عدي الزعبي يرفض أدونيس أن يسمّي ما يجري في سورية ثورة، ما يحدث ‘يمكن أن نطلق عليه انتفاضة أو تمرداً’ لأنّ ‘الثورة تعني تغيير بنية المجتمع من الداخل’. في المقابل، يرى ياسين الحاج صالح أنّ ما يحدث ‘ تجربة تجدد نفسي بقدر ما هي تجربة تغيير اجتماعي’. التغيير الذي يبحث عنه أدونيس فلا يجده، يراه ياسين في قلب الثورة. الفارق بين الموقفين لا يتعلّق فقط بالتغيير. الفارق الأساسي يرجع إلى علاقة الناس بالمفاهيم، ودورها في حياة البشر.
يعتقد أدونيس والمشككون بمجمل الحراك العربي، أن ما يغيب عن الثورات العربية عموماً، والثورة السورية خصوصاً، هو جملة شروط يجب توافرها كي تكتمل الثورة. من هذه الشروط وضوح الأهداف والقيادة الفاعلة الموحدة ومشروع فصل الديني عن الدنيوي وتحرير المرأة وحماية الأقليات. وقد نضيف مشروعا بديلا لليبرالية الاقتصادية ومواجِه للعولمة يقف في وجه الامبريالية والصهيونية. في غياب هذه الشروط، تبقى الأحداث تمرداً، أو انتفاضة شعبية، يقودها الشباب غير الواعي، وربما الدهماء من العامة. قد يكون الرد أن بعض هذه الشروط متحققة في الحراك العربي. قد يجادل البعض أن كل الشروط متحققة. ما أود قوله مختلف. التشكيك ينبع من خطأ مزدوج في قراءة مفهوم الثورة.
أولاً، هل يعتقد المشككون فعلاً أن كل الثورات قد حققت الشروط المذكورة أعلاه؟ غياب القيادة الموحدة عن الثورة الروسية، المتمثل في صراع المناشفة والبلاشفة لم يكن عائقاً أمام الثورة. ربط الديني بالدنيوي، كان في صلب فكر الإمام الخميني، قائد الثورة الإيرانية. التحالف مع الانكليز كان عنصراً رئيسياً ساهم في نجاح الثورة العربية الكبرى. ينطبق هذا التحليل على كل الثورات: أحد الشروط السابقة يغيب عن الثورة دائماً. ليست هذه مبرّرات لعدم تحقق الشروط، بل المقصود طرح رؤية أوضح لماهية الثورة. بدلاً من البحث عن تحقق الشروط السابقة في الثورات العربية، نسأل، هل حققت الثورات السابقة كل الشروط؟ الجواب، لا. إذن، هناك نوع من التعمية المقصودة في قراءة الثورات العربية. تعريف الثورة الذي يطرحه المشككون، لا يطابق الثورات التي عرفها التاريخ. هذا تعريف مثالي غير متحقق. معظم الثورات تفتقد لأحد الشروط المذكورة، مع ذلك، هذه ثورات غيّرت وجه التاريخ. ما أريد قوله هو التالي: ليس للثورة تعريف مانع جامع وحيد، نستطيع تطبيقه على كل الثورات. مفهوم الثورة يتغيّر ويتبدّل تاريخياً. مفهوم الثورة ليس معطى قبليا، منفصلا عن ممارسة البشر للثورة ورؤيتهم لها. قد يرفض المشككون هذا التحليل. ربما سوف يقولون، لم توجد أية ثورة في التاريخ. الثورة التي نريدها هي ثورة مثالية لم تتحقق بعد. ثورة سوف تحقق الشروط التي نريدها، وما عدا ذلك هو تمرد أو انتفاضة. هذا كلام سليم، ما ينقصه هو الوضوح. نتمنّى أن يقولوه صراحةً، قبل انتقاد الثورات العربية. ليست هناك أية مشكلة في ما يقولونه. باستثناء العبث الغريب في أنه لم توجد أية ثورة في التاريخ البشري. السؤال الأهم، بالنسبة لنا، هو ما الذي سيفعله المشككون فيما يتعلّق بالثورات العربية. البديل عن هذا العبث المفهومي هو رؤية مختلفة أكثر انفتاحاً حول مفهوم الثورة. نستطيع طرح هذا المفهوم بالشكل التالي: الثورات العربية تنفصل عن مفهوم الثورة المثالية من ناحية، وعن مجمل الثورات التاريخية من ناحية أخرى. الثورة المثالية لا وجود لها. الثورات التي حصلت في التاريخ البشري متنوعة بحسب الظروف المختلفة. ليست الثورات العربية استثناء. على العكس، الثورات العربية تُغني مفهوم الثورة وتفتح الآفاق لإعادة تقييم المفهوم نفسه، في ظل الممارسة على الأرض. سوف نترك المشككين في عالمهم الخيالي. على أنقاض مدينة حمص، يعيد العرب تشكيل مفهوم الثورة. النقطة الثانية تخص علاقة البشر بالثورة ومعناها، تبعاً للتحليل السابق. ينفتح التغيير في العالم العربي على إمكانيات لا محدودة. مفهوم الثورة نفسه، يصنعه الشباب العربي الثائر على الأرض. ما يجعل الثورة ثورة، هو ممارسة البشر لحرياتهم، وقدرتهم على كسر القيود، بكل الأساليب الخلاّقة الممكنة. ليست الثورات مفاهيم جاهزة مكتملة يعود إليها البشر، كلما أرادوا فهم الأحداث، ليجدوها في المعاجم. الثورة، كمعظم المفاهيم الأخرى، مفهوم متحرك صنعه البشر وغيروه وأضافوا إليه. من هنا، الخيار للعرب، أن يساهموا في صنع الثورة، وإعادة صياغة مفهومها، ومحاولة التأثير على الحراك، من داخل الحراك ذاته. تكتسب الثورة معناها من ممارسة الثوّار لها. الثائر العربي نموذج جديد يغير التاريخ ومعانيه. من خالد سعيد إلى محمد البوعزيزي وطل الملوحي، يشكل الشباب العربي أنموذحاً ملهماً للمواطن الفاعل.
لذلك، يبدو التشكيك بالثورة موقفاً متعالياً يعجز عن فهم معنى الثورة. تغيير بنية المجتمع من الداخل، أحد أهداف الثورة. ولكن تغيير مفهوم الثورة، هو احد أهداف الثورة أيضاً. الثورة، بهذا المعنى، هي ثورة على المعاني الجامدة، وعلى التفكير بالمفاهيم كمعطيات جاهزة يرجع إليها المثقفون والفلاسفة كلما أرادوا شرح الواقع. التغيير يقتضي الفعل. يشكك في الثورة من لا يستطيعون، أولاً وقبل كل شيء، تغيير مفاهيمهم عن الثورة. إما أن تكون الثورة كما يرونها، أو لا تكون. بالمقابل، خلق الشباب العربي ثورتهم. الثورة هي ما نفعله نحن. لسنا سجناء المفاهيم الجامدة. الثورة على السلطة، ترافقها ثورة على مفهوم الثورة. كيف نصنع التغيير؟ في العتمة، نحاول أن نشير إلى الضوء. في ظل البيت المهدّم في حمص، يصنع عبد الباسط ساروت الضوء، ويلقيه مشاعاً لنا جميعاً كي نبصر. نقف خلف عبد الباسط ساروت، ونقول، هذه هي الثورة. إما أن نشارك في صنعها، أو نشكك بها.
الخيار مفتوح للقارئ. هناك الضوء والثوّار والدعوة المفتوحة للجميع، بلا استثناء. الدعوة التي لبتها فدوة سليمان. ‘ كاتب من سورية يقيم في بريطانيا