امريكا تحتفي سينمائياً بتاريخ النضال من أجل حقوق الإنسان وتتجاهله واقعياً

حجم الخط
0

بيروت- ‘القدس العربي’ ـ من يارا بدر: يعرض الفيلم الأمريكي ‘THE BUTLER’ لتاريخ حركة الحقوق المدنية في امريكا، التي ناضل فيها جزء كبير من المجتمع الأمريكي- الأمريكيون سود البشرة- لنيل حقوقهم المدنية، ومساواتهم الكاملة بالجزء الآخر من المجتمع. البارز أنّ هذا الفيلم الذي احتفى به الرئيس الأميركي ‘باراك أوباما’ وأبكاه لم يكن الشريط السينمائي الوحيد الذي نافس بقوّة في شباك التذاكر وجوائز أكاديمية العلوم السينمائية ‘الأوسكار’ لعام 2013، إذ وفي حين خرج الفيلم خالي الوفاض من الجوائز وحتى ترشيحاتها، فقد نال فيلم ’12 عاماً من العبودية’ الجائزة الكُبرى باختياره ‘أفضل فيلم’ لعام 2013، بالإضافة إلى جوائز أفضل ممثلة مساعدة- ‘لوبيتا نيونج’، وأفضل نص سينمائي مُقتبس- ‘جون ريدلي’.
قصة ‘THE BUTLER’ مستوحاة من مقال للكاتب ‘ويل هايجود’ نشره في صحيفة ‘واشنطن بوست’ عام 2008، وتحدث فيه عن كبير خدم البيت الأبيض، الذي عاصر ثمان رؤوساء أمريكيين خلال سنوات عمله (1957 1986)، توفي في العام 2010 عن عمر يناهز 90 عاماً.
وقد لعب دور كبير الخدم الممثل ‘فوريست ويتيكر’ و’أوبرا وينفري’ بدور زوجته.
*- النضال غير العلني والنضال المُواجِهْ
الفيلم في الواقع يتجاوز المستوى الأوّلي لعرض سيرة ذاتية، يبني قوّته الدراميّة من الصراع الدائر بين ‘سيسيل’ وابنه الكبير ‘لويس’، باعتباره صراعاً دراميّاً بين أسلوبين في التفكير والحياة للنضال من أجل الحقوق المدنية للسود في امريكا.
هما- إن صحّ القول- مساران نضاليان. أوّلهما النضال الثوري الذي يختار المواجهة العلنية والمباشرة مع الآخر، يُمثّله ‘لويس’. انضم ‘لويس’ إلى حركة ‘مارتن لوثر كينغ- 15 كانون الثاني 1929/ 4 نيسان 1968’ بداية ثمّ ‘الفهود السود’. أمّا المسار الثاني فهو النضال طويل المدى بطيء الأثر، الذي لا يُعلن أي شكل من أشكال المواجهة المُباشرة، ويُمثّله ‘سيسيل’. في الفيلم، يشرح ‘مارتن لوثر كينغ’ لزميله ‘لويس’ أنّ: (السود الأهليين يرفضون الأحكام العُنصرية بكونهم عُمّال مُجدّين وجديرين بالثقة. يقوم العامل المُجِد الأسود بتحطيم الحقد العنصري ببطئ بمثاله على عامل أخلاقي قوي وشخصية جليلة. الآن بجعلنا كبير الخدم أو الخادمة يُصبحون مُطيعين بالكثير من الطرق فهم مُتابعين، بدون أن يدركوا ذلك حتى).
يذهب الفيلم إلى مباشرة ضعيفة كأسلوب سرد، ومونتاج، وإخراج، بعرض تطبيقي مُباشر، إذ أنّ المشهد التالي لهذا الخطاب- وهو الوحيد الذي يعرضه الفيلم من تاريخ ‘كينغ’ الخطابي- يكون ل’سيسيل’ يحاور مديره المباشر بشأن مساواة الموظفين السود في البيت الأبيض من حيث الأجور وسلم الترقيات بنظرائهم البيض.
‘سيسيل’ الذي يرفض أن يسأل رئيس الولايات المتحدة وهو يعمل في خدمته طوال اليوم إن كان ابنه على قيد الحياة أم لا، لم يتوقف- بحسب الفيلم- عن المطالبة بحقوقه كعامل، طوال ما يزيد عن العقد من الزمن، إلى أن نالها أخيراً هو وزملاءه من الموظفين السود وكان ذلك في عهد الرئيس ‘رونالد ريغان’.
أمّا ذروة الصراع الدرامي فتكون على مائدة عشاء العائلة، حين يُعبّر ‘سيسيل’ عن إعجابه الكبير بالممثل الأسود ‘سيدني بواتييه 1927’، وبكونه أوّل ممثل أسود في تاريخ الأكاديمية ينال جائزة ‘الأوسكار’ كأفضل ممثل (1964- عن دوره في فيلم ‘زنابق الحقل’) مُضيفاً أنّ ‘بواتييه’ بهذا: (يكسر الحواجز لنا جميعاً)، فيرد ابنه ‘لويس’ الذي انضمّ إلى حركة ‘الفهود السود’ بأنّ هذا حدث لأنّ ‘بواتييه’:
(By Being white. By acting white).
*- السلميّة والعنف: من يُحدّد شكل الصراع؟
يذكر الكثيرون خطاب ‘مارتن لوثر كينغ’ الشهير ‘عندي حلم’ الذي ألقاه أمام نصب ‘لنكولن’ التذكاري في 28 آب 1963 أمام قرابة ربع مليون شخص. ويقول فيها: (بهذا الإيمان سنكون قادرين على العمل معاً والصلاة معاً والكفاح معاً والدخول إلى السجون معاً والوقوف من أجل الحرية معاً عارفين بأننا سنكون أحراراً يوماً ما). في هذا الخطاب طالب ‘مارتن لوثر كينغ’ بحق السود في الانتخاب.
آنذاك ردّ الرئيس الأمريكي ‘جون كيندي 29 أيار 1917/ 22 تشرين الأول 1963’ على خطاب المناضل السلمي الحقوقي المدني بخطابٍ لا يقلّ أثرّاً أخلاقياً، ولكن أُريد له أن يتم تجاهله. في خطابه المُتلفز إلى الشعب الأمريكي يقول ‘جون كيندي’ في 11 حزيران 1963: (لقد أُسسّت هذه الأمة بسواعد رجال من أمم وثقافات مختلفة. وقامت على مبدأ المساواة بين جميع البشر، وأنّ حقوق الجماعة تتلاشى إذا تعرضت حقوق الفرد للتهديد. ونحن اليوم ملتزمون بالمشاركة في كفاح عالمي لدعم حقوق كل من يرغب في الحرية وحمايتها. كما يجب تمكين المواطنين الأمريكيين بمختلف ألوانهم من التسجيل للإدلاء بأصواتهم في انتخابات حرة دون أي تدخل أو خوف من التعرض للانتقام. باختصار، يجب تمكين كل أمريكي من التمتع بامتيازات جنسيته الأمريكية دون النظر إلى عرقه أو لونه).
لم يتأخر الرد على خطاب ‘كيندي’ ومواقفه، فكان اغتياله الذي اتهمت بتنفيذه أطراف عديدة، منها المخابرات الأمريكية ذاتها. أمّا الرد على اغتيال المناضل الحقوقي ‘كينغ’ فكان بأن تأخرت الحركة الحقوقية المدنية السلميّة في مسيرتها في امريكا. وظهرت الحركات الأكثر عُنفيّة ومن أبرزها حركة ‘الفهود السود’: (نحن لن نُضرَب بعد الآن) كما يرد على لسان ‘لويس’ في الفيلم.
*- السينما حين تهرب من واقعها الهش إلى الماضي المؤلم
يقول ‘جورج كلوني’ في معرض عرضه فيلمه السياسي ‘ليلة طيبة وحظاً سعيداً- 2006’: (…إننا في امريكا، في هذا المجتمع الحُر والمنفتح، نصاب بالهلع كل فترة، ونعرّض تلك المبادئ للخطر والمُساءلة).
على ضوء هذه المقولة يمكننا فهم الإنتاجية التي أوصلت فيلمان يناقشان ذات الموضوع إلى مصاف الأفلام الأولى في إنتاجات هوليوود لعام 2013. عام شهد تراجعاً كبيراً لدور السياسة الأمريكية الخارجية، مع استمرار أزماتها الداخلية من انتشار للأسلحة والعنف بين التلاميذ، ومشاكل في المؤسسة التعليمية ومعضلة الضمان الصحي التي كان الرئيس ‘أوباما’ وعد جمهور حملته الانتخابية الأولى بالعمل عليها ولم ينجح في إحراز تقدّم كبير، بالإضافة إلى العديد من القضايا الأخرى التي لا تقل أهميّة.
يذكر الرئيس الذي حقق ‘الحلم الأميركي’، وأكدّ بفوزه بمنصب الرئاسة كأوّل رئيس غير أبيض يقود امريكا، يذكر في خطاب فوزه الذي يعرض الفيلم مقطعاً منه. بأنّ (امريكا لا تزال أرض الأحلام). إلاّ أنّ الرئيس المُسالم، تخاذل أو تغاضى خلال سنوات حكمه – ست سنوات تقريباً إلى اليوم- عن حق الآخرين من شعوب العالم بالتمتع بالحرية والكرامة والمساواة التامة في الحقوق الإنسانية، واكتفى بإصدار بيانات إنشائية لم تنعكس بأي فاعلية تجاه الكثير من القضايا العالمية، لعلّ أبرزها القضية السورية التي اُعتبرت بحسب الأمم المتحدة أسوأ كارثة إنسانية في بداية القرن الحادي والعشرين.
ربما يفيدنا جميعاً أن نتذكر ما قاله الرئيس الأميركي ‘جون كيندي’ في خطابه المُشار إليه:
(نحن بصدد تغييّر عظيم، ومهمتنا وواجبنا أن نجعل هذه الثورة وهذا التغيير سلميًا وبنّاءً للجميع. إنّ من يقفون مكتوفي الأيدي لا يجلبون العار فحسب، بل العنف أيضًا. ومن يتصرفون بجرأة لا يعترفون بالحق فحسب، بل بالواقع أيضًا).
إنّ التغاضي عن الحقيقة في كلام ‘كيندي’ آنذاك كلّفت امريكا ليلة من العنف الدامي، كما استسلام مسيرة النضال المدني الحقوقي طوال سنوات لاحقة لموجة العنف الذي أطاح بقائدها. إنّ استمرار التغاضي، في الداخل السوري وفي المستوى العالمي، كلّف العالم ثمانية ملايين مُهجّر في سوريا، ومئات آلاف المعتقلين، وأكثر من مئة وخمسون ألف قتيل. وإن نجحت السينما الأمريكية في سرقت الجمهور الأميركي إلى انتصارات ‘الحلم الأمريكي’ ممثلة برئاسة ‘أوباما’ فإنّ هذه السينما نفسها امتلكت من الولاء لمهنيتها ما كفاها أن ترجّح كفّة ’12 سنة عبودية’ بمشاهده الأقسى. فهل تمتلك الرئاسة أينما كانت، وفي أيّ بلدٍ كان، ما يكفي من الإيمان والقوّة لأن تبني واقعاً أفضل، واقعاً هو حقيقة بدوره مهما تمّ التغاضي عنها.
(عندي حلم بأنه في يوم ما ستنهض هذه الأمة وتعيش المعني الحقيقي لعقيدتها الوطنية بأنّ كل الناس خلقوا سواسية)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية