اماراتي وسوداني ولبنانية: ثلاثة فنانين تشكيليين في ندوة فنية وشعرية بابوظبي

حجم الخط
0

أبوظبي ـ من فاطمة عطفة: ثلاثة فنانين تشكيليين، محمد المزروعي، كلوديا حبيب، وعلي جاك، التقوا باتحاد كتاب أبوظبي في أمسية فنية ملونة جمعت بين الرسم التشكيلي والرسم بالكلمة الغنائية المكتوبة باللغة المحكية المصرية. أدار الجلسة الشاعر والكاتب المسرحي وليد علاء الدين، وزاد من جمال الأمسية وتنوعها الفني تلك الفكرة التي طرحها وليد في كلمة جمعت بين التقديم والنقد والتعليق، بعيدا عن الطريقة التقليدية الذي اعتدناها في الأمسيات الفنية والأدبية. الرسامان المعروفان كلوديا حبيب من لبنان وعلي جاك من السودان أبدعا عددا من اللوحات الفنية، مستوحاة من تجربة الشاعر والفنان التشكيلي المعروف محمد المزروعي الذي قدم قصائد غنائية كتبها باللغة المحكية المصرية. وقد أثارت الأمسية آراء مختلفة بين الحضور، بعضهم اعتبر اللوحات المرسومة لا ترقى إلى مستوى الإبداع، ولكنها صناعة تعتمد على ما أوحت به لهما قصائد الشاعر، وكأن أعمالهما المعروضة لوحات إيضاحية للصور الشعرية المرسومة بعبارات وصور فنية ذات إيقاع غنائي جميل زادت العامية المصرية من عفويتها وجمالها وبساطتها. لكن هذا الرأي الجائر لاقى اعتراضا شديدا وكأن صاحبه لم يشاهد اللوحات ولكنه أدلى برأيه اعتباطا.

وكان الحضور قد طافوا بين اللوحات الـ 14 المعروضة في صالة المكتب: ست لوحات بريشة كلود حبيب، بنت لبنان، وثماني لوحات بريشة علي الجاك. كانت أعمال كلود تمتاز برقة وبساطة وفيها لمسات فنية أشبه ما تكون بالمنمنمات وهي لا تخلو من روح الجمال في طبيعة لبنان، ولو بلمحات رمزية شفافة. وكانت لوحة النمل أبرز ما فيها، خاصة أن نملة قفزت إلى إطار لوحة مجاورة خالية من أي رسم، وكأنها تريد التميز عن الجميع. وربما كان تركيزها على النمل إشارة رمزية مستوحاة من تصوير الشاعر للغيط والترعة وجهد الفلاح المصري في عمله اليومي المضني على امتداد التاريخ. وكانت لوحات الفنان علي جاك ذات إيقاع متقارب، باستثناء واحدة تمثل وحشا خرافيا، وفي لوحاته جميعا لمسات أسطورية متناثرة ربما كانت مستوحاة من حضارة وادي النيل القديمة، خاصة أنها مرسومة بحرية الأطفال وخيالهم الإبداعي الطليق. وجميع اللوحات المعروضة كانت بالأبيض والأسود مما يذكرنا بجمال الفن الشرقي المرسوم بالحبر الصيني. في البداية قرأ الشاعر المزروعي عددا من قصائده المكتوبة باللهجة المصرية التي جعلتها السينما والأغنية مفهومة ومحببة للمستمعين في جميع البلدان العربية. وكانت القصائد متنوعة الأجواء منسوجة بصور فنية جميلة شكلت تمهيدا طيبا ومشجعا للحوار الذي جرى بين الحضور في ما يشبه الندوة المفتوحة على العلاقة بين مختلف الفنون. وشكلت مداخلة الشاعر وليد علاء الدين مفاجأة الأمسية ومسك الحوار، وإن جاء في الوسط وليس بالختام، وذلك حين ركز على المزايا الفنية التي تتمتع بها اللغة المحكية، لغة تنبع من القلب لتصب في القلب، مقارنة بالفصحى التي أطلق عليها صفة ‘الافتراضية’. كان عنوان مداخلته المكتوبة ‘لماضة فلسفية في حضرة اللغة العربية بين الفصاحة الافتراضية واللطافة المحكية’. لم يشر وليد إلى أن الغناء هو الأساس الذي انطلقت منه العبارة الشعرية، لكنه قال: ‘إن اللغة العربية الفصحى تمت مصادرتها بشكل أو بآخر لصالح أيديولوجيات وتيارات فكرية بعينها، مما أفقد المفردات دلالاتها وإيحاءاتها…’. وأوضح أن الفصحى لغة افتراضية، مؤكدا بقوله: ‘ليس في ظني دليل على تلك المغالطة أكبر مما أقوم به شخصيا الآن، حيث أتحدث باللغة العربية الفصحى (المفترضة) عن تجربة اختار صاحبها أن يكتبها بلغة محكية..’. وأضاف وليد أن ‘قواعد اللغة تابعة للغة وما هي إلا مجرد محاولة لالتقاط صورة فوتوغرافية للحال كتلك التي نقوم بها بواسطة كاميرات الديجيتال اليوم، وليس من الطبيعي أن نلتقط صورة لأنفسنا في العشرينيات من العمر ثم نقوم بتثبيت أنفسنا عندها، ونعتبر أن ملامح الوجه وأبعاد الجسد ونظرة العين في تلك الصورة هي المعيار الذي نقيس عليه أنفسنا، مهما تقدم بنا العمر ومرت بنا التجارب..’. ثم ضرب مثلا بالمقطع الشعري: المزروعي بيقول في قصيدة ‘ماجدة ويسري’: زادت حواديت البلد/ عن توهه في عنين الولد/ سارح كما المنجل/ في غيط الحلم والبرسيم/ بمواله اليتيم.

ويعلق الشاعر قائلا: (.. إن الإثم وفقا لمعايير الفصحى المفترضة هو كلمة توهه، رغم أنها مشتقة من المتاهة والتيه وتؤدي بكفاءة معاني الضياع وفقدان الأثر، كما أن الإثم قابع في كلمة عنين الولد التي ينبغي أن تكون: عيني الولد). ويضيف: (الغيط كذلك هو الحقل، ولكنه يحمل بعدا دلاليا لا تحمله كلمة الحقل الذي ربما يكون حقلا مغناطيسيا مثلا..). جدير بالذكر أن الشاعر وليد علاء الدين شارك في اعتصامات ميدان التحرير بالقاهرة، وكتب في إحدى الدوريات عدة مقالات باللغة المحكية المصرية وكان لها صداها الإيجابي الطيب بين شباب الثورة.

وكان لـ’القدس العربي’ لقاء في ختام الندوة الفنية مع الرسام علي جاك ليحدثنا عن اللوحات التي صممت من وحي مجموعة الشاعر والفنان التشكيلي محمد المزروعي يقول: ‘قرأت كتاب (ريحة دم) خمس مرات حققت بعدها خمس لوحات واحدة منها عن العنوان: كتبت تحتها ريحة دم، هذه اللوحات الخمس لها علاقة بشعري أنا ولكن بهذا الديوان وما كتبه المزروعي بالفصحى جاء الإيحاء بالرسم وبالخطوط والألوان بأن أكمل المشهد’. وعن التجديد عند الفنان يؤكد جاك قائلا: الإنسان عندما يرى أشياء جديدة وليست موجودة بالذاكرة، هذا يعني أنه يبدأ يفكر فيها، فعلا أنا بدأت مع المزروعي لأني أشعر بأن عنده شهدا داخل الكلمات، والصورة في كتابه دخلت في فوضى الرياح، أنا لما أرسم الحزن لا أرسم بنتا تبكي. كذلك فكرت ان أرسم من وحي الشعر لأن الصورة المادية ليست هي هدف الشاعر، هناك نصوص ما بين الكلمات ذات فضاء وجمالية عالية لا نستطيع أن تقبض عليها بمروره، كما أننا لا نستطيع أن نقبض على الحزن أو الفرح، ولا نستطيع أن نعبر عنهما بمفردة، لكن يمكن أن نعبر عنهما بخطوط وحساسية الألوان وتضاد الأشكال وتحاورها، والصورة البصرية تختلف عن الكلمة وتأخذ مناحي أخرى مثل السينما. إن تحول النص المكتوب إلى رؤية أخرى من الحركة والضوء يعني إضافة إبداعات جديدة في الفن التشكيلي’. والفنان التشكيلي علي الجاك معروف بتميزه في رسم أغلفة الكتب، وقد امتد عمله في المجمع الثقافي 15 سنة بين 1992-2006. وما تزال أعماله الفنية الرائعة تتصدر عشرات الكتب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية