امريكا الفاشلة تبحث الاستعانة بصديق: جديد الاستراتيجية يلحق بقديمها

حجم الخط
0

امريكا الفاشلة تبحث الاستعانة بصديق: جديد الاستراتيجية يلحق بقديمها

سامي لطيفامريكا الفاشلة تبحث الاستعانة بصديق: جديد الاستراتيجية يلحق بقديمها قال الدبلوماسي الامريكي المخضرم جورج كينان وهو يلحظ حالة التعبئة التي بداتها الادارة الامريكية في 2002 لشن حرب علي العراق: كل من درس تاريخ الدبلوماسية الامريكية، خاصة الدبلوماسية العسكرية، يعرف انك قد تبدأ الحرب باشياء في راسك كمبرر لما تفعله، ولكن في النهاية تجد نفسك تحارب من اجل اشياء مختلفة لم تفكر بها سابقاً، بكلمات اخري، ان للحرب منطقها الخاص، وهي تحملك بعيداً عن كل مقاصدك التي فكرت بها حين بدأت الحرب .ہ ہ ہفي شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي، كان لافتاً اللقاء الذي جمع الآنسة كوندي بوزراء الخليج الستة اضافة لوزيري خارجية مصر والاردن، كان الاجتماع ترجمانا للمأزق الامريكي يشبه ما قد نراه في سلسلة برامج المسابقات العالمية التي يتحري فيها المتسابقون، جني الملايين فيصطدمون باسئلة لا يملكون الاجابة عنها فيسمح لهم بالاستعانة بصديق عبر الاثير، عله يملك مساعدتهم، كانت كوندي في الخليج تبحث الاستعانة بصديق بعد ان فشلت ادارتها وفشل رئيسها فشلاً ذريعاً في الوطن العربي، وفي العراق، وبعد ان انعكس ذلك الفشل سلباً علي وضع الادارة والرئيس داخل الولايات المتحدة، الي حد رفض النخبة والراي العام معاً للسياسة الامريكية، وتعبيرهما عن ذلك الرفض بوسائل وصور شتي، وقد نستعرض ملامح الفشل الامريكي وانعكاساته داخل الولايات المتحدة بدءا من الاستطلاع الذي اجرته الشبكة الاخبارية المرئية العالمية (بي بي سي) بين اكثر من 26 الف شخص في 25 دولة من بينها الولايات المتحدة والذي نعرض في هذا المقال لاحقاً بعض نتائجه علي الصعيد الدولي، ولكننا نستهل عرض هذه النتائج من داخل الولايات المتحدة، حيث اظهر الاستطلاع ان 75% من الامريكيين يرفضون سياسة حكومتهم تجاه العراق، وان 56% منهم يطالبون حكومتهم بسحب كل قواتها من هناك قبل نهاية العام الجاري.. المزاج الشعبي الامريكي تحول جذريا ضد سياسة بوش في العراق، كما اظهرت نتائج التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس، وكما اظهرت وتظهر نتائج الاستطلاعات المتتالية لسبر الآراء، كان هذا المزاج الشعبي نفسه يؤيد الحرب وذهاب الجنود الامريكيين الي العراق، وربما كان من المفيد هنا ان نستشهد باغاني الريف الامريكي التي تعكس موسيقاها وكلماتها ذلك المزاج العام، ففـي ذكري مـرور عـامين علــي 11/9/2001 وقف احد اكثر المغنين المحترفين لموسيقي الريف الامريكي شعبية (دارل وورلي) يؤدي اغنية تحريضية كان مما جاء فيها: هل نسيتم كيف كان شعورنا ذلك اليوم ..ان نري بلدنا تحت النار..واهلها يتناثرون بعيدا..هل نسيتم .وفي المؤتمر السنوي لاغاني الريف الذي انعقد في اواخر السنة الماضية في مدينة نيويورك، دارل وورلي نفسه يغني لحبيبته اغنية يقول مطلعها: لم اعد نفس ذلك الولد الطيب الكبير الاول..الذي ذهبتي معه الي اماكن كثيرة من قبل..فقد عدت لتوي من الحرب .وثمة مغن شعبي شهير وكبير آخر في امريكا هو ميل هاجارد ، نال شهرته من تخصصه في تسفيه اراء معارضي الحرب الامريكية علي فيتنام، كان يبدأ حفلاته بـ: بارك الله الجيش..بارك الله حريتنا .تحول ميل هاجارد الي النقيض تماما، ويغني الآن: دعونا نخرج من العراق..لنضع انفسنا علي المسار الصحيح..دعونا نعيد اولا بناء امريكا .وفي اغنية اخري يقول: لماذا لا نقوم بتحرير الولايات المتحدة..نحن الاولي وبحاجة ماسة لذلك .هذه نماذج احببت من وراء الاستشهاد بها التدليل علي مصداقية الاستفتاءات والاستطلاعات، التي تجريها الشبكات المتخصصة، في سبر اغوار المزاج الشعبي العام داخل الولايات المتحدة، هذا علي صعيد الراي العام، اما علي صعيد النخبة الامريكية فان التحول طاغ بدوره علي مواقفها من تطبيقات وممارسات وسياسات الادارة الامريكية.نبدأ من نعوم تشومسكي المفكر الاجتماعي السياسي، الذي عنون كتابه الاخير الصادر قبل بضعة اشهر بـ الدولة الفاشلة ، لقد وجد تشومسكي ان امريكا هي نموذج صارخ للدولة الفاشلة، لانها تطبق المعايير المزدوجة وتتحدث بلسانين، اولهما اخلاقي عن قيم الحرية والعدالة والمساواة، والثاني براغماتي انتهازي يمارس العنف المفرط ويشن الحروب غير المبررة اخلاقياً، ويرتكب الفظائع والجرائم والمذابح باسم قيم الحرية والديمقراطية، وهي فاشلة لانها بفعل هذه الازدواجية والانتهازية تجلب للشعب الامريكي عداوات الآخرين وكراهيتهم، ومن ثم تعرض الامن القومي الامريكي للاعتداء والدمار وتستفز الآخرين لمقابلة عنفها بعنفهم..المفكر الاستراتيجي الامريكي زبغنيو بريجنسكي يعبر عن رؤيته لفشل بلاده في ظل ادارتها الراهنة، فيتوقع علي المستوي الشامل انه: كما اخرجت حرب السويس 56، بريطانيا وفرنسا من المنطقة، فان حرب العراق الحالية ستخرج امريكا ونفوذها منها ، ويعلق علي خطة بوش الجديدة في اعقاب تقرير بيكر/ هاملتون.: خطة بوش تجاوزها الزمن كونها تظهر امريكا قوة استعمارية في العراق في حين ان عصر الاستعمار قد انتهي .المحلل الاستراتيجي ورئيس مجلس العلاقات الخارجية الامريكي ريتشارد هاس، كتب في دراسة اخيرة له: ان عهد الهيمنة الامريكية في الشرق الاوسط قد انتهي، وقد بدأ عهد جديد في التاريخ المعاصر ليس امام واشنطن فيه، سوي ان تعتمد علي الدبلوماسية بدلاً من القوة العسكرية، حيث ان الطريقة التي ذهبت بها امريكا الي العراق وما فعلته في اعقاب ذهابها الي هناك هو ما اضعف امريكا في المنطقة .وربما كان بوسع الادارة البوشية التذرع بالاسباب المحلية للصراع في الوطن العربي، لو ان فشلها اقتصر علي سياستها فيه، ولكن الفشل في السياسة الخارجية للولايات المتحدة عام، وفيما يلي نعرض لنماذج محددة:* امريكا اللاتينية التي طالما لعبت فيها الشركات الامريكية الاحتكارية الي حد انها كانت تدير انقلاباتها، وتحدد من يحكم ومن يقبع في السجون، شركات تصدير الموز والسكر في الاكوادور وغواتمالا وشركة الترام الشهيرة بدورها في الارجنتين قديما، وشركة البرق والبريد والهاتف، التي مولت الانقلاب الفاشي ضد سلفادور اللندي في تشيلي، امريكا اللاتينية التي كانت واشنطن تعتبرها حديقتها الخلفية تمردت جماعيا علي الولايات المتحدة، والقلائل الّذين لم يتمردوا من اهل اليمين ينزعون الي الاستقلال بصورة متزايدة، والي التعبير عن ارادتهم المنفصلة الحرة عن الارادة الامريكية، بما في ذلك المكسيك اقرب الموالين لواشنطن في امريكا اللاتينية.* في قمة بوسان الاخيرة لدول آسيا/المحيط الهادي اعلنت الدولة المضيفة والحليفة لواشنطن تقليدياً، كوريا الجنوبية، عزمها تخفيض تواجدها العسكري في العراق تمهيداً للانسحاب النهائي منه ..* في قمة شنغهاي الآسيوية الاخيرة والتي يقودها محور روسي ـ صيني، تقدمت القمة بطلب الي واشنطن لتحديد جدول زمني لسحب قواتها من آسيا الوسطي، وفي خط مواز طالبت اوزبكستان واشنطن باخلاء قاعدتها التي كانت قد نصبتها في اراضيها ابان الحرب علي افغانستان، وترافق الطلب الاوزبكي مع توقيع معاهدة للتعاون العسكري مع روسيا..* التصريحات الاخيرة لفلاديمير بوتين امام وزراء دفاع اوروبا والاطلنطي، والتي دشن فيها حربا باردة جديدة مع امريكا، بهجومه الحاد علي الدور الامريكي في العالم، ملبساً الولايات المتحدة ثوب الشيطان- بالميثالوجيا الروسية لا الاسلامية- ومتمرداً علي احادية القطبية التي تريد واشنطن تكريسها مصيراً لهذا العالم، وهي التصريحات التي شكلت صدمة للرئيس الامريكي الذي طالما عبر عن اعتزازه بصداقته الشخصية للرئيس الروسي، وحرص دائما علي اضفاء الطابع الشخصي علي علاقتهما، فكان يحرص علي استضافته دائما في مزرعته بكراوفورد – تكساس، عبرت تصريحات بوتين عن المتغير في الفهم الاستراتيجي الروسي للمأزق الامريكي في العالم .. * اعلان طوني بلير عن جدول زمني للانسحاب من العراق، وفي اتجاه مخالف للاتجاه الامريكي الذاهب الي تعزيز تواجده العسكري هناك، سحب 1500 جندي من الجنوب العراقي، وهو اجراء بقدر ما يعبر عن حجم المأزق الداخلي لحليف بوش الاول في لندن، فانه يعبر كذلك عن محاولة بريطانية متاخرة، بان تنأي لندن بنفسها عن ورطة واشنطن، علي الاقل ذلك ما يشير اليه توقيت الاعلان البريطاني، خصوصاً، وقد تبلورت اتجاهات الراي العام، والمنظومات والفعاليات الحزبية والاعلامية والمجتمعية والدينية في بريطانيا، باتجاه واحد ضاغط علي بلير ورافض للاستمرار في المشاركة بالجريمة الامريكية في العراق، وهي موجة مكتسحة تفعل فعلها حتي داخل صفوف حزب العمال نفسه، بدليل تصريحات غوردن براون المنقلبة علي بلير في الشأن العراقي، وكانت تجليات كثيرة للروح الاستقلالية والنزعة الشعبية المعارضة لسياسات الحكومة البريطانية، قد سبقت الي الظهور في الموقف من الكيان الصهيوني وممارسته ضد الفلسطينيين، ابرز مثالين علي ذلك منظمة كفي (اناف) البريطانية التي تاسست نهاية الشهر الماضي وتضم نواباً ووزراء سابقين ونخبة فكرية وسياسية واكاديمية وفنية من قيادات مجتمعية بريطانية، هدفها الاساسي الضغط من اجل ايجاد حل عادل للصراع العربي الصهيوني، والمثال الآخر هو منظمة اصوات يهودية مستقلة التي تاسست في بريطانيا ايضاً من قيادات يهودية، ترفض سياسات التوسع الصهيوني وعمليات الاستيطان والقتل الاسرائيلية وتعمل علي وضع حد للاستهتار الذي يمارسه الساسة الصهاينة بالقيم الانسانية، والذي ادي عند قادة المنظمة الي الاضرار بسمعة اليهود حول العالم، وأرسي نظرة جديدة اليهم تشبههم بالنازيين ومن ثم افرز بالتالي مواقف عدائية تجاههم، حيثما وجدوا..* ونعود الي استطلاع الراي الذي اجرته شبكة (بي بي سي) الاخبارية العالمية، والذي اشرنا الي نتائجه انفا في الولايات المتحدة، حيث اظهرت نتائج الاستطلاع في 24 دولة اخري تنامي الرفض الشعبي العالمي للسياسات الامريكية في انحاء الكوكب، الاستطلاع كما اشرنا شمل 26 الف شخص، يتوزعون علي فرنسا والمانيا وبريطانيا والمجر وايطاليا وبولندا والبرتغال وروسيا والصين والهند وكوريا الجنوبية واندونيسيا وتركيا واستراليا والبرازيل والارجنتين وشيلي وكينيا والفلبين ومصر ولبنان والامارات والمكسيك ونيجيريا، اضافة الي الولايات المتحدة كما ذكرنا، وقد اظهرت نتائج ذلك الاستطلاع ان 73% ممن شاركوا فيه يعارضون التدخل الامريكي في العراق، وان 76% يرفضون اقامة معسكر الاعتقال في غوانتنامو، واحتجاز افراد آخرين داخل السجون الامريكية، 65% يرفضون الموقف الامريكي من مسألة الاحتباس الحراري ورفع درجة حرارة الارض 60% يرفضون الموقف الامريكي من ايران وبرنامجها النووي، 54% يرفضون الموقف الامريكي من كوريا الشمالية.المفارقة الحادة هنا ان الامريكيين هم اكثر الناس في العالم استياء من الرئيس وادارته، ويعبر اكثر من ثلثيهم عن ذلك، ولكن بوش يبدو في واد آخر، فهو قد وقف في خطاب حالة الاتحاد شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، ليحدثهم عن الفارق بين الارهاب السني والارهاب الشيعي، الامر الذي استدعي تعليقا غاضبا،ً من نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الامريكي: للاسف .. الرئيس لا يصغي لاكبر هموم الشعب .ومن المؤسف ان عنصر الضغط الرئيسي علي الولايات المتحدة لتغيير سياساتها في الوطن العربي والعالم، ليس – حتي الآن ـ عنصرا محليا عربيا، رسميا وشعبيا، وانما العنصر الرئيسي هو ادراك الامريكيين عموما والديمقراطيين خصوصا، بل وبعض الجمهوريين ان بلدهم قد اختطفته عصابة المحافظين الجدد مند 11 ايلول (سبتمبر) 2001، اولئك الذين احتلوا البيت الابيض والبنتاغون والكابيتول ومجلس الامن القومي، وقاموا بارتكاب سياسات احرجت واشنطن وافشلتها، هذا الادراك في واقع الامر ما زال هو العنصر الرئيسي الضاغط والعناصر الاخري مساعدة فقط، والوجه السلبي لهذه الحقيقة نزوع بوش وادارته الي المحاولة الدؤوبة لاقناع الامريكيين اولا بان امريكا لا يمكن ان تنهزم، مستثيرا فيهم الوازع القومي، ومقنعا اياهم بانه الوحيد القادر علي تحقيق المصالح الاستراتيجية لبلدهم في العالم، وفريق الرئيس يعطي فكرة واضحة عن طريقة تفكيره، فالآنسة كوندي تقوم نظريتها علي ان الضغط المستمر علي الفلسطينيين واللبنانيين علي سبيل المثال، هو ما سيصل بهم في النهاية الي حيث تريد امريكا، ومن ورائها الكيان الصهيوني، وبان غلق باب المفاوضات مع السوريين والايرانيين سيجر هذين الطرفين الي المزيد من التنازلات التي تلح عليها واشنطن، وفي هذا الصدد نذكر ما قاله ارون ديفيد ميلر في 19/1/2007: عملت مستشارا لوزراء خارجية امريكا من شولتز الي باول، وكنت خبيرا في المفاوضات العربية ـ الاسرائيلية، كدت اقع عن الكرسي حين قرات ان رايس تقول ان الدبلوماسية لا تعني عقد الصفقات .!اما نيغربونتي النائب الحالي للآنسة كوندي، فهو المتنقل بين عالمي المخابرات والدبلوماسية، من منسق لـ14 جهاز استخبارات في امريكا الي سفير واشنطن في بغداد الي موقعه الحالي، وهو شخص يفكر بعقلية اسفرت عن تشكيل فرق الموت عندما كان سفيرا في بغداد، وهي تجربة سبق ومارسها عندما كان سفيرا لبلاده في امريكا الوسطي في الثمانينات واشرف علي تشكيل العصابات اليمينية المتطرفة المسلحة التي اختطفت وقتلت الآلاف هناك..واما روبرت غيتس المتنقل بين العمل الاكاديمي والعمل الامني والعمل السياسي العسكري، فهو الرجل الذي كان قد وضع في العام 1985 خطة كي تغزو مصر ليبيا ابان عمله في وكالة المخابرات المركزية، وهو الذي دبر محاولة اغتيال وتصفية المرجع الديني محمد حسين فضل الله بقصف منزله في بئر العبد ببيروت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ايضا، وهو الذي يقود اليوم ميدانياً المحاولة الامريكية الاخيرة للسيطرة علي العراق، وتشي تعييناته لبدائل تومي فرانكس وجون ابي زيد بنوايا واشنطن للتصعيد العسكري ضد ايران..هذه النماذج وغيرها في فريق بوش الحالي، هي التي ورثت ريتشارد بيرل وبول وولفوويتز وسواهما من الفاشلين الاوائل، كان بول وولفوويتز الرئيس الحالي للمصرف الدولي، هو الذي نظّر عقب 11/9/2001 لاجتياح العراق، وعبّر عن ذلك بانه ومن معه يرون عراق ما بعد صدام: مجتمعا علمانيا متوسط الطبقة غنيا بالنفط متحضرا علي الطريقة الغربية يحل كحليف سياسي لامريكا في الخليج، محل اوثوقراطية السعودية، بما يسمح بانسحاب القوات الامريكية من المملكة، ويحول ايران الي جارة معتدلة تسحب دعمها لحزب الله وحماس، وتعزل سورية وتقلل الضغوط علي اسرائيل . رؤية انجيلية تنبؤية شاملة تصبو لاعادة تشكيل العالم بدءاً من الوطن العربي، ربما كان اوضح من عبّر عنها صراحة كريستوفر ديموث رئيس معهد اميركان انتربرايز للدراسات، وهو المعهد الذي يفرخ دائما غلاة الفكر اليميني المحافظ ذوي الميول الصهيونية الواضحة، تحدث جنبلاط امامه في حلقة نقاش قبل ايام في زيارته الحالية لواشنطن، حيث اجتمع مع الرئيس بوش ومستشار الامن القومي ووزيري الدفاع والخارجية.لقـد جمع ديموث عقب 11/9/2001 مجموعة كبيرة من الاكاديميين الامريكيين، والقي عليهم دراسة له عنوانها دلتا الارهاب ، خلص في نهايتها الي ان علي الولايات المتحدة، ان تكون مستعدة لخوض معركة ضد الاسلام تستغرق جيلين كي تستمر في موقعها كقطب اعظم اوحد في العالم..ان المنطق ذاته لا يزال سائداً اذن رغم الاخفاق والفشل الذريع، منطق اللجوء الي القوة المفرطة في التعاطي مع جغرافية التوتر في الواقع العربي والاسلامي، ولا يريد الرئيس بوش ان يتزحزح عنه، وهو مصمم علي فلسفتيه: الحروب الاستباقية والفوضي الخلاقة، وهو وادارته مقتنعان تماما انه اذا لم تفلح الحروب المباشرة في ايصال امريكا الي حيث يريد، فان الحروب الاهلية هي الحل الوحيد، وان الفوضي التي تنشأ عنها ستخلق اوضاعا تيسر لامريكا الاحتواء واعادة انتاج السيطرة، ونماذج هذا المنطق وتطبيقاته جلية في افغانستان والعراق ولبنان وفلسطين واخيرا في الصومال..ولا يهتم الرئيس بوش وادارته كثيرا بحقيقة انهم حفنة من الفاشلين، بدليل تعامله مع تقرير بيكر/ هاملتون، ففي هذا التقرير قال الاثنان في معرض التقويم ان الجيش الامريكي يقوم بمهام كثيرة مقارنة بحجمه، ورتبا علي ذلك دعوة الي تقليص تدريجي للقوات والاستعداد للانسحاب، واوصيا بالتفاوض مع جاري العراق ايران وسورية، بوش لم ينس ان يشكرهما، ثم جاء بعضو اللجنة التي وضعت التقرير روبرت غيتس وعينه خلفا لرامسفيلد ثم كلفه بفعل عكس ما جاء بالتقرير تماما، زيادة عدد القوات الامريكية في العراق بـ21 الفا وتحريك قطع الاسطول الخامس الي الخليج لزيادة الضغط علي ايران عسكريا، وعزفت الآنسة كوندي لحنها القديم مجددا: لا تفاوض مع سورية، وفيما يتعلق بايران فان الامر يشبه ما يجري في السيرك، بهلوان يقفز ويقفز ويقول انه لن يقع، والمتفرجون في الاسفل يحبسون انفاسهم في انتظار وقوعه، لم يبق مسؤول امريكي الا وصرح بان امريكا لن تلجأ الي الخيار العسكري، ولم يبق مسؤول امريكي الا وصرح بان واشنطن قد تلجأ الي الخيار العسكري ضد ايران، في نهاية المطاف وتحشد الدبلوماسية الامريكية اوروبا واليابان وبعض الاصدقاء العرب ضد ايران وضد سورية معا لاحكام الحصار والمقاطعة، وتؤدي بعض الابواق الصهــــيونية العربية دورها بلا خجل فاحمد الجارالله يبشر يوم 14/1/2007 في صحيفته السياسة الكويتية ان الضربة الامريكية ستكون ماحقة لايران في نيسان (ابريل) المقبل، ووليد جنبلاط ينتهز الذكري السنوية الثانية لاغتيال رفيق الحريري ليسب من وراء الزجاج المضاد للرصاص الرئيس السوري، ثم يدعو من واشنطن الي مساعدته عسكريا لتحرير لبنان من الاحتلال الســـوري غير المباشر علي حد وصفه.. فالواضح اذن ان الفشل الامريكي في الوطن العربي لم يزد الادارة الامريكية الا اصراراً علي الهروب الي الامام، وان الانقلاب الداخلي في المزاجين النخبوي والشعبي في امريكا ضد الرئيس وادارته وسياساته، قد اورثه المزيد من العناد فيما تبقي من ولايته، وفيما يرجح بعض المحللين ذلك الي غباء الرئيس وآخرين الي ايديولوجيته وآخرين الي الاعتبارات الحزبية، حيث يريد ان يورث الديمقراطيين مسؤولية اعلان الهزيمة في العراق اذا ما جاء رئيس منهم في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 فان محللين آخرين يرون ان التفسير الفعلي لمسلك ادارة الرئيس بوش هو الحالة الاقتصادية، وان اسبابا تتعلق بالنفط اساسا هي التي تقف وراء ذلك المسلك..تنتج امريكا – كما هو معروف – 6 ملايين برميل وتستهلك اكثر من 20 مليون برميل يوميا، فهي تستورد كل صباح 14 مليون برميل، وبهذه الوتيرة وبحسابات الزيادة المطردة في الاستهلاك، فان مراكز الابحاث وتقارير خبراء الطاقة تتوقع ان ينفذ الاحتياطي الامريكي بالكامل في مدي اقصاه 11 عاما من الآن، اي بحلول عام 2018، لتصبح امريكا في ذلك الوقت معتمدة كليا علي استيراد النفط، وفي تلك السنة او بعدها بعام تقريبا سينفد الاحتياطي الصيني والمكسيكي، في حين من المتوقع ان ينتهي الاحتياطي الروسي عام 2023، والدول التي سيبقي لديها احتياطي مهم آنذاك هي دول الخليج وليبيا وفنزويلا، اما ايران فلديها مشكلة عويصة، يقول الخبير الاستراتيجي الامريكي روجر ستيرن من جامعة جون هوبكنز الامريكية، ان انتاجها يقل سنويا بشكل مطرد بمعدل يتراوح بين 10 ـ 12% وستصل الي النقطة الميتة بحلول 2015، ومشكلتها هي في تجديد وصيانة آبارها سنويا وتحويل حقولها غير المنتجة بعد الي منتجة، وهذا يتطلب استثمارات مالية هائلة لا تستطيع توفيرها بسبب الضغوط الامريكية علي الوضع الدولي، لقد لجأت امريكا الي تهديد الصين، اذا استمرت في تمويل مشروع بارس الشمالي لحقول الغاز بكلفة 16 مليار دولار، وافلحت الضغوط الامريكية في نكوص شركة انبيكس اليابانية، عن تنفيذ مشروع استثمار حقل ازاديغان النفطي الساحلي الضخم، ومؤخرا جمدت اليابان اصول عشر شركات ايرانية، هناك اذن تناقص في القدرة علي الانتاج وزيادة في الاستهلاك، قد يدفع اقتصاد ايران الذي يعتمد 80% منه علي الصادرات النفطية الي الزاوية الحرجة، فامريكا تريد من حكومة نجاد المحاصرة ان تلجأ الي خيار رفع الدعم عن استهلاك البنزين ومواد التدفئة، بحيث ينزل الملايين ممن انتخبوه في منتصف 2005 الي الشارع لاسقاطه، ومن ثم احداث الفوضي العارمة التي قد تطيح بالنظام، اما النظام الايراني فهو يحاول سبق الزمن باعتماد الخيار النووي السلمي لتوفير الطاقة الكهربائية، بما يوفر كميات اضافية ضخمة من النفط للتصدير، تتأتي منها المبالغ الاضافية التي تحتاجها طهران لاعادة تجديد البنية التحتية للاقتصاد النفطي اي آبار النفط والغاز.. علي خط مواز تماما تعمل امريكا علي النفط العراقي، ثمة شركة استشارية امريكية اسمها بيرينغ بوينت اوفدت ممثلا لها الي بغداد للعمل ضمن طاقم السفارة الامريكية في العراق بتكليف مباشر من الادارة، هذه الشركة اعدت مشروع قانون اسمته اتفاق تقاسم الانتاج يجري التمهيد الآن لابرامه مع حكومة المالكي، وبموجب اتفاق تقاسم الانتاج هذا تسمح تلك الاخيرة لاحتكارات نفطية امريكية وبريطانية، اكسون وشيفرون في امريكا وبريتش بتروليوم في بريطانيا وشل في بريطانيا وهولندا بصفة خاصة باستخدام النفط العراقي لمدة 30 عاما بحيث تسترجع تلك الاحتكارات سنويا ما انفقته علي صيانة وتطوير الحقول العراقية مضافا اليها نسبة 20% من العائدات، ويذهب الباقي الي الحكومة العراقية، وهذا يعني حصول الشركات الامريكية والغربية علي ما بين 60 ـ 70% من العائدات النفطية العراقية كل عام، والموضوع افردت له صحيفة اندبندنت البريطانية صدر صفحتها الاولي يوم 7-1-2007 وقالت الصحيفة ان مسودة الاتفاق قد تم تبادلها بين شركات نفطية غربية في تموز (يوليو) 2006 سراً، كما افردت قناة الجزيرة برنامجا خاصا حول مشروع تقاسم الانتاج بث مساء الجمعة 23/2/2007.فالنفط اذن هو المحرك الرئيسي والموجه الفعلي لمضمون السياسة الامريكية في الوطن العربي، ويؤكد ذلك شواهد كثيرة، اذكر منها ما قاله: لورنس ليندساي المستشار السابق للرئيس بوش للشؤون الاقتصادية صراحة: ان النفط هو الهدف الرئيسي للمساعي الامريكية لشن هجوم عسكري علي العراق الذي يملك 115 مليار برميل احتياطي نفطي مؤكد و11% من الاحتياطي العالمي ومن المهم لامريكا التحكم بسعر النفط، وفي مرحلة لاحقة ما ستريد امريكا رفع اسعار النفط للاضرار بمصالح منافسيها الاقتصاديين الرئيسيين: الصين واليابان واوروبا وكوريا الجنوبية الذين هم ايضا كبار مستوردي النفط في العالم . كان هذا الكلام قد قيل في 2003، اما وزير الطاقة الامريكي الاسبق جون هارنجتون فكان قد اعلن عام 1987 ان العراق يمتلك احتياطيا يفوق الاحتياطي السعودي، لهذا يمكن فهم جواب الآنسة كوندي امام لجنة استماع فـي الكونغرس يوم 21/12/2006، عندما قالت: العراق يستحق الاستثمار بالارواح والدولارات الامريكية .هذه الادارة تريد اذن امن الكيان الصهيوني والنفط، وتريد ان يحل النفط العراقي محل النفط السعودي، وتريد ايضا شن الحروب لتحقيق ذلك كله بالاصالة وبالوكالة وفي المقابل تبيعنا، او تريد ان تبيعنا كلاما حلوا عن الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان، قالوا لنا ان ازاحة الرئيس الشهيد صدام حسين ستأتي الي المنطقة بالاستقرار، فقد اعدموه فأين الاستقرار؟وقالوا لنا ان ازاحة الرئيس الشهيد ياسر عرفات ستاتي الي المنطقة بالسلام فاين السلام؟ وقالت لنا ادارة بوش ان حملتها مند 2003 تهدف الي نشر الديمقراطية في البلاد العربية فاين هي الديمقراطية؟كاننا حفنة من البلهاء والسذج والقاصرين المفترض ان يصدقوا كل ما يقال لهم عن انفسهم، وعن نوايا الآخرين تجاههم، لدينا ابو غريب، ولدينا في المقابل آلاف التصريحات الرسمية الامريكية عن الحرية والسلام والاستقرار، لدينا قانا ولدينا مقابلها عشرات آلاف الكلمات الامريكية والاسرائيلية عن الديمقراطية في الشرق الاوسط الجديد والازدهار الذي سنعيشه في ظل تفوق الآلة العسكرية الاسرائيلية التي تستمد ذكاءها من القنابل الامريكية الذكية الجاهزة دائما للتصدير الي الكيان الصهيوني عبر المطارات الاوروبية!غير ان الفشل الامريكي علي صعيد التفكير والخطاب وعلي صعيد التخطيط والتطبيق، يتنامي في كل المجالات، والعالم فضلا عن وطننا العربي يشهد ارهاصات قوية تنبيء بمتغيرات هائلة، ان ذلك الفشل يتضمن بذرة ولادة عالم جديد متعدد القطبية، عالم اكثر توازنا في المصالح بين فضاءات وتكتلات متعددة المرامي والاهداف، ابرزها فيما يبدو حتي الآن الصين واوروبا، ولكن اليابان قادمة بقوة للعب دور اكبر، وكذلك روسيا والهند وامريكا اللاتينية، وهناك فضاء هائل في آسيا يتشكل اليوم، تباشير ذلك كله واضحة ومقروءة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علي العرب هو هل هم جاهزون للاستفادة من المتغيرات الدولية الآتية؟ هل اعدوا العدة ليكونوا قوة مؤثرة اقليمياً وعالمياً يحسب لها حساب وتتم مراعاتها من قبل تلك الفضاءات والتكتلات التي تتبلور اليوم وستظهر غداً؟هل حسموا خياراتهم في القضايا الرئيسية التي تتعلق بوجودهم وامنهم وتقدمهم والتي تتضمنها ملفات الصراع العربي ـ الصهيوني والنفط والطاقة والمياه والمستوي التنظيمي والهيكلي لارتباطاتهم كأمة ببعضهم البعض؟اسئلة تحتاج الي اجوبة، والاجوبة معروفة سلفا ولكن من يتقدم الي الاجابة؟! ہ كاتب وباحث سياسي من ليبيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية