احد المخضرمين في السياسة الإسرائيلية واحد كتاب الأعمدة في الصحف الإسرائيلية كتب في ‘معاريف’ الإسرائيلية يقول أمريكا تخلت عن الشرق الأوسط لصالح تركيا وإيران، السؤال الذي يطرح ما هو مدى صدق هذا الكاتب؟
حينما أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو مبدأه عام 1823 والقاضي بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربية ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم او التدخل في تقرير مصيرهم، وأشار مبدأ مونرو إلى أن الأوروبيين الأمريكيين لا يجوز اعتبارهم رعايا مستعمرات لأي قوى أوروبية في المستقبل، هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تسمح بتكوين مستعمرات جديدة في الأمريكتين بالإضافة إلى عدم السماح للمستعمرات التي كانت قائمة بالتوسع في حدودها. تلك اللحظة من عمر أمريكا حيث كانت في طور التأسيس وبقيت حتى الحرب العالمية الأولى وبعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وذاب الثلج وبان المرج تقدم جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي بخطة اعادة بناء رأس المال في أوروبا عموما، وكان الهدف من ذلك هو حصر المد الثوري خاصة في فرنسا وايطاليا من اجل السيطرة على رأس المال في كل من هذين البلدين، وكان رد فعل الرأس المال الأمريكي هو التصدي الفوري لتلك المقاومة وجماهيرها، والهدف هو الحيلولة دون خروج تلك الدول من شبكة العلاقات الرأسمالية فإذا طلقت أمريكا الشرق الأوسط فهذا يعني انها شرعت كرها في النزول من القمة، لا ننكر أن العاصفة الاقتصادية التي ألمت بها لم تؤثر بها، بالإضافة إلى وضعها الحرج في العراق وأفغانستان وقرار اوباما الأخير بسحب قواته من أفغانستان هذا يعتبر حسب العلم السياسي أن أمريكا بدأت تعيد حساباتها تماما في الإستراتيجية الخارجية لها، والعودة إلى مبدأ الانطواء مؤقتا، حسب مبدأ مونرو أي لا يوجد في العقل الباطني الأمريكي نية لترك الشرق الأوسط خاصة والعالم عامة، فهي تهرول باتجاه المحافظة على القطب الواحد، لا يوجد عقل يستوعب خروج أمريكا من الشرق الأوسط وتركها لإيران وتركيا، صحيح ان ثمة تنافسا كبيرا بين إيران وتركيا من جهة وأمريكا من جهة أخرى، بالإضافة الى شدة التنافس بين إيران وتركيا، فمثلا أنقرة رغم وجود خلاف حسب الدستور التركي بين الحكومة والجيش فهذا لا يفسر بأي حال من الأحوال بشيء في حال تعرض البلد لاي عدوان او محاولة لتقويض انجازاته الاقتصادية والسياسية، خصوصا بعد انخفاض معدل التضخم فيه، حيث اشارت الإحصائيات الى هبوط معدل التضخم التركي ليصل الى 70′ ما بين عامي 2002 و2008 لقد وصلت صادرات تركيا عام 2000 إلى 28 مليار دولار وفي عام 2008 الى 131 مليار دولار، فثمة تنبؤ بان يزداد هذا الدخل ويتجاوز مئتي مليار في الأعوام القادمة، ويعتمد ذلك على الهدوء في المنطقة، خصوصا بوابة تركيا إلى العالم العربي (سورية). لا يخفى على المشاهد ان هنالك تنافسا شديدا في منطقة الشرق الأوسط بين ايران وتركيا، وتوجد وشائج بين البلدين من حيث الحدود ومشكلة الاكراد فترى طهران في تحريك هذا الملف لتسخين الجبهة التركية الداخلية وتدرك تركيا مدى هذه الخطورة، لدرجة انها ايقنت ان روحها في الكفة الايرانية مما دفع بالوزير احمد داوود اوغلو وزير خارجية تركيا ليطير الى طهران، والتباحث في هذه المسألة حتى اللحظة في العلاقات التركية الايرانية على ما يرام بدءا من عام 1926 حتى يومنا هذا ففي نفس العام وقع البلدان في طهران معاهدة صداقة تنص على عدم الاعتداء، بالاضافة الى القيام بعمليات عسكرية مشتركة، كما دخل البلدان عام 1955 في حلف بغداد، فكان هذا مؤشرا يعتبر جديدا على تقارب إيران وتركيا تحت السقف الدولي، خلاصة القول ان هنالك مهابة تركية من إيران تعود أصولها إلى عام 1514، حيث قضى الأتراك على الحركة الصفوية الذي كانت تبغي وقتا لنشر المذهب الشيعي في العالم العربي والإسلامي، وفي العقل الباطني للأتراك قناعة تامة ان لإيران اليد الطولى فيما يجري في فلسطين على صعيد ملف المصالحة، وفي لبنان من تأثيرات إيرانية في تشكيل الحكومة، أي انه لا يمكن القول إن السياسة الخارجية التركية تتماهى تماما مع المصالح الإيرانية، فإيران كانت تتابع بقلق شديد ما تقوم به تركيا من وساطات بين سورية واسرائيل، إيران متخوفة من نية تركيا إقصاءها عن بعض الأهداف الإستراتيجية بالمنطقة، أما موقف تركيا من السلاح النووي الإيراني، وقد جاء على لسان رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان في كلمة له في الولايات المتحدة الأمريكية قبل سنتين قائلا: انه ليس من العدل ان تمتلكوا انتم، في رسالة إلى الغرب، مئات الأسلحة النووية بينما تقولون لإيران لا تفعلي ذلك. هذا الموقف التركي قد يمكنها من لعب الدور الوسيط بين إيران وأمريكا ولكن تبقى العلاقة بين البلدين في حالة من عدم الاستقرار لأسباب منها تنافس كل من البلدين على بسط نفوذه في الشرق الأوسط وإعادة أحلامه التي اندثرت منذ مئات السنين.
فتحي احمد