امرأة النسيان لمحمد برادة: الأسئلة المؤرقة

حجم الخط
0

امرأة النسيان لمحمد برادة: الأسئلة المؤرقة

محمد الأزرق امرأة النسيان لمحمد برادة: الأسئلة المؤرقةصدرت في كتاب الجيب رواية امرأة النسيان للروائي والناقد المغربي محمد برادة. عادة ما يستقبل النقاد والقراء روايات محمد برادة بحفاوة، لقدرة الروائي علي المزج بين المتعة الفنية والرصانة المعيارية لجنس الرواية، الا أن القراءة المتأنية لأعمال محمد برادة تضعنا في صميم تجارب متمايزة لا تعكس رؤيا وحدانية. الضوء الهارب ، لعبة النسيان ، مثل صيف لن يتكرر انجازات سردية متباعدة الرؤي والهواجس والتقنيات، لكنها تنتهي عند حدود مشتركة وهي شفافية اللغة وبساطتها الشعرية، الانخراط في سيرورة التاريخ الراهن المثقل بأوجاع الأسئلة الثقافية والسياسية… امرأة النسيان رواية تنكتب (علي غرار لعبة النسيان ، العمل الأهم في مسيرة محمد برادة الروائية)، برغبة ملحة من الكاتب في تأسيس كتابة روائية تعتمد علي التداعيات المجازية للنسيان. هذا ما يتيحه مبدئيا العنوان، العتبة الدلالية التي تضيء لنا ولوج العوالم الداخلية للرواية. بعد العنوان تظهر عتبة الاهداء مؤشراً دلالياً آخر علي أن كلمة النسيان مفارقة فنية تحيل بالضرورة الي التذكر. فما جدوي أن يذكر الكاتب اسم عبد الحي الديوري (اسم له صولته في المعارضة المغربية المنفية منذ الستينات)؟الرواية دعوة الي تذكر وقائع وحقائق في مقابل نسيان أوهام التاريخ وخدائعه.راهن محمد برادة علي حيلة فنية ليحيك أحداث وأشخاص روايته، تتمثل هذه الحيلة في التقاء السارد بـ ف.ب شخصية خرجت من لعبة النسيان لتستقبل كاتبها في محبسها بعد عودتها من باريس، منهكة متوحدة تنتابها حالات الجنون… امرأة النسيان التي تشبه المرأة المرتدية لفستان أحمر فاتح في لوحة كليمت. … منذ كتبت (لعبتك) وأنت تختبيء وراءها. ألم يحدثك الهادي عني؟ ما أخباره؟ منذ رأيته آخر مرة منذ سنوات في المقهي بباريس، لم ألتق به، عشت تجربة مليئة بالاهتزازات، من تدحرج الي آخر، وانتهي بي المآل الي ما تراه محبوسة، معزولة. أنا في نظر العائلة حمقاء، لكن الشعور المهين علي هو أن العالم الخارجي لم يعد يغريني. يمكن أن أمضي أياما متتالية وأنا تائهة وسط رؤي مبهمة هاربة من كل ما يلتمع في الذاكرة… ص : 12 تتحكم الرواية بنيتان حكائيتان متماستان: بنية المرأة ف.ب وبنية حكومة التناوب 1998. تتداعي حكاية المرأة في كل أجزاء الرواية. حقق محمد برادة نجاحا بالغا عن طريقها في استثارة أسئلة وقضايا كبري، بنفس روائي خالٍ من المساحيق التزيينية، بعيد كل البعد عن التقريرية والوعظ. الشقاء المرضي الذي تعاني منه امرأة خبرت من السفر والمدن والكتب والحانات والمعيش مواقف قضت مضجعها، والشقاء المعرفي الذي يعاني منه الكاتب الشخصية المونولوجية الرئيسية في السرد، يشكلان قطبين بالغي الأهمية في البناء الدرامي للرواية.كما هو معتاد عند محمد برادة نجد في الرواية سفرا طويلا في الكتب والموسيقي والحضارات والثقافات. بين الفينة والأخري يحضر توتر درامي خفيف من خلال لعبة السؤال والجواب بين كاتب متمرس يقتنص الحقائق من المعيش والمقروء ليصيرها روايات تمزج بين الواقعي والمتخيل وبين امرأة هشة تحمل قوة الفراش، عبث بذاتها المقروء والمتخيل والمفروض لتسقط ضحية الأرق والهلوسة.ومن هنا فان هذه الرواية مثل روايات سابقة لمحمد برادة تضطلع بـدور تنويري يستفز أسئـــلة الذات، الآخر، الاغتراب، الموت، المقدس، المدنس، الخيال، الشرق المعقد… أسئلة تنصب في دائرة الأفق الكوني رغم ارتداد معظم الحكي في مدينة الدار البيضاء حيث تقطن امرأة النسيان.في خضم توالي الأحداث وتعاقب الحكي والشخصيات يبرز حديث السارد عن مخاض حكومة التناوب في الكثير من الصفحات المتفرقة في الرواية، حديث يتوزع ما بين الشهادة، والتحليل السياسي، والغمز الي بعض محظوظي ومغبوني حكومة 1998… … وكان هناك، بالطبع عوالا، بابتسامته المدروسة التي تداري خجلا واعتدادا مفرطا بالنفس، أبان عنه في أول مؤتمر حضره للحزب، ممثلا طلاب باريس المتنبهين لما تفرزه أروقة الفكر السياسي من اجتهادات وتنويعات علي ايقاع صراعات الساحة الفرنسية. الآن هو في وضع مريح لأنه توزر وهو في عز الشباب، وبلاغته تخدم طموحه، وخبرته تفيد الحكومة فيما يقال. علاقتنا لا تخلو من مجاملة رغم أن حاجبات تواصل كثيرة تجعلني لا أطمئن الي ما يتفوه به خاصة بعدما حكي لي صديق أثق فيه أنه شاهد عوالا وهو يبكي عندما علم بابعاده من لائحة الترشيحات البرلمانية، وكان يضرب المدار بقبضته ويصرخ: أنا أحرم من الترشيح رغم قيمتي التي يعرفها الجميع داخل الحزب وخارجه. لا أصدق ذلك، لا أصدق … (ص:36) يمارس محمد برادة تخييلا لحكومة التناوب ملتصقا بوقائع وشخوص لهم ملامح شبيهة بملامح بعض رجالات الحزب الذي يلمز اليه السارد بشكل أقرب الي التصريح، ويقف عند المسكوت عنه في اللجنة المركزية للحزب المقصود بواقعية ممهورة بأبعاد تخييلية.ويرصد تحولات الحزب ومناضليه بعد غياب طويل، عن طريق السارد المتأمل لأفول وجوه طبعت مسار الحزب وصعود أخري، ساخرا من قيم الانتهازية التي تطبع بعض أعضاء اللجنة المركزية.في ثنايا وصف وسرد الحالات والوقائع التي رافقت حكومة التناوب نلمس اغترابا داخليا للسارد مرده خيبته من الانعطافة المثيرة التي سلكها حزبه، وحسرته علي أحلامه وهي تتهاوي في تجربة لا أفق لها.يعلو صوت السارد ويصرخ بهدوء مثل أبطال المآسي، في وجه رفاقه المناضلين، لانقاذ الذاكرة من العطل.لا يخفي برادة رغبته في جعل رواية امرأة النسيان مجالا للتنبيه، وترميم رغبات ومشاريع الاصلاح المجتمعية، واسترجاع الصوت الجواني النابض بالحقيقة في غمرة التحولات.يخفي محمد برادة علي لسان سارده الأكبر سنده لايديولوجيا معينة، بل يكتب من زاوية الارتياب والتساؤل وتقصي الحقيقة المسربلة بالتعدد والاحتمالات… ويجهر بصوت الروائي المحاصر بعلائق الاستلاب وسطوة التحول.يستعير محمد برادة حكاية ف.ب امرأة النسيان ليرصد حالة الوجود الانساني وهو يتحرر من استلاب الواقع وسطوة التحول، وليعبر بدقة عن مفهوم المثقف المستقل المكتوي بوعيه الشقي.علي هذا النحو، ومن خلال تشكيل سردي يتجنب الخطابة وتصفية الحسابات، استطاع محمد برادة أن ينقل الي المتلقي غليان الوعي بمرحلة التناوب رغم تمظهرها السكوني في الصحافة المرئية والمكتوبة، بذلك يعيد الاعتبار الي مفهوم المثقف العضوي المنخرط في توعية القراء بخدائع التاريخ. كاتب من المغربمحمد برادة، امرأة النسيان ، نشر الفنك، كتاب الجيب، 20040

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية