امبراطورية بريطانيا: المقاومة والقمع والثورة قصة المشروع الاستعماري المغلف بالدم والقتل لا بالتنوير والحضارة

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

قبل سنتين سألت ريتشارد غوت الصحافي والكاتب البريطاني المعروف عن اخر مشاريعه التي يعمل عليها، فقال لي انه يقوم بانجاز مشروع طويل عن الامبراطورية البريطانية. ولم استغرب مع انني تساءلت عن السبب الذي يجعل كاتبا يكتب عن شؤون امريكا اللاتينية وهوغو تشافيز، وتاريخ كوبا وسبقه الصحافي في اكتشاف اغتيال الثائر المعروف تشي غيفارا على ايدي المخابرات الامريكية عام 1967، اكثر مما تهمه الامبراطورية، ووعد بأن يرسل لي نسخة من الكتاب عندما ينجزه، وفعلا اوفى وارسل نسخة خاصة، ووجدت الكتاب على خلاف كتبه الاخرى كبير الحجم وطويلا يتجاوز الخمسمئة صفحة. وعنونه باسم ‘امبراطورية بريطانيا’ وليس الامبراطورية البريطانية ‘التي لا تغيب عنها الشمس كما تعلمنا’. صور الامبراطورية ومنذ البداية يحدد غوت مشروعه الذي يحاول انجازه مشيرا الى صور الامبراطوريةـ حيث يشير الى دليل مصور للاطفال نشرته هنريتا اليزابيث مارشال عام 1908 ‘قصة امبراطوريتنا’، وفي طيات الكتاب ‘قصة الهند ومستعمراتنا الاخرى’ والتي كانت تضم في حينه، استراليا والهند وجنوب افريقيا وكندا ونيوزلندا. وكتاب مثل هذا يوفر للاطفال عرضا موجزا عن تاريخ العالم الذين يعيشون فيه بسهولة ويسر وبعبارات موجزة تصنع خيالهم، ويمتاز بأهمية من ناحية صوره ومعلوماته الا ان الغائب الحاضر فيه هم الناس العاديون وابناء المستعمرات الاصليون والذين تستغل بريطانيا ثرواتهم وتحكمهم بالحديد والنار. في سياق الكتاب حضر الوطنيون من ابناء المستعرات ولكن ضمن الرؤية الاستعمارية المعروفة في القرن التاسع عشر وما قبله، فالافارقة ‘ جهلة، يكرهون بعضهم البعض وفي حرب دائمة وهناك حكايات عن انهم اكلة لحوم البشر’. ويعلق غوت عن مارشال بقوله انها كانت مؤرخة معروفة في زمنها وفخورة بانجازات الامبراطورية، ومع ذلك كانت واعية بمظاهر القصور في الامبراطورية حيث تكتب ان ‘القصص ليست كلها مشرقة دائما’، و ‘كيف يكون ذلك، ذلك ان اخطاء ارتكبت، لقد هزمنا هنا، وترنحنت جيوشنا هناك، وقد نكون نملك المستعمرات بدون خجل، وربما بدون شعور بالاسى، ولكننا نحب امبراطوريتنا وبناءها’. وبناء على رؤية كاتبة من كتاب الامبراطورية الكثر الذين صوروا تاريخ الامبراطورية ومن بنوها بصورة اسطورية فغوت معني، ككاتب يقف على الخط الاخر من الرؤية الاستعمارية بالرواية التي لم تقل او قيلت، بشكل عابر او على استحياء او تم انكارها، لان الموقف الذي لا يقبل النقد او الاخطاء التي ارتكبتها الامبراطورية يبدو الان وبعد قرن من على نهاية الامبراطورية غير قابل للقبول او الدفاع عنه، لان التاريخ كما يقول ينظر اليه من زاويتين، زاوية المستعمر وزاوية المستعمر (بفتح الراء)، وهذه الرواية الاخيرة هي الغائبة عن حقل السرد الروائي لقصة الامبراطورية. السجل الاسودومهمة الكشف عن تاريخ الامبراطورية يقود الى الكشف عن الوجه الدي يعرفه الوطنيون وحاولوا بعد سنوات من القمع كشفه لكنه ظل وظلت رواياته محلية وقصص ابطاله محفورة في الذاكرة الوطنية، وبعضها منسي، ولم توضع روايات ‘الوطنيين’ امام الرواية الرئيسية التي تمثلها مارشال، لاسباب تبدو واضحة في الكتاب، فغوت في تصديه او قيامه بالكشف عن الوجه الاخر للرواية يقدم ‘الكتاب الاسود’ لها، ويظهر ان صناعة الامبراطورية قامت واستمرت لقرنين من الزمن او يزيد عبر سلسلة من القمع الدموي والعنف والقسوة والغزو والحروب. ولم يمض عام من اعوامها المئتين بدون ان يعاني سكانها من ويلات المستعمر ومن اثار مشاركتهم الاجبارية في مشروع الامبراطوريةـ من مجاعات وعبودية ومعارك واغتيال وابادة. وكانت هذه ضرورية لمشروع الامبراطورية الذي لم يكن ليتحقق من دون استخدام تلك الاشكال. ففي كل محاولة كان بناة الامبراطورية يحاولون زرع علم الملك او الملكة على ارض جديدة كانوا يواجهون بمقاومة شديدة من الوطنيين. ولم يستطع الانكليز ملوك البحر الدخول من البحر الى اراضي كل مستعمرة بدون القتال او شراء ذمم من باعوا انفسهم من ابنائها لسحق المقاومة، وفي كل مرة فتحت لهم الطريق الى الاراضي كانوا يلقون مقاومة شديدة. قصة الامبراطورية هي حكاية التوسع الذي كان ينظر اليه دائما على انه عملية عسكرية دائمة، وفي داخل العملية هذه تم دفن قصص مقاومة السكان وقصة انتفاضاتهم التي ظلت متواصلة ولم تتوقف ابدا، مما حدا ببناة الامبراطورية لانشاء نظام دقيق لادارتها قام على عمليات نقل للسكان من بلد الى اخر، وبناء سجون للعصاة في بلدان ونقل المجرمين من عصاة لندن الى بلاد اخرى ليواصلوا جرائمهم ويحققوا حلم الامبراطورية بسحق الوطنيين، ومع العصاة نقل المستعمرون العبيد واستخدموا المتعاونين من ابناء البلاد الاصليين والذين دفعوا ثمن صلتهم بالامبراطورية عندما كانت تجندهم لخدمة اغراضها، وهؤلاء كانوا يموتون في اعالي البحار في قارات لم يعرفها ابناء لندن الا بخيالهم، اوعلى ايدي الوطنيين او كانت تقتلهم المجاعات والذباب والامراض الاستوائية. يحكي احد مؤرخي الامبراطورية ان الذباب قتل في افريقيا اكثر مما قتلت السيوف والبنادق. كان المستوطنون الجدد اما من المجرمين او المنفيين السياسيين واما ممن اجبرهم الانكليز على الانتقال من سكان اسكتلندا او ممن ثاروا على الملكية في شمال ايرلندا. لم تكن اراضي عذراءوكما هي القصة المعروفة فإن المضطهدين اصبحوا انفسهم جلادين، فالمستوطنون البيض في امريكا الشمالية واستراليا ونيوزلندا وجنوب افريقيا وكندا وروديسيا وكينيا قاموا بالسيطرة على اراضي السكان الاصليين بالاكراه والقتل والمذابح والابادة كما لو انهم جرذان. فلم تقم الامبراطورية كما يحب كتاب الامبراطورية تصويرها على ارض خالية عذراء. كما ان الامبراطورية لم تكن مشروعا جاء من خلال رؤية اخلاقية خيرية، او مشروعا متخيلا لخدمة الانسانية، وجلب النفع على الوطنيين وعلى الانسانية جمعاء. وهنا تكمن اسطورة الامبراطورية البريطانية التي كانت بخلاف الامبراطوريات الفرنسية ومحاولات لتوسع الهولندي والبرتغالي والاسباني والالماني ‘مشاريع’ قامت على العنف والقتل والابادة. فالمشروع البريطاني قيل لنا انه ‘ادارة’ غير مباشرة للمستعمرات و بـ ‘تعاون’ من السكان الممتنين لكرم الانكليز. وهذه الرؤية لم تعد مقبولة الان من المواطنين الذين كبروا وعاشوا داخل التجربة الاستعمارية وباتوا يكتبون تاريخهم، فالتجربة في هذا التاريخ كانت مرعبة ومخيفة وتركت اثارها النفسية على الشعوب. يتساءل غوت في نهاية كتابه ‘ ان كانت التجربة كما تدعي الامبراطورية؟ فلماذا ما زالت المستعمرات القديمة مليئة بالكراهية، وتعيش منذ الاستقلال سلسلة من الحروب. ولماذا ظل الارث الاستعماري يخيم حتى الان على الذاكرة والتجربة السياسية، فالمشروع الاستعماري لم ينته خرج من الباب وعاد من الطاقة، وكما اظهرت الحروب الصغيرة الجديدة الطاقة وباسم الارهاب والديمقراطية، فالدول الكبرى مستعدة للتوسع والقتل بالطائرة الموجهة وغير الموجهة التي تعتبر سمة حروب اليوم.

اشكال المقاومة يعتقد غوت ان الاشكال التي اتخذتها الامبراطورية او المقاومة لها هي واحد من اربعة، الاول اتخذ شكل مقاومة السكان الاصليين للابادة والتشريد كما في تجربة السكان الاصليين في امريكا الشمالية وكندا ونيوزلندا واجزاء من افريقيا، اما الشكل الثاني، فيشمل الثورات التي اجبر السكان عليها لوقف التقدم البريطاني على اراضيهم وهي ثورات المسلمين الهنود من السلاطين والنواب، وكذا حكام غرب افريقيا الذين كان معظهم من المسلمين. اما الشكل الثالث فهو ثورات المستوطنين البيض ضد الحكم البريطاني كما في حالة المستوطنين البيض في المستوطنات الامريكية، اما الشكل الرابع والاخير، فهو الثورات التي لا تحصى التي قام بها العبيد في اجزاء مختلفة من جزر الكاريبي، او تلك التي قام بها العبيد المحررون ضد اسيادهم السابقين. وفي كل هذه الثورات فقد حاول كتاب الامبراطورية استبعاد فكرة القمع والذبح وتجاوز مثلا اليد الحديدية ضد الانتفاضة الهندية عام 1857 والتي كانت بداية النهاية للاستعمار البريطاني وللتجربة الامبريالية، وان لم تنته في الحقيقة الا بعد قرن من الزمان، وكذا قمع ثورة السيخ في امريستار عام 1919 وثورة جامايكا عام 1867. ايرلندا صداع الامبراطورية ويرى الكاتب انه لا ثورة مستعمرة من المستعمرات سببت الصداع والوجع للطموح الاستعماري البريطاني اكثر من ايرلندا، حيث اثبت سكانها انهم اكثر السكان ثورة واستمرارا بها ضد الحكم البريطاني، فقد ادت سياسات بريطانية المختلفة الى مجاعات وركود اقتصادي وقتل وتشريد الالاف من الايرلنديين في الشتات. كما ان ايرلندا ظلت البوتقة التي طورت فيها بريطانيا كل الاساليب القمعية والتي طبقتها على سكان المستعمرات الاخرى. كما ان الاسماء التي ارتبطت في ايرلندا مثل كشتنر ووولزلي ومونتغمري وولينغتون كانت من الاسماء التي ركزت التجربة الاستعمارية. تكمن التجربة الاستعمارية البريطانية وتقنياتها في ايرلندا في انها وضعت الاسس مع تجارب اخرى لاساليب القمع والابادة التي تميز بها القرن العشرون. في داخل سرد غوت للثورات من القرن الثامن عشر الى القرن التاسع عشر، الماح الى ان القمع البريطاني الامبريالي على قدم المساواة مع قمع مع خراب جنكيز خان واتيلا ذا هان اكثر من توسعات الاسكندر المقدوني على الرغم من ان هؤلاء القادة كانوا موضوعا للقراءة التصحيحية. الامبراطورية والديكتاتوريةوكما يقول غوت فقد اقترح ان حكام المستعمرات البريطانية سيتم تصنيفهم مع ديكتاتوريي القرن العشرين الذين ارتكبوا جرائم ضد الانسانية على قاعدة واسعة، فالتوجه نحو ابادة المعارضين والشعوب فكرتها متجذرة في التجربة الاستعمارية القائمة على التفوق العنصري. ومن هنا فإن تاريخ التجربة الاستعمارية ظل مرتبطا بالقتل والثورات والتمردا المستمرة نظرا لان الحكام البريطانيين للمستعمرات اداروها كديكتاتوريين، عسكريين حكموا من خلال قوانين الطوارىء والمحاكم الخاصة، والمحاكم العسكرية واعدام الثوار في محاكمات سريعة. على العموم فان المشروع الاستعماري لم يكن ليتم لولا تعاون عدد من السكان الاصليين الذي اغراهم المال الانكليزي او اغرتهم الفرصة والمكانة، وشكل هؤلاء الطابور الخامس الذي لم يساعد الحكومة الاستعمارية فقط بل قام بالنيابة عن الامبراطورية بقتال حروبها. فبدون الجنود الهنود المعروفين بالسباهي لم يكن بمقدور شركة الهند الشرقية احتلال الهند. ولم ينهزم السلاطين المسلمون في البنغال من مثل مير قاسم الا بتعاون الجنود السباهي- او سيبوي او خيانة قادة من مثل مير جعفر الذي خان سلطانه سراج الدولة. وبسبب دورهم في استعمار النهد، جرى تجنيدهم في جيوش كبيرة ارسلت للقتال في حروب الامبراطورية في سيلان واندونيسيا وبورما وافريقيا. وشكل السيبوي- نظاما كررته الامبراطورية لانشاء جيوش المرتزقة في امريكا والكاريبي، فالعببد السابقون في وست انديز ارسلوا الى افريقيا لقتال اخوانهم الافارقة هناك. هؤلاء سواء كانوا مجبرين في الهند او الكاريبي كانوا طلائع الجيوش الاستعمارية.

ذبح السيبوي- سباهي ورغم الفوائد العظيمة التي قدموها للانكليز الا انهم كانوا احيانا محلا للقمع والقتل المتوحش عندما كانوا يثورون على المعاملة السيئة، وينقل الكاتب جملة من الصور عن الاعدامات التي تمت للمرتزقة بطريقة مريعة حيث كانت توضع فوهات البنادق على رقابهم ثم تنطلق مخلفة اشلاء وجنودا يمرون من امامهم بشعور بارد. فقد اكتشفت بريطانيا في وقت لاحق ان الجنود الذين دربتهم اصبحوا مصدرا للتمردات المختلفة ولهذا كان يجب قتلهم بالمدافع. اضافة الى الجنود المرتزقة فقد اجبرت بريطانيا السكان على العمالة الرخيصة واستخدمتهم في بناء السفن وشق الشوارع، وفتح سكك الحديد، ونقلتهم من مستمعرة الى اخرى، وكانت العمالة الرخيصة تعيش في ظروف تشبه العبودية تماما مثل العبيد الذين استخدموا في الثمانين عاما الاولى من التجربة البريطانية اي من منتصف القرن الثامن عشر الى عام 1834، حيث استخدم العبيد الذين رحلوا بالسفن الى العالم ‘الجديد’ في المزارع والبيوت والطرق والبحار.

وعندما انتهت العبودية اخذت الرأسمالية الاستعمارية تبحث عن طرق جديدة لعمالة جديدة، حيث تم في هذه الحالة اجبار ملايين الهنود ودفع ملايين الصينيين للهجرة والعمل في ظروف قاتلة في المستعمرات التي تشكلت من ابناء العمال السخرة. ظلت بريطانيا بعد خسارتها مستعمراتها الامريكية بعد ثورتين تتوسع وتبني ما عرف بالامبراطورية البريطانية الثانية ومثال الاولى ظلت هذه وعلى مدى 200 عام وهي تواجه ثورات ومقاومة. بريطانيا في تجربتها الاستعمارية ليست استثناء فكل الامبراطوريات الاوروبية مارست القمع والقتل والتجربة الفرنسية في الجزائر حاضرة، كما ان التجربة الهولندية والبرتغالية في الخليج العربي ـ الفارسي، وجنوب شرق اسيا حاضرة ايضا. هزائم وانتصاراتهزائم وانتصارات هي ميزة كل الثورات ضد البريطانيين منذ سراج الدولة في البنغال وحروب بريطانيا في الهند، مع النواب ـ مير حيدر، تيبو سلطان الشخصية الاسطورية في جهاد المسلمين الهنود ضد البريطانيين، وحروب شير محمد خان في السند. فمن كلكتا الى اندونيسيا التي لم ترفع عليها الراية الحمراء طويلا، ظلت التجربة الاستعمارية تتواصل او تحاول فعندما انتهت احلام ستامفورد رافيل في اندونيسيا تحول الى سنغافورة واشتراها من سلطان جوهور، وحولها الى نقطة لقاء السفن واستورد العمالة الرخيصة من الصين. في التمردات ضد بريطانيا في السند وتمردات الكاريبي، كانت معظمها تقمع بقسوة لكنها تبذر بذور تمرد اخر وانتفاضة اخرى، فيما نجحت انتفاضات اخرى حيث هزم البريطانيون في هاييتي. ونفس الامر يقال عن تمردات المستوطنين البيض في جنوب افريقيا عام 1815 البيض في جنوب افريقيا واستراليا عام 1808 الذين فشلوا فيما نجح المستوطنون الامريكيون عام 1783، والكنديون الذين هزموا في ثلاثينات القرن التاسع عشر ولكنهم نجحوا في تحقيق الحكم الذاتي وكذا مستعمرة الكاب في نفس الفترة التي انفصلت عن الامبراطورية. بعض قادة هذه الانتفاضات حفظت ذاكرتهم البطولية فيما لم يحفظ لنا التاريخ شيئا عن ثورات الماووري وصرخاتهم ‘واري واري’ في استراليا ولا نعرف الا القليل عن تمردات السكان الاصليين في نيوزيلندا من مثل تي هيري رانغيهاييتا، وهوم هيكي. وكذا قادة التمردات في الكاريبي من تاكي او بلاكويل في جامايكا ولا ويل وشاربر في غوايانا. وهناك من اختفت من الذاكرة من القراصنة الذين جرفهم موج البحر وغرقوا ومعهم حروبهم. المسلمون الثائرون ابداكانت الانتفاضة الهندية عام 1857 مرحلة حاسمة في تاريخ الامبراطورية وتاريخ المسلمين في الهند حيث دالت دولة المغول، فبعد الانتفاضة انهت بريطانيا احتكار شركة الهند الشرقية وضمت الهند الى التاج البريطاني. وفي هذه الفترة تم صناعة الاسطورة عن بناة الامبراطورية والثمن الذي دفعوه. صارت الملكة فيكتوريا امبراطورية على الهند وهي بدعة اخترعها لها دزرائيلي. ومع كتبة التاريخ الامبراطوري يحبون الاشارة وبشكل دائم الى ان الملكة كانت تحكم ملايين المسلمين الا ان ‘المحمديين’ كما اطلق عليهم كانوا من اشرس من كافحوا وجاهدوا ضد الانكليز. ويقول غوت ان مؤرخي الامبراطورية عادة ما يترددون ايضا في الاشارة الى ثورات المسلمين او مناقشة ظروفهم الا ان ثوراتهم الدائمة وان كانت على الاحتلال الا انها كانت ردا في الكثير من الاحيان على المسيحية المتطرفة. ويرى انه في الوقت الذي اصبح فيه موضوع الاسلامية اهم نقطة في الاجندة الدولية فان بريطانيا عليها العودة الى الماضي والتعلم منه لان اجندة ‘حقوق الانسان ‘ والديمقراطية ما هي الا نسخة مشابهة عن اجندة الاستعمار المسيحية ولكنها نسخة، مسيحية علمانية. يقدم الكاتب عددا من الملامح التاريخية عن صراعات بريطانيا في الشرق والخليج وقصف رأس الخيمة والصراع مع القواسم عام 1809 وهزيمة حسن بن رحمة زعيمهم في عام 1819. تم للبريطانيين الذين دمروا في 200 سفينة وهم مبحرون الى بومبي وقد اكدوا مكانتهم في الخليج ولم يتم لهم هذا بدون التحالف مع سلطان مسقط، فقد كان طموح البريطانيين بناء قاعدة عسكرية بحرية لهم على الخليج كما فعلوا في بينانغ عام 1786 وهي المنطقة على ساحل ماليزيا والتي اعطاها السلطان عبدالله لهم. ولكن البريطانيين كانوا يريدون من اقامة القاعدة لهم بناء مستعمرة للسجناء المجرمين، كما فعلوا في استراليا وكما حاولوا تنظيف شوارع لندن من العبيد الهاربين او المحررين بنقلهم الى بلد- سجن في سيراليون حيث ارسلوا اليها مئات العبيد مع اربع عاهرات. كتاب غوت ممتع وغني بالمعلومات التاريخية، وفيه محاولة لتقديم الرواية الغائبة عن سرد الامبراطورية، بتحليل وسرد التمردات والانتفاضات والثورات التي رافقت مشروع الامبراطورية والذي لم يكن ابدا عن التنوير وعن البناء ولكن القهر والاستعباد. وعلى العموم فإن عقلية الاستعمار لم تنته بعد وتكرر نفسها ولكن بطريقة مختلفة.Britains Empire:Resistance, Repreion and RevoltBy: Richard GoVerso/ London -2011ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية