امتياز دياب: «ميلاد الكلمات»

حجم الخط
0

خلال معظم سنوات إقامته في حيفا، سكن محمود درويش في أكثر من بيت مع محمد ميعاري، المحامي والسياسي الفلسطيني المعروف، الذي تواصلت معه الكاتبة والصحافية الفلسطينية امتياز دياب، وسألته عن تفاصيل صداقته مع درويش، وما إذا كانت في أرشيفه وثائق عن تلك المرحلة، فقادها إلى صندوق عتيق اتضح أنه يحتوي كنزاً من أوراق درويش وصوره ورسائله. وشرح ميعاري: «سكنت معه [درويش] عدة أعوام، في أكثر من بيت، وعندما رحل عن حيفا وضعت متعلقاته في هذا الصندوق الذي تنقل معي منذ أواخر الستينيات، من بيت إلى آخر». وبعد أشهر من التصنيف والتدقيق استقرت دياب على طباعة هذا الكتاب/ الهدية الثمينة، الذي وقع في 223 صفحة من القطع الكبير، وضمّ قرابة 400 وثيقة من محتويات الصندوق، توزعت على الأقسام التالية:
1 ـ رسائل الأصدقاء؛
2 ـ رسائل العائلة؛
3 ـ رسائل حبّ، من الشاعر وإليه؛
4 ـ رسائل إلى ميعاري؛
5 ـ رسائل منفردة من شخصيات مختلفة؛
6 ـ بطاقة هوية: سجّل أنا عربي؛
7 ـ اللحظة الثانية: عاشق من فلسطين؛
8 ـ دفتر «معسياهو»، نسبة إلى اسم السجن، في مدينة الرملة، الذي حُبس فيه درويش عام 1965؛
9 ـ كيف كان الشاعر ينشيء قصيدته؛
10 ـ درويش والأوامر العسكرية؛
11ـ درويش ورقابة الصحافة؛
12 ـ شهادات؛
13 ـ للأوراق ضفاف أخرى (بقلم دياب)؛
14 ـ مسودات وقصائد غير منشورة؛
15 ـ مختارات من مفكرة الشاعر؛
16 ـ من دفاتر دواوين الشعر؛
17 ، درويش ومقتطفات من الصحافة.
هنا نصّ رسالة من درويش إلى ميعاري، مرسلة من موسكو ومؤرخة في 14/9/1968:
« عزيزي محمد
تذكرتك كثيراً في الأيام الأخيرة. هل هي مقدمة الحنين؟ أم هي رغبة مني في أن تشاركني من بعيد إحساسي العميق بالراحة والهدوء. دعنا نتحدث بحرية. أحس أن هاجساً فيك ما زال يدندن: بماذا أذكرك يا صوفيا؟ أما أنا فلا أذكرها إلا بما يشبه الحلم، رغم الضجة المؤسفة التي ثارت في العالم العربي بسبب اشتراكنا في المهرجان. تصلني أنباء سيئة وحماقات. وأخشى أن تثار ضجة أخرى بسبب اشتراكنا في ندوة طشقند لكتاب آسيا وإفريقيا في العشرين من هذا الشهر. لقد تلقيت دعوة من اتحاد الكتاب السوفيات للاشتراك في الندوة بصفة مراقب. إنها فرصة ممتازة للقاء بأبرز الأدباء في أكثر من ثلاثين دولة آسيوية وإفريقية وغيرهم من الأدباء الضيوف القادمين من أوروبا وأميركا اللاتينية. وسيقام خلال المؤتمر مهرجان سنوي كبير سألقي فيه بعض قصائدي، وستنشر قصائد المهرجان مترجمة على نطاق واسع.
سمعت أن أعز كاتب علينا ــ يوسف إدريس ــ في حالة صحية متدهورة ويعالج الآن في موسكو. وماذا أقول لك عن موسكو! إنها مدينة لا تحب من النظرة الأولى، ولكنها سرعان ما تعشق بعد أيام قليلة من اللقاء بها. ولكني ــ وصدقني ــ أحن إلى سخافاتنا، وإلى سهراتنا. كيف حال توفيق؟ وعدته بكتابة رسالة هامة إليه ولكني عدلت عن فكرتي لأسباب معينة. قل له إني ما أزال مخلصاً له ولها، ولكن مفهوم الإخلاص يختلف وفقاً للمناطق الجغرافية المختلفة. هذه نكتة، والحقيقة هي أني لم أجد من الوقت ما يضع إخلاصي في التجربة.
وكيف حال سميح؟ هل وصلت أنباء الحملة؟ ولكن هناك أنباء أخرى: قرأت في الصحف أن لطفي الخولي سيشرف على طبع دواويننا وقرأت أن كتاباً لرجاء النقاش سيصدر هذا الشهر بعنوان «أدباء معاصرون» يتحدث فيه عن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وعنا، وعن السياب ورامي. وهكذا تتضح الأمور، وينتهي العطف اليميني علينا. أما ما يسمى أقصى اليسار فله حكاية أخرى.
ويا محمد أرجو أن تكون قد أحسنت استغلال غيابي عن البيت، ولكن لا أرجو أن تتمنى طول غيابي ليتسنى لك الاستمرار في ممارسة الحرية التي إذا تجاوزت المعقول صارت موبقات. تحياتي إلى كل الأصدقاء والجيران.
ولك حبي
محمود درويش».
وهنا فقرات من شهادة محمد ميعاري في الكتاب:
«أنا كنت أعمل عند المحامي حنا نقارة، أبو المحامين الفلسطينيين في حيفا، ومحمود كان يعمل في الاتحاد. لكن محمود كان مركز منع التجول. لم ينج ولو أسبوعاً واحداً من الإقامة الجبرية في البيت، من شروق الشمس حتى غروبها. لذا كان بيتنا مركز الزيارات، وجميعهم كان يأتي لزيارتنا، سواء من حيفا أو من القرى (…) محمود كان مثقفاً، ثقف نفسه بنفسه، كان كادحاً بل أكدح من كادح. أبوه كان حجّاراً، ينتزع القرش للرغيف والدفتر من الحجر. صودرت أراضيهم وبيتهم في البروة. وصلوا قرية دير الأسد وهم لا يملكون شيئاً. حتى ثيابهم كانت بالية من اللجوء والنزوح والرحيل. والدته كان لها تأثير عليه، كتب من إيحائها أكثر من قصيدة. قال لي مرّة: أمّي بحياتها ما شفتها راحت على فرح، لكن ما في جنازة ما حضرتها (…) كان محمود عضواً في الحزب الشيوعي، لكنه لم يكن راضياً عنهم سياسياً أو عن تصريحاتهم».
جدير بالذكر أن امتياز دياب سبق أن أصدرت كتاباً رائداً بعنوان «يافا عطر مدينة»، وتميزت بكتابة ريبورتاجات صحافية عن فلسطين والمخيمات وكردستان وسواها؛ اتسمت بأسلوبية خاصة، وبراعة لافتة في التغطية البانورامية والالتقاط الإنساني العميق. كما أنتجت فيلماُ عن بداية الانتفاضة الأولى، بعنوان «أطفال الحجارة»؛ وآخر بعنوان نون وزيتون».

وزارة الثقافة الفلسطينية ــ نون للأفلام والنشر، رام الله 2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية