امسك إخواني.. والقرار الصائب لوزير الإعلام المصري!

حجم الخط
0

سليم عزوز

ليس بيني وبين وزير الإعلام المصري انس الفقي خلاف علي الميراث، ولهذا فان نقدي لتتويج الفشل للتلفزيون المصري في عهده لا يمنعني من ان أقول له: أحسنت، اذا احسن، وقد احسن إلا قليلا باختياره للإعلامي أسامة الشيخ رئيسا لقطاع القنوات المتخصصة، وهو الاختيار الذي فتح الباب للقيل والقال، لان الرجل من خارج المبني، وقد جري العرف علي ان التصعيد للمناصب العليا يكون للمحظوظين من العاملين فيه، ومن الذين يسمعون ويطيعون، ولو كان من تم تصعيده ثور الله في برسيمه.

هناك من يطلقون علي أسامة الشيخ لقب (صانع الفضائيات)، فقد ساهم في تأسيس قنوات الايه ار تي، ودريم، والرأي الكويتية، وكتبت من قبل مطالبا بالاستعانة به للنهوض بتلفزيوننا المريض والميئوس من شفائه، الي درجة أنني طالبت بإطلاق رصاصة الرحمة عليه، إيمانا مني بان وقوع البلاء خير من انتظاره، حيث يتم إنفاق ملايين الجنيهات من دم الشعب المصري، ليكون المنتج علي هذا النحو الذي لا يسر عدوا ولا حبيبا.

ومن هنا فان اختيار أسامة الشيخ يمكن ان يساهم في إحداث المعجزة، ويكون سببا في ان تدب الروح في هذا المريض، اذا كان اختياره يأتي في إطار سياسة، وكان خطوة لها ما بعدها، من خلال اختيار شخصيات أخري بمعيار الكفاءة، ولا يهم بعد ذلك ان كانت من داخل المبني ام من خارجه، فليس كل من بالخارج هم الأفضل، وليس صحيحا أن كل من بالداخل هم من نوعية رئيسة قناة النيل للأخبار، او قناة مصر الإخبارية (لا اعرف الاسم الذي استقروا عليه)!. ان عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار بالتلفزيون، تم جلبه من خارج المبني، ومع هذا فقد حول القطاع الي إدارة للعلاقات العامة للجنة السياسات بالحزب الحاكم، التي يتزعمها جمال مبارك، ربما لانه يطمع ان يزيد، وربما لان اختياره رئيسا للقطاع فتح شهيته علي منصب وزير الإعلام، وقد شاهدته مؤخرا علي الشاشة يدير لقاء بين مبارك الابن وشباب الجامعات، فقلت في عقل بالي: (فاضل علي الحلو زقة)!. ولا اعتراض لي علي هذا الطموح الجارف للسيد رئيس القطاع، فقط فان ما أريده اذا تحقق المراد هو (الحلاوة)، ذلك بأن اعتراضي الوحيد منصب علي عملية التسخير التي يقوم بها من اجل تحقيق هذا المراد، لان التلفزيون المصري، الأصل والفصل فيه انه مملوك للشعب، ويتم الإنفاق عليه من لحم الحي، ومن اموال دافعي الضرائب، وليس من تبرعات خالد الذكر احمد عز أمين التنظيم في الحزب الحاكم!. عمرو عبد السميع أيضا من خارج مبني التلفزيون (ماسبيرو)، وقد تم جلبه ليقدم برنامج (حالة حوار)، وظنوا انهم سيستطيعون به ان يأتوا بالريادة الإعلامية من ذيلها، وهو حريص علي ان يتقرب للحزب الحاكم، وللجنة السياسات، بالنوافل، وعليه فهو يرش بالنار من يرش النظام الحاكم بالماء، وبلغ من شدة نضاله لاثبات الحب العذري، انه قدم خدمات جليلة لاعداء السلطة، فيكفي ان يهاجم شخصا او حزبا او تنظيما حتي يلتف الناس من حوله، وهو صاحب أيادي بيضاء علي جماعة الإخوان المسلمين لان تسخير برنامجه للنيل منهم، كان سببا في احتشاد الناس وراء مرشحيهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وهو ما دفع بالمتآمرين للقول ان المرشد العام الشيخ مهدي عاكف اتفق معه علي هذه الخطة، فلو انفق ما في الأرض جميعا، ما استطاع ان يحقق للجماعة ما حققه لها هجوم برنامج عمرو عبد السميع من أنصار، وهو البرنامج الذي يحرص علي إخفاء وجهة النظر الأخري، وكل ضيوفه يرقصون علي لحن واحد، ويتكلمون لغة واحدة، مع اختلاف طبقة الصوت.

الذي يهمنا ان يكون الاختيار مرده للكفاءة، وأسامة الشيخ من هؤلاء الذين يتمتعون بالاستقامة المهنية، والذين اثبتوا وجودهم خارج تلفزيون البلاد المفدي، وصارت أسماؤهم علامة تجارية، والقائمة تبدأ بصلاح نجم ولا تنتهي به، وهو مؤسس (الجزيرة)، ويؤسس الان تلفزيون (البي بي سي)، والذي قيل انه سيبث إرساله في نوفمبر المقبل، والي حين إشعار آخر!

احراج الكتاب الاكابر! عقب تولي أسامة مهام منصبه بأيام كرئيس لقطاع قنوات النيل المتخصصة، حدثت مشكلة كانت معالجته لها دليلا علي انه قرر ان يكون نفسه، ولم يتسبب المنصب في ان يفقد جزءا من عقله. فقد استضافت قناة (النيل الثقافية) في برنامج (الدفاتر القديمة) أحد الكتاب، والذي حدث له تحول اخر العمر، ومن أقصي اليسار الي أقصي اليمين، ومن صفوف المعارضة الي خندق الحكومة، وانقلب علي أفكاره ومواقفه، ومشكلته انه لا يريد ان يعترف بأنه انتقل او انقلب او تحول، ومشكلته الأكبر ان البرنامج تم إسناد إعداده للصحافي الشاب والنابه عمر عبد العزيز الشحات، فقرأ كتب الرجل وكتاباته قبل وبعد تغيير المسار، واحتشد لانه سيواجه كاتب (عُقر). وجاءت الحلقة عنيفة وحادة، ارتفع بها سقف الحرية في المحطة الحكومية للسماء، وتم السماح للمشاهدين بالتدخل وتوجيه النقد بحرية، الأمر الذي أزعج الضيف، وقد عبر عن غضبه، وربما كان له عذره فهو مع اهل الحكم، والنيل الثقافية ليست قناة الجزيرة، ولكنها ضمن ترسانة المحطات التلفزيونية التي تهيمن عليها الحكومة المصرية وتديرها وزارة الإعلام، ولهذا فربما قبل الدعوة لانه تصور انهم سيقيمون له حفلة تكريم، فوجد محاكمة مهنية وعنيفة، ووجد معدا جاهزا بالمعلومات، ومذيعة مستوعبة للأوراق التي في يدها هي هند القاضي.

لقد هدد الضيف وتوعد، وأرغي وأزبد، واتصل هاتفيا عقب انتهاء البرنامج مباشرة بوزير الإعلام شاكيا المعد الذي قال انه من الإخوان، ولطاقم البرنامج الذي قال انهم استعانوا بمعلومات ضده من موقع (إخوان اون لاين)، لا أظن ان الإخوان منشغلون به، ولكن وكما استقر العرف انك اذا أردت في مصر ان تجعل خصمك يأخذ (علقة) من كل المارين في الشارع، لم يأخذها حمار ـ ولا مؤاخذة ـ في مطلع، فناد: امسك حرامي، فقد استقر الحال في حوار المثقفين اذا أردت ان تخرس صاحب وجهة نظر مخالفة فقل: امسك إخواني!

في الظروف العادية فان الإجراء الطبيعي هو ان يتم الاستغناء عن خدمات المعد، والحاق المذيعة بعمل إداري، وربما شلح رئيس القناة الذي ترك قناته لمجموعة من الشبان يحرجون الكتاب الأكابر، لكن الذي جري ان الوزير أحال الملف الي المسؤول المختص أسامة الشيخ باعتبار ان قناة النيل الثقافية ضمن مجموعة القنوات المتخصصة، والذي استدعي بدوره المعد الشاب لزيارته في مكتبه، وربما خشي من ان يكون استدعاؤه سببا لإزعاجه، والحال كذلك، والتهمة عنيفة، والغاضب ليس بالشخص الهين، وفوجئ عمر عبد العزيز بمن يطلبه علي هاتفه النقال، واذا بالطالب يخبره بان اسمه أسامة الشيخ، (لو قلبنا الاسم ليصبح الشيخ أسامة لقالت كونداليز رايس انها تشعر بالقلق لتوليه منصبا كهذا)، ويقول له انه شاهد الحلقة وانه اعجب بها، وان عليه الا يقلق من الاستدعاء!. في مكتبه أشاد الشيخ مرة أخري بمستوي الحلقة، وطلب من الشحات ان يعمل بحرية، ووعد انه لن يبخل علي البرنامج بأي دعم يحتاجون إليه!. هل انا في حلم ام في علم؟!

احسن الا قليلا عموما فان الذي يجعلني امسك عن الإفراط في التفاؤل، هو ما قلته في السطور الأولي لهذه الزاوية من ان الوزير احسن الا قليلا، بقرار تعيين أسامة الشيخ رئيسا لقطاع قنوات النيل المتخصصة، فالقطاع مترهل، وهو يضم ترسانة من القنوات، ما امكن حصره منها هو إحدي عشرة قناة، والخشية من ان يبدد الرجل طاقاته ذات اليمين وذات الشمال، وكم سيكون افضل لو تم تعيينه رئيسا لقناة واحدة، بدلا من عملية تبديد الجهد علي كل هذه القنوات. والنهوض بها مرة واحدة يحتاج لمعجزة من السماء!

لقد بدأت قناة النيل للأخبار بإدارة (عرفية) للإعلامي حسن حامد، لان السيدة حرمه سميحة دحروج كانت هي رئيستها علي الورق، وكانت بدايتها مبشرة، ثم جاءت بداية الانهيار عندما تم تنصيبه رئيسا لقطاع القنوات المتخصصة، فتاه في دروب القطاع، وخرج ولم يعد، ولم يتم العثور عليه الا بعد ان خرج علي التقاعد، فقد ترك قناة الأخبار لزوجته والفشل، وغرق في (ماء البطيخ) بمنصبه الجديد. بالطبع فلن يعرف قدر أمه الا من يتعامل مع زوجة أبيه، وما وصلت اليه القناة الان، والقاع الذي استقرت فيه القناة الإخبارية، في ظل رئيستها الحالية، جعلنا نتحسر علي ايام الست سميحة!. قلت ان اختيار أسامة الشيخ رئيسا للقطاع سالف الذكر فتح الباب للقيل والقال، فقد تنبأ البعض – لانه من خارج المبني – بان هذه هي بداية خصخصة الإعلام الرسمي في مصر، وان البداية ستكون بقطاع القنوات المتخصصة، وهو امر مستبعد من وجهة نظري، فالأنظمة الشمولية يمكن ان تضحي بشعوبها، لكن لا يمكن ان تفرط في إعلامها بسهولة، وعلي الرغم من ان بيع القطاع العام صار سياسة وهدفا في مصر، وغاية في حد ذاته، و يتم في كثير من الأحيان بأقل من القيمة الحقيقية، وبتراب الفلوس، الا ان قطار البيع لن يصل للإعلام، لان معني هذا ان يفرط النظام في ممتلكاته الشخصية، علي العكس من المصانع والشركات التي تعد ممتلكات الشعب!. ولا يُقبل عقلا ان لا يمنح القوم الرخصة القانونية بإنشاء القنوات الخاصة الا للصفوة المختارة، ولرجال الأعمال المقربين، وبمحاذير دقيقة، ثم يبيعون القنوات المملوكة لهم لمن يملك القدرة علي ان يدفع اكثر، ثم من الأبله ابن البلهاء الذي يبدد أمواله في شراء العظام وهي رميم؟!

اختيار المرازي ان اختيار أسامة الشيخ خطوة في الاتجاه الصحيح، نتمني ان تتبعها خطوات أخري، فيفاجئنا وزير الإعلام المصري انس الفقي بتعيين مذيع قناة الجزيرة السابق حافظ المرازي رئيسا لقناة النيل للأخبار، بعد ان اختلف مع صاحب قناة الحياة المصرية قبل ان تولد، ربما لان حافظ يريدها قناة تلفزيونية، واصحاب راس المال يبغون فتح (كشك سجائر)، ومن حكم في ماله فما ظلم. وإذا كان قرار مثل هذا صعب علي الفقي ان يتخذه، ربما لانه ليس صفوت الشريف وزير الإعلام الأسبق، الذي كان يتصرف في التلفزيون تصرف المالك فيما يملك، فنتمني ان نشاهد حافظ مقدم برنامج تتوفر له كل الإمكانيات المادية للنجاح، فليس مطلوبا من كل مقدمي البرامج في التلفزيون المصري ان يكونوا من العاملين لدي فضيلة المرشد العام، وينحصر دورهم في توريد الأنصار والناخبين للجماعة المحظورة!. من يدري؟!

ہ كاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية