امتحان روحاني: الخروج من الازمة الاقتصادية وعرض ايران على أنها طالبة سلام

حجم الخط
1

‘هذه هي الانتخابات الأكثر ديمقراطية في العالم’، أعلن الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني هذا (السبت) في ساعات المساء، بعد ان تبين ان حسن روحاني اجتاز نسبة 50 في المئة، وقد يصبح رئيس ايران التالي. كان رفسنجاني الذي رفضت لجنة حراس الدستور ترشحه هو نفسه، كان من أشد منتقدي احمدي نجاد، بل إنه لم يحجب انتقاده عن الزعيم الأعلى علي خامنئي بسبب صورة طبخ نتائج الانتخابات السابقة.
ويبدو في هذه المرة ان المعارضين الأقوياء من المحافظين والاصلاحيين يثقون بالادارة الناجعة النقية نسبيا للانتخابات، بل إن المرشح الذي فاز بالمكان الثاني، محمد باقر قاليباف، سارع الى تهنئة روحاني بالفوز.
ليست المفاجأة بفوز روحاني بين مؤيديه أو المراقبين من الخارج فقط، لأن روحاني نفسه ايضا وهو الفقيه اللين الكلام لم يتوقع ان يتم تمكينه من ان يُدخل قدميه في نعلي رفسنجاني الكبيرتين، الذي كان مرشح الاصلاحيين، أو أن يحل محل استاذه ومعلمه محمد خاتمي، الرئيس الذي أوجد مصطلح الاصلاح في ايران بعد الثورة.
كان عليه في البداية ان يواجه اصلاحيا آخر هو رضا عارف الذي وافق على اعتزال المنافسة بطلب من خاتمي. وكان ذلك تكتيكا حكيما وحّد صفوف الاصلاحيين حول مرشح واحد، رغم أنه ليس صاحب قوة حضور ومكانة عامة قوية كأسلافه في هذا التيار. وقد نافسه خمسة محافظين وزعوا الاصوات، ثلاثة منهم وهم علي أكبر ولايتي وسعيد جليلي ومحسن رضائي مقربون من خامنئي. ونجح محمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران الذي فاز بالمكان الثاني مع 16 17 في المئة بصورة أفضل مما كان في الانتخابات السابقة، لكن أضر به البرنامج الانتخابي الغامض الذي نافس به، رغم قدراته الادارية.
وقفت في طريق روحاني قبل انهاء احصاء الاصوات ثلاثة اسئلة حاسمة وهي: هل ينجح حقا في أن يجتاز عقبة الـ 50 في المئة ليضمن فوزا في الجولة الاولى، وهل لن تلغي اعمال تزوير كثيرة عددا من صناديق الاقتراع، وهل لن يُلغى هو نفسه في مرحلة متأخرة بسبب ‘مس بالنظام’. إن الانتقاد الذي وجهه روحاني الى النظام وكلامه اللاذع المعترض على المطاردة وقمع حرية التعبير، سبب حتى قبل الانتخابات طلب الغائه، رغم أن لجنة حراس الدستور وافقت على ترشحه.
حذر مسؤولون كبار في حرس الثورة من أنه ‘تمكن المحاسبة ايضا بعد الانتخابات ومحاكمة المرشح عن مخالفات إضرار بالدولة’، لكن بعد ان هنأ خامنئي روحاني بفوزه علنا يبدو ان هذه العقبات لن تقف في طريق الرئيس المنتخب، وان ايران تعود الى رئاسة اصلاحية بعد ثماني سنوات جراح عميقة كانت من فعل يدي محمود احمدي نجاد.
وتشهد نتائج الانتخابات ايضا على الانقسام العميق بين المحافظين الذين لم ينجحوا فقط في الاتحاد حول مرشح مركزي واحد، بل إن قلة تأييد كل واحد منهم تشهد على خيبة الأمل العميقة وعدم ثقة الجمهور بهذا التيار نفسه. وفي الوقت نفسه قد تشهد نسبة المشاركة العالية في الانتخابات، وهي نحو من 72 في المئة بحسب معطيات وزارة الداخلية الايرانية، على أن الثقة بالانتخابات باعتبارها وسيلة للتغيير ما زالت قوية، رغم صدمة سنة 2009.
إن هذه الانتخابات وهي الأكثر أهمية في العقود الاخيرة تضع أمام خامنئي تحديا لا مثيل له، فنتائجها تشهد على ضعف عميق لشعبيته، بسبب الازمة الاقتصادية العميقة التي دُفعت اليها ايران بسبب السياسة الذرية وادارة احمدي نجاد الفاشلة الذي حصل على تأييد خامنئي الكاسح في معركتين انتخابيتين متتابعتين الى أن دُفعت العلاقات بين الاثنين الى ازمة في السنتين الاخيرتين. ويبدو أن هذا هو السبب الذي جعل خامنئي ايضا يمتنع قبل الانتخابات عن اعلان مرشح مفضل لأنه لن يضطر بذلك الى احتمال احراج أعمق اذا منح الجمهور ثقته لمرشح آخر، كما حدث حقا.
إن روحاني الذي كان أمين سر مجلس الامن القومي في فترة ولاية خاتمي والذي أدار التفاوض في البرنامج الذري مع القوى الغربية الكبرى، لا يجلب معه تجربة غنية وعلما كثيرا بمجال الذرة فقط، بل يؤيد ايضا الحوار مع الولايات المتحدة.
لكن فوزه لا يضمن تغييرا حادا فوريا في سياسة ايران الذرية، لأن هذا الامر يخضع لخامنئي وسيظل يديره في هذه الاثناء جليلي باعتباره ممثله الشخصي. ولا تخضع قيادة حرس الثورة التي تملك احتكار القرارات في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، للرئيس أما علاج الازمة الاقتصادية الشديدة فيحتاج الى مساعدة البرلمان، حيث توجد أكثرية مطلقة للمحافظين.
وهو برلمان متحدٍ عرف كيف يصد عددا من ضلالات احمدي نجاد، والسؤال هل سيوافق على التعاون مع رئيس يعتبر اصلاحيا، أو يحبط مبادراته بسهولة أكبر. يبدو أن كل طموح الى تغيير وضع حقوق الانسان وحقوق المرأة ووقف قمع حرية الصحافة بصورة كبيرة سيُعرض للنقد وقد يفشله البرلمان.
سيكون مجال الحيلة الضيق الباقي لروحاني إحداث جو أفضل وتليين الخطاب الرسمي مع الغرب والترويج لصورة جديدة لايران باعتبارها دولة لا تبحث عن الحرب ولا تهدد أية دولة اخرى، رغم أنها تصر على حقها في تطوير المشروع الذري لأهداف سلمية. ولن يكون روحاني هو الرئيس الذي ينكر المحرقة أو يدعو الى القضاء على اسرائيل، رغم انه يراها عدوا. فقد قال في مقابلة صحافية مع الصحيفة السعودية ‘الشرق الاوسط’، انه لن يغير سياسة ايران مع سورية، لأن ‘الدفاع عن نظام الاسد مصلحة ايرانية قومية، وسورية جبهة أمامية حيوية في مواجهة اسرائيل’.
إن انتخاب الرئيس روحاني اذا استعمل الخطابة المعلنة استعمالا ذكيا قد يُسهل على الرئيس الامريكي باراك اوباما ان يروج للدبلوماسية، باعتبارها وسيلة أفضل من هجوم عسكري، ويضع أثقالا على سياسة اسرائيل الدفاعية المستقلة. إن واشنطن التي انتظرت نتائج الانتخابات في تأهب وأرغمت اسرائيل على تأجيل خططها العملياتية الموجهة على ايران، تستطيع الآن ان تقول بحزم إن سياسة العقوبات كانت ذات جدوى. لا يعني هذا أن ايران ستكف عن تطوير المشروع الذري، لكن واشنطن تستطيع ان تُبين ان الجمهور الايراني أظهر أنه يطلب تغييرا.
سيكون هذا تفسيرا صحيحا لنتائج الانتخابات، لكن الامتحان صاحب القرار سيكون صورة استقرار رأي خامنئي على توجيه البرنامج الذري. وليست معضلته في مواجهة الولايات المتحدة أو اسرائيل فقط، بل هناك معضلة سياسية داخلية ايضا سيضطر بموجبها ان يقرر هل يمنح الرئيس الجديد الذي هو خصم ايديولوجي ايضا احتمال انقاذ اقتصاد ايران، أم يتمسك بـ’اقتصاد الجهاد’، الذي يعني استمرار شد الحزام المؤلم وعدم التخلي في المسألة الذرية.

تسفي برئيل
هآرتس 16/6/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية