«امرأة وطفل»… امرأة تواجه ظلم النظام الذكوري الإيراني

كان – «القدس العربي» : في فيلمه الجديد «امرأة وطفل»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته الثامنة والسبعين، يعود المخرج الإيراني سعيد روستائي إلى الساحة السينمائية بقوة لافتة، مؤكدا قدرته على التقاط تفاصيل الألم الأنثوي، تحت وطأة مجتمع محافظ، دون الوقوع في فخ التكرار أو الابتذال.
لا يكتفي الفيلم بطرح قصة مؤثرة، بل يقدّم أداءً استثنائياً من بطلته باريناز إيزاديار، التي ترسم ببراعة رحلة مرور «مهناز» بضغوط الحياة اليومية إلى أعماق المأساة الشخصية، ثم محاولتها النهوض من جديد. منذ المشاهد الأولى، يرسم روستائي، مخرج «ليلى وأخواتها» الذي حظي باحتفاء نقدي واسع وعرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان أيضاً عام 2022، عالماً تختلط فيه المسؤوليات الاجتماعية بالأعباء العاطفية. تعمل مهناز ممرضة في مستشفى، وهي أم لطفلين، وتعيش في بيت والدتها بعد وفاة زوجها الأول. تحاول التوفيق بين دورها كأم، خصوصاً في التعامل مع ابنها المشاغب علييار، وعلاقتها العاطفية الجديدة مع المسعف حميد، الذي يخطط لطلب يدها شرط ألا يكون الأطفال في منزل والديها، في اليوم الذي تزور فيه عائلته أسرتها لطلب يدها.
هنا يبدأ الفيلم في تفكيك شبكة التنازلات التي تضطر المرأة الإيرانية إلى تقديمها في سبيل أن تحظى بقبول ورضا مجتمع محافظ لا يرحم، حيث تتحول الأمومة إلى عبء يجب إخفاؤه عن أسرة الخاطب الجديد، وتتحول العاطفة إلى ورقة تفاوض اجتماعي. وهنا يتوجب علينا التركيز على علييار، فهو ليس مجرد صبي مشاغب أو مراهق متمرد. هو صبي ذكي متفوق دراسيا، لكنه في الوقت ذاته يمارس التنمر، ويتزعم شبكة للمراهنات في مدرسته والمدرسة المجاورة، ويجيد تسلق الجدران والفرار من الصف والمدرسة، ويذيق مدرسيه الأمرين. يكاد علييار أيضا أن يتسبب في حادث تدافع في المدرسة، بعد أن عبث في القفل الذي يغلق بوابتها، ويعاقب إثر ذلك بالإيقاف عن حضور المدرسة لمدة أسبوع، ما يضاعف الضغوط على والدته.

شخصية علييار لا تُستخدم فقط لتوليد التوتر، بل أيضاً لتسليط الضوء على هشاشة النظام التربوي، وتناقضات الأسرة، وخوف الأم من المستقبل. إيزاديار، في تجسيدها لردود فعل مهناز تجاه سلوك ابنها، تكاد تقارب الانهيار العصبي، فتبكي وتصرخ وتنهار، لكن دائماً بطبقة جديدة من الإحساس، دون تكرار أو افتعال. ولكن علييار أيضا صبي محب لأمه وأخته وخالته وجدته، يتحمل الجميع طيشه وتهوره، وتحاول أمه دوما احتواءه. وتمضي الأيام ومهناز تحاول أن تكون أماً صالحة، وممرضة تمارس عملها بجدية، وحبيبة تحاول أن تحظى برضا حبيبها حتى يأتي لخطبتها. ولكن في منتصف الفيلم تتداعى الحياة التي رسمتها مهناز لنفسها، وتسقط من يديها الخيوط التي كانت تحافظ بها عن رضا المجتمع الذكوري عنها. تواجه مهناز مأساة مدوية، تجمع بين الفقد والخيانة، فتنهار كل محاولاتها لمسايرة الأعراف التي تحكم المجتمع الإيراني الذكوري المحافظ، الذي يعطي كل الحقوق للرجال بينما يضيق كل التضييق على المرأة. هنا، يبدأ التحول الدرامي الحقيقي في الفيلم، حيث تتغير نظرة مهناز لنفسها، وتعيد تقييم علاقاتها مع من حولها.
في النصف الثاني من الفيلم، يتركز السرد داخل بيت عائلي تسيطر عليه ثلاث نساء: مهناز، والدتها، وشقيقتها الصغرى، مهري. العلاقات بينهن تتراوح بين التواطؤ والصدام، لكنها مبنية كلها على إدراك ضمني، أن قواعد الحياة تُكتب لصالح الرجال. ومع أن هذه الشخصيات لا تحظى بحجم التركيز نفسه، فإن كل واحدة منهن تمثل وجهاً من أوجه التعايش مع القهر، سواء بالصمت، أو الغضب، أو المهادنة.
الوالدة، التي تلعب دورها فرشته صدر عرفائي، تكاد تخطف الأضواء في أحد المشاهد الهاتفية، التي تتحول فيها مجاملة اجتماعية إلى انفجار من الغضب الأمومي. أما مهري وابنة مهناز الصغيرة ندى، فتظلان في الهامش. يقارب الفيلم أحياناً الميلودراما، خصوصاُ مع توالي المصائب على البطلة، لكن روستائي ينجح في تحقيق الاتزان وإبقاء الفيلم في مساره.
«امرأة وطفل» ليس فيلماً عن التغلب على الأحزان والفجائع، أو النهوض بعد مأساة تزلزل الكيان، بل عن الفقد والتخبط الذي يليه. يطرح الفيلم سؤالاً وجودياً، ألا وهو، هل يمكن أن نجد معنى في ما تبقى بعد انهيار الحلم وفقد الأعزاء؟
يخرج الفيلم كصرخة مكتومة في وجه منظومة اجتماعية تستهلك النساء وتُلزمهن بالقواعد، دون أن تمنحهن الحقوق أو الحماية. ما يمنح الفيلم زخمه وتأثيره ليس فقط قوة التمثيل، بل قدرته على جعل المأساة خصوصية وحميمية، كأنها حدث شخصي لكل من يشاهده. «امرأة وطفل» فيلم مؤلم، لكنه مهم، يعكس كيف تتحول الحياة اليومية إلى ساحة نضال خفي، تخوضه النساء وحدهن دون معين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية