امرأة ترفع يدها أمام البرلمان لتؤدي اليمين الدستورية، في بلدٍ ظلّ لعقود يوصف بأنه آخر معاقل البطريركية في العالم الصناعي، لتُشعِل بأصابعها العشرة المرفوعة عالياً الفضاء بتصفيق ملتهب، ولتكون الخبر على شاشات عالمنا من بلاد الشمس المشرقة. لهثت عدسات الإعلام إلى التقاط ما وصفته الصحف بـ»اللحظة التاريخية»: ساناي تاكائتشي، البالغة من العمر أربعة وستين عاماً، قد أصبحت أول رئيسة وزراء في تاريخ اليابان. الصورة بدت شديدة المثالية: سيدة تقود أمّة تكنولوجية كبرى طالما خلت قيادتها من النساء. تعليقات الفضائيات انهمرت بكلمات مثل «اختراق» و»تحطيم السقف الزجاجي» و»انتصار للمرأة اليابانية». لكن، خلف بريق الصورة، ثمة سؤال أكثر تعقيداً من العناوين المبهرة: هل يكفي أن تصل امرأة إلى القمّة لنقول إن المساواة قد تحقّقت وانتصرت قضية النساء؟
التمثيل لا التحرر: سؤال الجوهر لا الصورة
في الواقع، قلّما تتطابق الرمزية مع واقع السياسة. تاكائتشي نفسها ليست نسوية بالمفهوم الكلاسيكي، بل تنتمي إلى التيار المحافظ الصلب في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الذي حكم اليابان معظم العقود السبعة الماضية. وهي معروفة بإعجابها الشديد بمارغريت ثاتشر، «المرأة الحديدية» التي جعلت الرأسمالية البريطانية أكثر قسوة مما كانت عليه في عهد الرجال.
خلال مسيرتها السياسية، عارضت تعديل قانون الألقاب الزوجية الذي يمنع النساء من الاحتفاظ بأسمائهن بعد الزواج، ودافعت عن استمرار حصر وراثة العرش الإمبراطوري بالذكور، ورفضت فكرة الحصص النسائية في البرلمان أو مجالس الإدارة. أما برنامجها الحكومي فيميل إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة تشغيل المفاعلات النووية المجمّدة منذ كارثة فوكوشيما، أي أنه في جوهره امتداد للسياسات اليمينية السائدة، لا تحدٍّ لها.
من هنا، يمكن تفهّم الأصوات النسوية اليابانية التي عبّرت عن حذرها أكثر من حماسها. إحدى الناشطات الشابات قالت في مقابلة تلفزيونية: «هي خطوة رمزية، لكنها لن تغيّر كثيراً من واقع النساء». وأضافت بذكاء: «لقد وصلت تاكائتشي إلى السلطة لا لأنها تحدّت النظام، بل لأنها أتقنت قواعده الذكورية».
ولعلّ هذا ما يجعل الحدث الياباني مثالاً نموذجياً على الفجوة بين «التمثيل» و»التحرّر». إذ ليس كل تمثيل نسائي في السلطة علامة على تقدّم اجتماعي. فالسلطة، في نهاية المطاف، ليست تجسيداً للهوية الجندرية، بل انعكاس لتموضعٍ فكري وأيديولوجي في منظومة المصالح.
تلميعاً للنظام لا لكسرَه
تاريخ القرن العشرين نفسه شاهدٌ على هذا التناقض. فمن جهة، أعطت أنديرا غاندي للهند وجهاً أنثوياً مهيباً، لكنها حكمت بقبضة حديدية وفرضت حالة الطوارئ، التي كبحت الحريات الديمقراطية لسنوات. ومن جهة أخرى، قدّمت جاسيندا أرديرن في نيوزيلندا نموذجاً مغايراً تماماً: زعامة تقوم على التعاطف، والذكاء العاطفي، والتواصل الإنساني في مواجهة الإرهاب وجائحة كورونا.
في المقابل، تبقى مارغريت ثاتشر وغولدا مائير وهيلاري كلينتون أمثلة على نساء قويات رسّخن سياسات رجولية بامتياز: عسكرة القرار، وتمجيد القوة، وتحالفات مع رأس المال الكبير، بل وجرائم حرب أحياناً.
السؤال إذن ليس: «هل وصلت امرأة إلى القمّة؟» بل «أيّ نوع من السياسة تمثّله؟». فالمرأة التي تعتنق خطاباً محافظاً يعيد إنتاج الامتياز الذكوري لا تختلف كثيراً، في الجوهر، عن أي زعيم يميني آخر. بل ربما تُستخدم صورتها لتجميل النظام القائم وإعطائه مسحة حداثية شكلية.
تاكائتشي نفسها تدرك ذلك تماماً. فهي، كما وصفتها صحيفة «نيويورك تايمز»: «ليست نسوية، بل محافظة تعرف كيف تتعامل مع ثقافة ذكورية لتتسلّق داخلها». أحد زملائها في الحزب شبّهها بـ»العروس التي تزوّجت من جناح قويّ في القبيلة»، في إشارة إلى أنها نتاج تحالفات داخلية أكثر منها رائدة إصلاح اجتماعي.
بين الشاشة والسياسة: انتصار الشكل على المضمون
من المفارقات أن تاكائتشي كانت في بداياتها مقدّمة برامج تلفزيونية. أي أنها تعرف تماماً قوة الصورة وتأثير الشاشة. لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون كلمتها الأولى بعد انتخابها مزيجاً من التوازن الخطابي والرمزية البصرية: معطف أزرق، خطوات محسوبة، نبرة حاسمة، وابتسامة لا تتجاوز حدود البروتوكول. لحظة مُخرجة بعناية لتُقدَّم إلى العالم كرمز نسائي في مواجهة الأزمات.
غير أن جوهر خطابها، إذا تجاوزنا المظاهر، يتماهى مع أجندة ذكورية بالكامل: العمل حتى الإرهاق: «سأعمل وأعمل وأعمل ولا وقت لحياتي الخاصة» – على حد تعبيرها – رفع الإنفاق العسكري، خفض الضرائب على الشركات، وتبنّي سياسات طاقة مثيرة للجدل. أي أنها «ثاتشر يابانية» بحق، كما يصفها الإعلام المحلي، دون أي ثورة نسوية حقيقية توازي إنجازها الرمزي.
الملفت أنّ الإعلام العالمي نفسه، بما فيه الفضائيات الكبرى، تعامل مع الخبر بانتقائية. فقد ركّزت الشاشات على كونها «أول امرأة في المنصب»، أكثر مما حلّلت طبيعة سياساتها أو خلفيتها الأيديولوجية. الصور الجاهزة أقوى من التحليل: امرأة في البزة الرسمية، ألوان العلم الياباني خلفها، تعليق سريع عن «تاريخ يُصنع الآن»، ثم انتقال إلى خبر آخر. وهكذا تُختزل المعاني في لقطة، وتُختطف السياسة لصالح السرد التلفزيوني.
إننا نعيش زمناً تُصاغ فيه الرموز بسرعة البرق على الشاشات، حيث يكفي أن تظهر امرأة في موقع قوة لتُعلَن «انتصاراً للنسوية»، حتى لو كانت مواقفها تقف على الضفة المقابلة للمساواة. الإعلام، في سباقه نحو السبق والترند، يفضّل البريق على التعقيد، والاحتفال على النقد. وهنا تكمن مسؤولية القنوات الجادّة في إعادة تعريف دورها: هل مهمّتها أن تعكس الصورة، أم أن تكسرها؟
ربما تكون هذه المفارقة هي جوهر قصة تاكائتشي: امرأة وصلت إلى القمة في مجتمع يقدّس الطاعة والانضباط، لكن وصولها ركب موجة النظام نفسه الذي يُبقي ملايين النساء اليابانيات في الظلّ. فبينما يحتفي العالم بصورتها على الشاشة، ما تزال اليابانيات تشكّلن 16% فقط من أعضاء البرلمان، وتُدار نصف الشركات تقريباً بمجالس إدارة خالية تماماً من النساء.
وفي العمق، تكمن إشكالية أوسع: حين يصبح التقدّم مجرّد تمثيلٍ رمزي داخل بنيةٍ غير متغيّرة. فكم من (أول) امرأة صعدت لتثبيت قواعد اللعبة لا لتغييرها؟ من كوندوليزا رايس إلى جورجيا ميلوني، المشهد يتكرّر: النساء اللواتي يصعدن في أحزاب يمينية غالباً ما يُطلب منهن أن يكنّ أكثر تشدّداً من الرجال لإثبات الجدارة. إنها مفارقة السلطة حين تبتلع خطاب المساواة وتحوّله إلى زينة بروتوكولية.
ليس المطلوب أن نحاكم النساء السياسيات على أساس الجندر، بل أن نفهم كيف يوظَّف هذا الجندر في معركة الرموز. فتاكائتشي ليست خصماً للنساء، لكنها أيضاً ليست نصراً لهن. إنها تذكير بأن الهوية لا تكفي لتغيير الواقع ما لم تُترجم إلى سياسات.
اللقطة التلفزيونية التي تطايرت على رؤوسنا من طوكيو – المرأة التي تلوّح بيدها وسط تصفيق البرلمان – ستبقى معلماً بصرياً في ذاكرة العام. لكنها ليست بالضرورة إعلاناً عن فجرٍ جديد للمساواة. فالصورة قد تُخفي أكثر مما تُظهر، والرمز قد يُستخدم لتأبيد ما يُفترض أن يغيّره.
لهذا، ربما يكون السؤال الأدق اليوم: ليس من يحكم اليابان، بل كيف تُحكم اليابان؟
أما الجندر، فمجرد تفصيل صغير في معادلةٍ أكبر اسمها: السلطة.
إعلامية وكاتبة – لندن