امرأة جنوبية تصيح ما بدنا نكون فرجة العالم… صورتونا كتير وما في نتيجة الكاميرا تلتقط تفاصيل الموت: ذاكرة لبنان النارية التي محت ما قبلها
لنا عبد الرحمنامرأة جنوبية تصيح ما بدنا نكون فرجة العالم… صورتونا كتير وما في نتيجة الكاميرا تلتقط تفاصيل الموت: ذاكرة لبنان النارية التي محت ما قبلهاالكاميرا تلتقط تفاصيل الموت ويظل علينا تصديق الصور التي تعرضها لنا العدسات المختلفة.صراخهم لا صوت له، عيونهم البريئة أطفأها التراب الذي انهال عليها بلا مهلة، بلا استئذان من عمرهم الأخضر، وأيامهم الطرية، كانوا وليمة شهية لآلة وقودها من دم……جثث فوق جثث فوق جثث………… نتمني أن لا نصدق كل مشاهد الكاميرا وأرقامها، أن يكون هناك كذب إعلامي، أن تكون هناك مبالغات للتهويل. نتمني لو كنا في كابوس مرعب، وأن موت أطفالنا ليس إلا لعبة شبحية سنخرج منها وسنجدهم أحياء سنرتمي علي أجسادهم الغضة نقبلها ونشم فيها رائحة الطفولة، لكن الصور الماثلة أمام أعيننا تجبرنا علي تصديق أن كل هذا الموت حقيقة…حقيقة تعنينا وحدنا.مجزرة تلو أخري….. قانا الجديدة….. قانا الأولي، الدوير مروحين ، عين عرب ، جنين من قبل، غزة الان، كيف للذاكرة احتمال تخثر كل هذه الدماء؟رويدا رويدا تتداخل الأسماء والوجوه، وحين تحتدم الأحداث تتحول الأشياء الي أرقام، ولا يظل في واجهة الحدث إلا أسماء قليلة تعلق في ذاكرة الصورة لشدة ما فيها من بشاعات الحرب ودمويتها.كل شيء فينا كان يتحول ويتخذ شكلا آخر، لغتنا أفكارنا، ما كانت أحلامنا سابقا، مشاريعنا للغد، كل الاشياء ينبغي أن يعاد تشكيل علاقتك بها إن كنت تنتمي لبلد يحترق.عشرون يوما علي بدء الحرب.عشرون يوما كأنها عشرون عاما.عشرون يوما تحول فيها أناس من أسماء الي أرقام، وقالوا عنهم في نشرات الأخبار 730 قتيلا لبنانيا و420 جريحا حصيلة 20 يوما من القصف، ثلثهم من الأطفال .بعد الموت الجماعي الذي حدث تغيب حكايا الناس معهم وتتلاشي فلا نعرف عنهم الا أنهم يشكلون رقما ضمن ضحايا الحرب.ماذا نعرف عن الذين قتلوا في قانا ومن بقي تحت الأنقاض بينهم ثلاثون طفلا، يتم استخراجهم علي دفعات؟ يا للخجل من سنواتهم التي لم تعرف الخطيئة بعد… أرقام…أرقام.يتحول قتلي مجزرة قانا الي أرقام، ويتفرج العالم علي قتل الأطفال في قانا وأكثر ما يقومون به هو سماع الرقم ومقارنته برقم وارد علي فضائية أخري……… قانا الجريحة التي ما شفيت من جراحها السابقة بعد، قانا التي ما نسينا وجعها الأول في مجزرة 1996 وكأن الدم الأحمر الذي سال من قبل لم يكن كافيا ليروي تراب تلك الأرض الطيبة… كم من المجازر يجب أن تقترف قبل أن تتوقف الحرب؟كم من الأطفال يجب تقديمهم قرابين في المحرقة؟ماذا نعرف عن مجزرة مروحين ماذا نعرف عن 26 شخصا قتلوا سوي رقمهم؟ وماذا نعرف عن ضحايا القصف علي عيترون وعلي بنت جبيل ويارون و صور و الضاحية الجنوبية ، وعن المحاصرين في قري الجنوب وفي مخيم عين الحلوة في صيدا، هذا المخيم الذي استضاف عائلات لبنانية نازحة من الجنوب، ليزيدوا نزوحا علي نزوح، ولجوءا علي لجوء؟ماذا نعرف عن الصامدين في غزة أمام الدبابات الإسرائيلية؟ ماذا نعرف عن الطفل حسين الذي مات اهله أمام عينيه ولم يبصر إلا أشلاء جثثهم المتطايرة، والطفلة هند عوكل ذات العام الواحد التي ماتت هي وأختها ماري في حضن أمهما؟عالم يغرق من حولنا، ليس العالم كله بل عالمنا نحن، وسائر العوالم تتفرج علينا…. تتفرج علي قتلنا ودمارنا وتشريد أطفالنا وإحراق بيوتنا.ترتفع يد إمرأة جنوبية في وجه الكاميرا ترفض التصوير، تصرخ ما بدنا نكون فرجة للعالم….صورتونا كتير وما في نتيجة . مبكية كانت حركات المرأة، موجع صوتها حد العطب، وحد تفتق الروح.ونظل نحن في حرقة العجز عن الحركة، والعجز عن الفعل….هذه هي بلادنا التي لا يمكن التنبؤ كيف سيكون الغد فيها.بدأت الحرب بحجة أسيرين رقمين لا نعرف عنهما سوي أنهما جنديان إسرائيليان . ومقابل هذين الرقمين بل مقابل كل رقم منهما هناك مئات من القتلي والجرحي وآلاف المشردين من منازلهم والنازحين عن قراهم. ايمان التي انجبت طفلها في اليوم الأول من الحرب ثم نزحت عن قريتها الجنوبية الي بيروت سكنت هي وطفلها الرضيع في مدرسة، أما أم خليل فهي أم لخمس بنات وصبي واحد وقد هجرت من عيترون الي بيروت هي التي لا تعرف أحدا تلجأ اليه سكنت حديقــــــة عامة ونامت هي وبناتها في العراء، لكن أم جاندارك المرأة السبعــــــينية رفضت مغادرة المربع الأمني في الضاحية الجنوبية، وبقـيت مع جارتها أم حسين في مربع الخراب حيث الجثث الساخنة تحت الركام، أم جاندارك لا تهتم وتعلن أنها صامدة في بيتها إذ لا مكان تذهب إليه.أما زينب فاخوري في صور فقد ظلت عشرة أيام تحت الأنقاض وعجزت فرق الدفاع المدني عن إنقاذها، وفي الوقت الذي صعدت فيه روحها الي السماء ظل جسدها معلقا بين السماء والأرض.كيف من الممكن مقاومة هذه الذاكرة، كيف سننسي الأجساد والأسماء والوجوه التي عرفناها، طفل ضل الطريق الي أمه، وأم تبحث عن أطفالها، وامرأة تطلب المساعدة لزوجها المشلول…..؟وكيف سننسي المنازل الخمسة التي هدمت علي رأس قاطنيها في عين عرب ، أم أطفال النميرية الذين ظنوا أنهم بمنأي عن طائرات القصف الاسرائيلية فإذا بها ترميهم بصواريخ خلال لعبهم في الملجأ مع رفاق لهم؟هل من الممكن أن تعود حياتنا الي ما كانت عليه قبل الحرب، وأن نتحرر من سلطة قناة الجزيرة، ومن قلقنا علي وليد العمري وكاتيا وعباس ناصر وبشري عبد الصمد، هؤلاء الذين أصبحوا جزءا رئيسيا من يومنا ووقتنا؟قبل انتهاء الاسبوع الثالث صار نصف لبنان مدمرا، ونصف أهله لاجئين ومشردين، غادر البلد من استطاع مغادرتها، ومن بقي صار مهددا بالموت والتشوه وفي أحسن الأحوال بالجوع والأوبئة.أما أطفال لبنان فإنهم وجع آخر لن ينتهي، ماذا ستذكر الطفلة آلاء ذات السبعة أعوام عن طفولتها وهي تحكي أمام عدسات الكاميرا كيف تهدم منزلهم، وكيف هربوا من القصف؟ بأي المساعدات ستتمكن الدول التي ترسل معوناتها إلغاء العنف من ذاكرة الطفولة؟هل المساعدات المادية هي التي يحتاجها الأطفال حقا لسلامتهم؟ هل يكفي الحليب والخبز لزرع الأمان في قلوبهم؟ينبغي علينا الاعتراف لأنفسنا أن ما حصل خلال الأسابيع الماضية هو الذاكرة الباقية الندبة النارية التي محت كل ما قبلها، وكما لو أنها وصلت حربا بحرب، وذاكرة وجع سابقة بذاكرة نعيشها الان، كأن العمر الذي مضــي قبل هذه الحرب كان خيالا وهما، وكأن حقيقـــــتنا الوحيدة وقدرنا ملاحق بحروب ومجازر تنتهي لتبدأ غيرها.كاتبة من لبنان0