو قاتل في جنوب لبنان ويقولون ان قتاله كان جيدا، إلا أن المعارك التي أُديرت بصورة سيئة تركت أثرا صعبا في نفسه. في الليلة الأخيرة توجه مع رفاقه الي الكتيبة ووصلوا الي خط الحدود مقطوعي الأنفاس وبطونهم مليئة وعزائمهم منهارة.في الصباح اجتمعوا في قاعة رياضة في أحد التجمعات السكانية وانتظروا. قائد المنطقة الشمالية أودي أدام وصل الي المكان لاستعراض الوضع أمامهم. الجنود رفضوا الاستماع اليه من فرط غيظهم. جيمي إلغوت كان أول من وقف وقال لأدام في خطاب طويل وشديد الكلمات، وحدثه بصراحة عن رأيه فيه وبالحرب. كيف أرسلتمونا غير جاهزين من دون عتاد الي معارك غير مُدارة وغير مدروسة بصورة جيدة؟ أودي أدام ذُهل ولكنه واصل الاصغاء. وعندما انتهي إلغوت من حديثه صفق له كل الجنود. الجنرال نهض وغادر المكان.إلغوت تسرح من الاحتياط حيث لم يعد كما كان. انتقادات كثيرة للمستوي السياسي وما فعله في الحرب من إهمال وتفريط بالجنود. الآن وصلت الي وسائل الاعلام وثيقة كان قد أعدها حينئذ. ربما كان ذلك انتقام جيمي إلغوت، وربما لا. في كل الاحوال هذه الوثيقة تُعيدنا الي الحرب، والحرب تُعيدنا الي لجنة فينوغراد، واللجنة ستعيدنا بعد قليل الي ما حدث هنا في الصيف الأخير.الضوء التحذيري لم يشتعلوماذا بالنسبة لما حدث هنا في يوم الثلاثاء الأخير؟ قضية استرينا تارتمان تبدو من الآن بعيدة ومكروهة. وسائل الاعلام هي مهرب كل وضيع. تارتمان ايضا كما كان متوقعا انقضت علي وسائل الاعلام مطلقة صرخات مرعبة. يتبين أننا فعلنا لها كل ذلك بسبب آرائها السياسية . قالت وبقيت حية رغم ان كل امرأة في مكانها كانت لتنتحر. في هذه الصفحات كُتبت في السنوات الأخيرة كلمات ثناء كثيرة لافيغدور ليبرمان. وهنا كُشفت خطته السياسية الشجاعة. ودُحضت هنا محاولات وصفها كخطة عنصرية أو كـ ترانسفير ليبرمان رغم آرائه السياسية تمتع كثيرا من وسائل الاعلام في هذه السنوات. ومع ذلك انقضضنا علي تارتمان ليس بسبب آرائها وانما بسبب شخصيتها، وسلوكها وعجرفتها وكل أكاذيبها. بسبب ثقتها المفرطة في نفسها التي ترتكز علي تجربة راسخة ! علي الكثير من الهواء الساخن والفاسد. المسألة هي أنها بحد ذاتها لا تساوي جبال الكلمات التي كُتبت عنها في هذا الاسبوع. آلاف الأمهات سيهددن أبناءهن باحضار استرينا لهم إن لم يأكلوا كل صحنهم، وهن مُحقات في ذلك. كل ما نشر حولها في الآونة الأخيرة، بما في ذلك دعوي تعويضات وحادثة الطرق وقدرتها المتدنية علي العمل وشهادة البكالوريوس (التي لم تكن من بار ايلان) والماجستير غير الموجودة بالمرة، وغيرها من الأكاذيب التي نشرتها حول نفسها عبر مسيرتها السياسية القصيرة جدا، ولكن الطويلة جدا، من كل ذلك يعتبر أكثر الامور إثارة للغضب هو تهجمها المنفلت علي غالب مجادلة. كان علي افيغدور ليبرمان أن يشخص المشكلة منذئذ، وكان عليه أن يلاحظ الضوء التحذيري الذي بدأ يشتعل وينطفيء أمام عينيه. كان عليه أن يفهم حينئذ انها ليست ملائمة، ولا يمكن أن تكون وزيرة عن حزبه في حكومة اسرائيل.الا ان ليبرمان عنيد كبير، تمسك بتارتمان. هو وحده يعرف لماذا. وبذلك عوقبت هي وعوقب هو معها. أمس الاول مساء جلس الي جانبها وأجري حسابات نهايته للوراء محاولا تصغير نفسه قدر المستطاع. مشكلة. من الصعب تصغير حجم انسان يملك مثل جسمه. ليبرمان يدفع الآن ثمن الغطرسة، هو فكر انه سيشكل حزبا يجتذب اليه الناس المطواعين الذين يسيرون خلف نايه من غير أن يسألوا الاسئلة. مثل هذا الحزب لن يجتاز أبدا حدود المقاعد التي يحلم ليبرمان بها. عندما جلب يسرائيل حسون من الشاباك امتلأ قلبه افتخارا. وعندما جلب ايتسيك اهارونوفيتش من الشرطة شعر بنفس الشيء. وعندما فضل تارتمان علي الاثنين أدخل هدفا في مرماه. الاصابة كانت مذهلة.ليبرمان كان في ضائقة. ثعلب سياسي وجد نفسه محبوسا في الكرم ومن حوله فضائح، والمهرب غير متوفر. يسرائيل حسون قال لليبرمان ان عليه أن لا يظن حتي أنه هو الذي كشف أكاذيب استرينا انتقاما منه لانه فضلها عليه. حسون قال له: لقد خضعت لمحاولة ابتزاز من استرينا، وها أنت تدفع ثمنها، وأنا لست مستعدا لتحمل أي شيء عنك في هذه الحكاية.افيغدور ليبرمان سيضطر الآن الي جمع حطامه. عليه أن يقرر ما الذي يريد أن يكونه عندما يكبر، راعي أغنام أم قائدا سياسيا حقيقيا؟ عليه أن يختار بين شخصيات مثل استرينا تارتمان وبين اشخاص مثل يسرائيل حسون. هذا سيكون اختبار نضجه الحقيقي في السياسة. ليبرمان يملك قدرة كامنة. هو شخص تنفيذي يعرف كيف يزحزح الامور وجدّياً. من الناحية الاخري يكون احيانا صبيا كبير الحجم يسير خلف أوهامه زيادة عن اللزوم. ما يمكن قوله الآن أن عددا كبيرا من الاشخاص حوله قد يئسوا منه، حسون مثلا، قد استيقظ من وهمه. وأدرك أن ليبرمان قد وعده بأنه ليس مثل كل الآخرين، ولكن تبين أنه مثلهم بالضبط. سلوكه في قضية تارتمان أقنع حسون انه لا يوجد فرق بين ايفيت وبين عمير بيرتس. اذا كان هذا هو الواقع فلماذا يبقي هناك مع ايفيت؟ بنيامين نتنياهو مثلا سيكون مسرورا اذا استوعبه في صفوف الليكود بعد سنة. من الناحية الاخري سنة هي فترة طويلة. ليبرمان قد خرج في السابق من حفر أكبر من تلك التي سقط فيها في هذا الاسبوع.عالم شمعونشمعون بيريس دخل بالأمس ظهرا الي مقصف الكنيست، ونظر من حوله بعيون متعبة دون أن يفهم سبب الجلبة. اعضاء الكنيست المنفعلون يدخلون ويخرجون والقضايا تتطاير في الهواء مصطدمة ببعضها البعض وشاشة التلفاز الكبيرة في القاعة تبث بصورة متكررة صور استرينا تارتمان وهي تتهجم علي الصحافة والاشاعات تتبدل.بيريس تنهد وجلس بتثاقل خلف احدي الطاولات. هو عاد من ميامي بيتش في الثالثة فجرا ونام ساعة ونصفاً في الطائرة، ومن ثم ساعتين في البيت، وفي الثامنة كان في مكتبه، وفي ظهيرة اليوم توجه الي الكنيست باحثا عن أحد يستبدله حتي يغادر المكان.في هذه الاثناء دخل آفي ديختر. قبل يومين كان ديختر الاسم الساخن في مقصف الكنيست. طائفة من الصحافيين امتدت من خلفه ولاحقته أينما يذهب محاولة انتزاع جملة اخري منه حول يعقوب غانوت (هل تذكرونه؟) أو موشيه كرادي. ديختر توقف للحظة بجانب بيريس. سمعت انك قد أحدثت تغييرا معينا في الشرطة ، قال له بيريس. اجل، شيء صغير ، قال ديختر متمتما وواصل تقدمه. بيريس ابتسم. ما له ولهؤلاء الصبية. هم عالقون هنا داخل دولة تفقد صوابها وهو يعيش في عالم آخر مختلف تماما. بيريس رجل العالم الكبير. يحلق علي ارتفاع 20 ألف قدم وينظر الي الفضاء الخارجي. من حوله يتواصل الاصطفاف. افيغدور ليبرمان خرج مسرعا الي مؤتمره الصحافي. مستشارو ايهود اولمرت أعدوا أنفسهم للقضية الجديدة التي ستسقط علي رؤوسهم في المساء. ابراهام هيرشزون وزير مالية محاط بالهمسات والنمائم. بنيامين نتنياهو يجلس في المقصف مع مجموعة من المقربين خلف الطاولة المقابلة. بالمناسبة، التحقيق مع نتنياهو ايضا في قضية الاستطلاعات يتقدم (في الآونة الأخيرة جري التحقيق مع عدد من مقربيه)، وليس واضحا بعد الي أين ستؤول الامور. من الممكن قول وكتابة كل شيء تقريبا عن بيرس، وقد كُتب عنه كل شيء فعلا، ولكن في السنة الأخيرة تحول الي جزيرة من العقلانية والتبصر. أحلامه حول التكنولوجيا الدقيقة والاقتصاد العالمي والرجال الآليين الصغار الذين سيديرون حياتنا بعد حين، تبدو فجأة كموجة من التبصر الهاديء والمطمئن.في ميامي حل ضيفا علي مؤتمر ضخم لرؤساء كل صناديق التقاعد في الولايات المتحدة. كان في القاعة سبعة تريليونات (7 آلاف مليار) دولار. بيريس يقول مبتسما أنه كان أفقر شخص في القاعة. ولكنه يشعر أنه أغني منهم. هو لا يريد أن يدير أي شيء، وانما يريد الانتاج. العالم ينتج 50 تريليون دولار كل عام ، يقول بيريس، 13 منها في الولايات المتحدة والآن وصلت الصين الي تريليون واحد وهي تواصل النمو. أقنعتهم ، هو يقول، علي اقامة طاقم من خمسة اشخاص وارساله الي اسرائيل لدراسة امكانيات الاستثمار هنا. هم يبحثون عن طريقة لزيادة أرباح صناديق التقاعد والربح متوفر عندنا .بيريس يواصل ايضا العمل من اجل وادي السلام ، حلمه الكبير لاقامة منطقة صناعية وسياحية وزراعية ومنطقة طيران ضخمة بين اسرائيل والاردن والفلسطينيين في غور الاردن. البيروقراطية تقتله. استغرق الأمر 15 سنة لتحريك نفق الكرمل و6 سنوات لتخطيط عابر اسرائيل. الامور لا يمكن أن تسير علي هذه الطريقة كما يعتقد. هو سيضطر في نهاية المطاف الي طرح قانون خاص علي الكنيست حتي يلتف علي كل الخطوات البيروقراطية.قبل ذلك بيوم احتفل أبناء ارييل شارون مع ثلة من المقربين بعيد ميلاده التاسع والسبعين. بيريس يشتاق. أية مأساة! ، تنهد وقال، هو لم يستحق ذلك، ولم يكن من الواجب أن ينهي بهذه الطريقة . وماذا الآن؟ في الجهاز السياسي تتحرك أعداد كبيرة من السيناريوهات التي تقول انه اذا اضطر اولمرت فجأة الي التنازل عن منصبه (فينوغراد، لندنشتراوس أو تحقيق الشرطة)، فستكلف رئيسة الدولة بالنيابة، داليا ايتسيك، شمعون بيريس بمهمة تشكيل الحكومة. أنا لم أعد مهتما بهذا الأمر، وأنا فعلا لا أريد أن أُدير أي شيء. هل تعرف أن اريك اقترح علي أن أكون وزيرا للدفاع ورفضت. لماذا أحتاج ذلك؟ بن غوريون قال لي مرة انه سيكون مسؤولا عما يوجد، وأنا مسؤول عما لا يوجد. هذا ما أُحبه. أنا أحب أن أكون مسؤولا عما لا يوجد، وأن أُنتج هذه الاشياء غير الموجودة .لا تقعوا في الخطأ: اذا سنحت له الفرصة فسينقض عليها انقضاضا. هو سينهض مثل طائر العنقاء، رائحة السلطان ستبعث النشوة في رأسه وتجعله يهتز متناسيا كل خطاباته حتي يربح ولاية جديدة ثالثة في رئاسة الوزراء.بن كاسبيتكاتب في الصحيفة(معاريف) 2/3/2007