د. علي محمد فخرو
الذين يتابعون مسلسل الفضائح المتتابعة لجريدة ‘أخبار العالم’ البريطانية، ثمُ موتها منكُسة الرأس وهي في عمر المائة والثمان والستين، وذلك بسبب ارتكاب بعض محرٍّريها الكبار جرائم سرقة الرسائل النصيُة للكثير من الهواتف المحمولة التابعة للكثير من المواطنين الانكليز، امتداداً من بعض المواطنين العاديين إلى بعض علية القوم من رؤساء الوزارات وأفراد العائلة المالكة. الذين يتابعون ذلك لا بد أن يدركوا بأن الأهمية لا تكمن في أشكال وتفاصيل تلك الفضائح المثيرة للاشمئزاز والمعبرٍّة عن اللا أخلاقية المفجعة التي تعيشها حضارة العصر، وإنما الأهمية تكمن فيما ستأتي به الأيام القليلة القادمة.
فالنقاش يجري في كل المحافل عن ضرورة وضع ضوابط قانونية ومهنية صارمة لعلاقة الصحافة، وقد يمتد لكل وسائل التواصل الأخرى، بمؤسسات المجتمع وبالمسؤولين والمواطنين. ضوابط تمنع تكرار حدوث ذلك خصوصاً وأنها طالت رجال الأمن من خلال دفع رشاوى لبعضهم وطالت كبار رجال السياسة من خلال ترويعهم وابتزازهم وبالتالي صمت الكثيرين منهم. من أهم تلك الضوابط هو وضع نسبة محدودة لما يمكن أن يملكه أي شخص أو أية مؤسًسة من ساحة الوسائل الإعلامية. ذلك أن مالك تلك الجريدة الملياردير الشهير، روبرت مردوخ، يهيمن على مساحة هائلة من وسائل الإعلام الانكليزية، كجزء من إمبراطوريته الإعلامية العولمية.
مناسبة هذا الموضوع الذي هز المجتمع البريطاني وفتح عينيه على مخاطر احتكار الإعلام، أو امتلاك جزء كبير منه، على الأسس الديمقراطية التي تحكم هذا المجتمع، يدعونا نحن العرب لطرح السؤال التالي: ألا يواجه الوطن العربي وجود ظاهرة امتلاك جزء كبير من مساحة الإعلام من قبل بعض المليارديرات العرب المدفوعين والمدعومين من قبل بعض الأنظمة العربية الاستبدادية الفاسدة؟
فإذا كانت دولة ديمقراطية عريقة كانكلترا أدركت أنها لن تكون في مأمن من المدٍّ الإعلامي العولمي وقدراته الاحتكارية، وبالتالي قدراته على قولبة الرأي العام الانكليزي في جميع المجالات بما يخدم مصالح الخارج والمغامرين، فهلاُ ينطبق الأمر، وأكثر بكثير، على بلاد العرب؟
والواقع أنه لا حاجة لذكر اسماء الأشخاص أو المؤسسات التابعين لبعض دول الوفرة والذين يهيمنون على الصحف والإذاعات والمحطات التلفزيونية والمنابر الإعلامية في هذه الدولة العربية أو تلك، وبالتالي يقومون بقولبة الرأي العام في الدول أو عبر الوطن العربي كله بما يخدم مصالح هذه الدولة العربية أو تلك أو بما يخدم المصالح الاستعمارية والصهيونية.
المهم هو إعادة طرح السؤال مرة أخرى: أليس من الضروري أن يبادر كل قطر عربي لوضع نسبة محدًدة لما يسمح بامتلاكه من وسائل الإعلام من قبل الأفراد والمؤسسات؟ وهل يتناقض مثل هذا القرار مع حريُة واستقلالية الإعلام؟
الجواب هو معقٌد ويحتاج الشقُ الأخير منه لتفكير طويل حتى لا يكون الحلٌ على حساب حريُة واستقلال الإعلام. لكن يبقى الجزء المتعلق بملكية وسائل الإعلام لا لاستخدامها للدفاع عن الحريات والعدالة والمساواة وإنما كأداة في منازعات وصراعات سياسية وأمنية فيما بين الأنظمة العربية.
في بلاد العرب هناك أنظمة استبدادية فاسدة متخلفة تكره أن ترى أيٌ تغيير تقدمي في أي قطر عربي حتى لا ينفضح أمرها وحتى لا تصل عدوى الثورات والاحتجاجات إلى الشعوب التي تحكمها بالسًوط وبالرشاوى الريعية. هذه الأنظمة جندت أفراداً ومؤسسات ممُن يدينون بالولاء لفكرها المتخلف لامتلاك أكبر المساحات الإعلامية في أكبر عدد من الأقطار العربية وذلك من أجل تطويع وقولبة الرأي العام في تلك الأقطار ليؤمن بسياساتها المشبوهة وليساند أزلامها ومستلمي رشاواها ولينتخب الموالين لنهجها غير الديمقراطي.
هؤلاء الأفراد وتلك المؤسسات يجب أن ينظر في تحديد نسبة ما يملكون من وسائل الإعلام حتى لا يمتلكوا المجتمعات والبشر بعد امتلاكهم لساحة الإعلام.
لنا فيما حدث في انكلترا عبرة، وأيُ عبرة.