السينما والمسرح والموسيقى والباليه بين أقواس الحلال والحرامالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: قبل قيام ثورة 25 يناير وتنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك وظهور التيارات الدينية على الساحة، كان الحديث عن السينما وقضايا الانتاج مرتبطا باحتياجات الجمهور من التنوع الثقافي والفني. ومطلب المثقفين والمبدعين الرئيسي برفع سقف الحرية وإلغاء الرقابة على المصنفات الفنية ليتسنى طرح جميع المشكلات من دون محظورات سياسية أو أخلاقية. فهناك من كان يرى أن تكبيل السينما بهذه القيود يفقدها دورها وأهميتها وخصوصيتها، حيث لا يمكن مثلا التعرض لقضية البغاء وتجارة الجسد في ظل قوانين رقابية صارمة تخفي نصف الحقيقة وتتعامل مع النصف الثاني بحذر وحيطة وخوف، وهذه الإشكالية باتت موضع خلاف كبير بين نوعين من الجمهور، نوع تحرري علماني يرى في تقييد الإبداع تخلفاً ورجعية. ونوع آخر محافظ يرفض الخروج على القانون الأخلاقي باسم الإبداع ويعتبر أن مثل هذه الدعاوى هي تحريض على الفسق والفجور، وهو ما لم تستقم معه مبادرات الفن الهادف الذي يخدم البلاد والعباد، ورغم هذا التعارض والمسافة الشاسعة بين النوعين، إلا أن الاتجاه التنويري كان هو السائد، حيث تغلغل التيار الديني وتدخله في تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية لم يتحقق إلا بعد إسقاط نظام مبارك، وبالتالي جاءته الفرصة على طبق من ذهب ليبدي رأيه في الثقافة والسينما ويطرح النموذج الإسلامي المثالي من وجهة نظره، بديلا للثقافة العلمانية والفن الذي يخاطب الغرائز، وقد وردت تصريحات لعدد من القيادات الإخوانية تؤكد اعتزام الجماعة في حالة الوصول الى سدة الحكم إنتاج أفلام تحكي سير الصحابة والصالحين لإثبات حُسن النية تجاه الفن والفنانين، أي أن هناك نية لتعاطي السينما ولكن شريطة ألا يتعارض ذلك مع صحيح الدين والأخلاق والقيم الإنسانية، ولم تتضمن التصريحات ذكر أي مثال من الأمثلة الإيرانية في ما يخص رفع الحظر عن الأنبياء وإباحة ظهورهم على الشاشة، كما حدث في مسلسل سيدنا يوسف الذي أعطى للقصة الأصيلة مزيدا من البهاء والوقار والقداسة والذيوع ولم يساهم في فتنة أحد بامرأة العزيز أو يمس كينونة يوسف الصديق كنبي من أنبياء الله، وها هو التعتيم على الفن الإيراني من جانب القادة الإسلاميين ينبئ بأن ما سوف ينتج من مسلسلات درامية وأفلام سيخضع لشروط اكثر تعسفا من شروط الرقابة حتى لو ناقش الفيلم أو المسلسل حياة أحد الصحابة من غير المحظور ظهورهم على الشاشة، لأن مبدأ التشدد في حد ذاته قائم وخاضع لوجهة نظر أحادية، فما تقره الجماعة يكون صحيحاً وجائزا، وما لا تقره هو الباطل بعينه، وهنا نكون قد دخلنا في معايير نسبية يصعب البت فيها بتاً نهائياً وسيتحول كل خلاف على عمل فني الى معركة بالسيوف والجنازير والمولوتوف، لأن ساعتها سيكون للإخوان المسلمين رأي وللسلفيين رأي وللبهائيين رأي وللصوفيين رأي ولليساريين والعلمانيين رأي آخر، وستدفع مصر وحدها ثمن الحرية فادحاً. وليس نبأ مسرحية ‘الجنزير’ للكاتب محمد سلماوي ببعيد، حيث حشدت الجماعات الإسلامية حشودها واقتحمت مسرح السلام وأوقفت العرض المسرحي بالقوة، وتلا هذه العملية الإرهابية عمليات أخرى أكثر عنفاً استهدفت ‘السينمات’ والمسارح دون غيرها من المنشأت لإعلان رفضها للفن على وجه الخصوص لأنه رجس من عمل الشيطان، ومن ثم لا يقبل من العاملين به وعليه كُتابا ومخرجين وممثلين، موعظة أو إرشادا. وبالطبع يتنافى هذا اليقين مع محاولات تجديد الخطاب الثقافي وارتداء عباءة التنوير فجأة لأن الإبداع أياً كان نوعه وشكله وجنسه يتطلب التأهيل أولاً قبل الشروع فيه، إذ كيف لعدو الإبداع أن يكون هو نفسه مبدعاً؟
ولو سلمنا بأن الجماعة الدينية ستعطي ‘العيش لخبازه’ وتترك المهام الفنية لأصحابها فهل سيقبل عتاة الفكر السلفي أن ينتقد كاتب وسيناريست مثل وحيد حامد رمزاً دينياً أو شخصية لها اعتبارها بين مريديها مثلما فعل في مسلسل ‘الجماعة’ الذي انتقد فيه حسن البنا، أو كما فعل قبله الراحل أسامة أنور عكاشة الذي كتب ذات مرة رافعاً الحصانة الأدبية عن واحد من أهم القادة في عصر الفتح الإسلامي عمرو بن العاص وأثار بهذا المقال زوبعة كبرى، ولو فُرض وجود جناح ديمقراطي بين أجنحة التيارات المتصارعة يقبل بالنقد الدرامي فماذا بالنسبة للتيارات الأخرى، أظن أن المسألة اكثر تعقيدا من كل هذه الافتراضات ولنعد الى ما حدث للكاتب العالمي نجيب محفوظ من مفارقة شديدة الغرابة، حيث كان العالم يحتفل بحصوله على جائزة نوبل في الآداب، بينما شخص موتور لم يقرأ له كلمة واحدة يحاول اغتياله أمام مقهى وادي النيل بميدان التحرير ويطعنه بسكين في رقبته فيقعده عن الكتابة بقية حياته، هذا هو الخطر الحقيقي، سيادة الجهل باسم الشرعية والقانون ووضع السينما والمسرح والفن التشكيلي والباليه والموسيقى بين أقواس الحلال والحرام، واعتبار من يختلف معنا في وجهة النظر كافرا ونقيم عليه الحد، وهو الأمر الذي يستوجب إعدام ’99’ في المئة من نجوم الفكر والفن وأصحاب دور العرض والمنتجين، الإشكالية الحقيقية ليست في انتاج أفلام دينية أو تاريخية، فهذا النمط السينمائي كان موجودا جنباً إلى جنب مع أنماط أخرى اتسمت بالتحررية الشديدة، فالسينما المصرية انتجت فيلم ‘الشيماء، وظهور الإسلام وبلال مؤذن الرسول، والناصر صلاح الدين’، وفي نفس الوقت انتجت ‘بمبة كشر، المذنبون، خمسة باب، درب الهوى’، ولم تحدث أزمة ولم يختلف الجمهور على أهمية النوعين، فمن شاهد ‘الناصر صلاح الدين’ ظل على أفكاره وإيمانه بالشخصية التاريخية الإسلامية المهمة، ومن شاهد ‘درب الهوى’ لم ينحل ولم يجار الأبطال في سلوكهم، ولكنه تعامل بفطنته وفطرته الثقافية السليمة مع الأحداث وتجاوب بإحساسه وعقله ورفض ما يمكن قبوله من دون تشنج أو عصبية، والعبرة في النهاية بطريقة المعالجة والنتيجة المستخلصة، فالمتلقي لا يمكن أن يعبد الأصنام ويسجد ‘لهبل’ إذا قدر له أن يرى أفلام الجاهلية كلها دفعة واحدة، ولن يفتتن بمبمبة كشر أو سنية شخلع أو مارلين مونرو لمجرد مشاهدتهن على الشاشة اللهم إذا كان لديه الاستعداد الطبيعي للانحراف، فأرجوكم لا تخشوا على الناس من فتنة السينما، بل خافوا على أنفسكم من الجهل!