امريكا تمنح اسرائيل تقاعدا مبكرا.. وربما الى الأبد

حجم الخط
1

لا تمتلك الدولة العابرة اي مقـــــومات حقيقيــــة لتكون دولة على ارض الواقع لها تلك الديمومة التي تمتلكها دول اخرى من مساحة جغرافية ومصادر ثروات طبيعية وجمهور متجانس وحدود تاريخية قديمة، يعرفها الجوار جيدا ويحترمها، وثقافة اصيلة يفتخر ويتمسك بها كل مواطنوهـــــا والأهم ما تمتلك من الاثار القومية التي تميزها كأمة، فلو قال شخص انا مـــــن بلد الاهرامات في اي نقطة على سطح الارض لعرف انه مصري ولو قال رجل اخر انا من بلد الكعبة الشريفة لعُرف انه عربي مسلم من مكة، فمن اطلق مصطلح الكيان الصهيوني على اسرائيل كان محق تماما، فمـــــا كان وجــــود اسرائيل الا رأس حربة متقدما ومكانا استراتيجيا مهما لمن كانوا وقتها يفكرون بعقلية الاستعمار العسكري المباشر.
ان اول استخدام سيء لها (اسرائيل) من الغرب كان عام 1956عندما طلب الغرب منها الهجوم على مصر انتقاما من تأميم قناة السويس، وهي لم تفعل ذلك الا بشروطها واهم تلك الشروط زيادة المساعدات العسكرية. ولما فشل العدوان الثلاثي على مصر ظل الغرب يخطط لاذلال المنتصر جمال عبد الناصر وهيأ لذلك عن طريق منح اسرائيل دعما ماديا وعسكريا غير محدود مما نجم عنه تضخم اسرائيل وتبعته حرب حزيران واصبحت بذلك اسرائيل مسخًرة لحساب الغرب في مواجهة الأمة العربية وليس عبد الناصر وحده.
توالت المتغيرات واهمها ان كل الدول العربية غدت تابعة للغرب وتحديدا امريكا، وباتت هذه التبعية عميقة جدا لوجود قناعة تامة لدى الزعماء العرب ان بقاءهم مرتهن بهذه العلاقة، فحتى عندما احتلت امريكا العراق حاربت جميع الدول العربية معها ولم تحتج اميركا لاستخدام اسرائيل في تلك الحرب وبقيت اسرائيل مثل لاعب احتياط خلف خط التماس وكل املها ان يقال ولو اسميا انها اشتركت بالحرب، في حين ان امريكا كانت تعرف انها لن تسمح حتى بإدراج اسم اسرائيل مع لاعبي الاحتياط المسجلين على قائمة اللاعبين.
لقد ادركت اميركا ان اشراك اسرائيل بهكذا حرب يجعلها تفرض على امريكا ما تشاء واكثر. وادركت امريكا ان اسرائيل بمثابة ‘فأر لعين’ لا حدود لطموحاته، ففي عام 56 تحول الى ‘قط’ وفي 67 تحول الى ‘نمر’ وبعدها في 73 صار ‘اسدا وله انياب نووية’ وباتت اسرائيل تنافس امريكا في الإقتصاد والسياسة ولعبة النفوذ ويتحدث زعماؤها بعجرفة كقادة لدولة عظيمة عملاقة حتى مع الرؤساء الامريكان انفسهم بدءا من كلنتون ووصولا الى اوباما.
ادركت امريكا، في ظل الاوضاع العربية، ان الإعتماد على اسرائيل في خلخلة الوضع العربي اصبح من ادوات الماضي المكلفة، ولأن الوضع العربي باكمله ايل للسقوط – مهما حاول الصمود والمكابرة في ظل صراع مذهبي عميق الجذور باتت له الارضية الخصبة مع صعود ايران النفطية الغنية على مسرح الصراع المدمر – وان الدور الحالي الذي تلعبه ايران لطالما تمناه الغرب واميركا منذ عقود، واستثمر به الروس والصينيون وفق قواعد لعبة الدول الصناعية القائمة على مبدأ اي دمار وخراب في الشرق الاوسط عاملا حيويا ومهما في استمرار صناعتهم وتدفق الاموال من تجارة السلاح واعادة الاعمار في الدول المدمرة.
هذه العقليات التي تسوس بلادها وبلاد جوارها في الشرق الاوسط هي بمثابة كنز الدول الصناعية الذي لايقدر بثمن. اسرائيل تكذب عندما تدعي خوفها من ايران ان غدت نووية وهي تدرك بقرارة نفسها انها ليست من اولويات ايران ربما لقرنين من الزمان ولكن اسرائيل لا تريد لإيران ان تقوى عسكريا كي لا تكون منافستها الوحيدة على مزبلة الشرق الاوسط الغني في كل شيء تحت الارض من النفط والمعادن الثمينة. اسرائيل كعادتها تريد من الامريكان ان يقشروا لها الموز ويتكلفوا حصاد الفستق وتقديمه لها على طبق من ذهب.
الامريكيون ليسوا منزعجين من قوة ايران فهم يعرفون متى يأخذون كل شيء من طهران وحتى يدمروها بدون ان يطلقوا طلقة واحدة عليها وكل ما سيفعلونه هو وضعها في مواجة مدمرة مع السعودية وحلفائها،مع تزويد الطرفين بما يؤمن اكبر قدر من الدمار وكذلك بات يفعل الروس والصينيون. ونجح الامريكان في تجنيب اسرائيل نار النزاعات الابدية في الشرق الاوسطبعد ان منحت الفسطينيين شبه دولة على شبه سيادة على شبه حدود هم موجودون فيها ضمن هذا الشبه.
ولكن لا يبدو ان اسرائيل راضية عن الاداء الامريكي في حمايتها من اعداء ليس لهم وجود الا في خيالها المريض والمتضخم لشعورها ان امريكا لن تقدم لها اي مساعدات مالية كتلك السنوية والمقدرة بعشرة مليارات دولار لاعتبارين: الاول حاجة امريكا لهذه الاموال، والثاني ان اسرائيل لا يواجهها اي خطر بالمحيط المتهالك حولها، ناهيك عن فقدانها دور المؤدب للمشاكسين العرب في زمن اصبح به العرب مؤدبين اكثر من اللازم، بل طوع اليد الامريكية اكثر من اسرائيل نفسها لدرجة ان جون كيري وزير خارجية امريكا بات يهددها بانتفاضة ثالثة وهو ما لم يفعله اي من قادة عرب او فلسطينيين.
اسرائيل تعرف نفسها جيدا فهي كيان غاصب لا تقوى الا بالحروب ولا تستطيع الاستمرار بدون حروب حتى لو لم يحاربها احد، فهي ستشعل حربا – وهذا قد يكون خطأها القاتل الذي يؤول بها الى زوال ان لم تجد الحساب في زمن صراع المال وعلاقات الدول العملاقة وتحاصص الصناعيين الكبار، ولا يبدو انها باتت تجيد الحساب فمن فقد دوره الأساسي عليه ان يخرج من الحلبة بأدب والا وجد من يخرجه منها عنوة، لكن ليس سليما اطلاقا.. وربما الى الابد.
امين الكلح
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية