هناك مؤشرات سياسية ايجابية لن تزيد القضية الفلسطينية إلا متانة وقوة في مستقبل الأيام، الشعوب العربية سيزيد اهتمامها بالقضية، وهو ما سيضاعف من بذل جهود وخلق آليات لنصرتها بأساليب وآليات ضغط جديدة، لم تكن مُوفرة في ظل ما قبل الربيع العربي، وهو ما دلت عليه زيارة اسماعيل هنية لتونس و لبعض الأقطار العربية، وما لاقاه من ترحيب كبير، واحتشاد كم جماهيري غفير يردد ‘الشعب يريد تحرير فلسطين’ أضف إلى ذلك الموقف الرسمي والشعبي المصري إزاء أي تدخل أو اجتياح لقطاع غزة، ونحن نعلم أهمية ومركزية الموقع الجيو سياسي الداعم لقطاع غزة بمصر، ودخول السلطة الفلسطينية في ‘مصالحة’ خجولة.نتانياهو جعل كل بيضه – كما يقول عبد الباري عطوان- في سلة رومني المنافس الرئاسي السابق لباراك أوباما، وعمل كل ما بوسعه كي لا يصعد أوباما لولاية ثانية، لأنه يعتبره معيقا لخطة اسرائيل الاستيطانية، وخطتها في التعاطي العسكري مع قطاع غزة..ونظرا لبعض المواقف غير المنحازة بشكل صلب لاسرائيل، على الرغم من استدراك أوباما في بعض خطاباته لتلك الأخطاء اتجاه اسرائيل.. ضاقت اسرائيل ذرعا من انتظار الضوء الأخضر الأمريكي للقيام باجتياح وانتقام من حركة حماس التي حققت انتصارات سياسية وعسكرية في الفترة السابقة منذ العدوان الاخير على القطاع، وخصوصا بعد خطف جلعاد شاليط، الذي كان غصة محرجة لاسرائل لحد الآن، وبعد أحداث لاربيع العربي وانشغال العالم وأمريكا بالتحولات الجارية بالمنطقة، لم تستطع اسرائيل أن تقوم بأي عمل عسكري بشع مثل الذي قامت به الآن والذي قامت فيه باغتيال أحد العناصر المركزية في اختطاف الأسير وعملية تبادل الأسرى، وهذا دليل على استراتيجة الكيان الصهيوني في تنفيذه لعمليات عسكرية انتقامية بحثة، ابتدات بتوسيع دائرة الاستيطان، وستنتهي باجتياحات واغتيالات بالجملة لقادة المقاومة الفلسطينية، هذه الاغتيالات إما أن تكون معنوية عبر إشغال السلطة الفلسطينية في رام الله بمفاوضات ومجاملات، الغاية منها تلهية القيادة عن النظر في خطة اسرائيل الاستيطانية واستعداداته العسكرية، أو عن طريق اغتيالات عسكرية كما حصل لعدة قادة مقاومة، كما هو الحاصل اليوم.مصر حكومة وشعبا، أمام لحظة مفصلية في احداث انعطاف جديد لطريقة التعاطي مع هذا العدوان الغاشم، هل سيكون رد فعل مصر كما هو رد فعلها أيام حكم مبارك؟ هل سنكون أمام لحظات تاريخية تعيد فيها مصر طرح مراجعة الاتفاقيات العسكرية والسياسية مع اسرائيل؟ هل ستكتفي الحكومة المصرية بالدعوة لعقد قمم فارغة في شرح الشيخ أو الدوحة؟ مكتفية بالتنديد والتهديد الشفوي؟ أم أننا سنكون أمام سيناريوهات جديدة مع الملف الفلسطيني؟ إنها أسئلة كبيرة ستطرح أيضا على دول الربيع العربي، وسنكون بعد ذلك أمام باراديغم جديد فيه تأثير الثورات العربية، ذلك أن مصر بحكم موقعها، وبعد الانتخابات التي أفرزت زعيما جديدا من نفس ايديولوجية قادة المقاومة بالقطاع، ورئيس منتخب بشكل ديمقراطي شعبي؟ هل سيتم اتخاذ قرارات تراعي هذا التحول الجديد؟ خصوصا وأن مرسي ليس بزعيم قبيلة أو جماعة بذاتها، ولكن ستكون مواقفه مسنودة بدعم شعبي حقيقي؟ نفس الأسئلة تطرح على جامعة الدول العربية، وعلى دول الخليج؟ هل سنكون أمام تحركات ديبلوماسية قوية تراعي حجم التحول الذي عرفته الشعوب العربية؟ أم أننا سنكون أمام نفس السيناريوهات المعروفة؟ و هل ستستطيع الدول العربية من اقناع السلطة الفلسطينية وحماس بانهاء خلافاتهم؟ إنها أسئلة أخرى ستكون أمام كل فرد يحمل هم القضية الفلسطينية اليوم، لأننا لسنا أمام عدوان في ظل جمود سياسي للأنظمة العربية وشعوبها، وإنما أمام اجتياح للقطاع في ظل الثورات العربية، التي جعلت الشعوب تقول كلمتها، وتعبر عن مواقفها؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل تسعى أمريكا وربيبتها اسرائيل أن يجسوا نبض الشارع العربي بعد مرحلة من مراحل الربيع العربي؟ هل تريد اسرائيل أن تجس نبض مصر حكومة وشعبا بعد المواقف المتصلبة لمرسي وللإخوان المسلمين من اعتبار اجتياح قطاع غزة واغتيال قادة المقاومة خط أحمر؟ يأتي الاجتياح الغاشم على قطاع غزة أيضا في ظل جمود سياسي ودبلوماسي مع مصر التي تخطوا نحو طريق استرجاع دورها الإقليمي، وتستبعد أي ملف خارجي قد يُؤرق مضجعها وهي التي تريد ترميم ورص الصف الداخلي وتمتينه من أي اختراق صهيوني أو أمريكي، مما يجعل السؤال عن الهدف من الغارة الجديدة على قطاع غزة استفزاز للقيادة المصرية أيضا من أجل الضغط عليها وابتزازها لتلطيف وتليين مواقفها اتجاه اسرائيل وأمنها الاستراتيجي؟ مستقبل الأيام القليلة القادمة هو الكفيل بتقديم نظرة على مدى تأثير الربيع العربي على القضية الفلسطينية، وخصوصا إذا قررت اسرائيل التوغل في القطاع والقيام بمزيد من الاغتيالات، ومعرفة موقف الادارة الأمريكية وسلوكها.. وكيف ستدير مصر هذا الامتحان العسير والأول من نوعه في ظل حكومة منتخبة ديمقراطيا.عبد الخالق بدري – المغرب