عادل الحامدي
ہ
اعاد مهرجان الفروسية الذي شهدت عجائبه علي الشاشة الي ذاكرتي ايام كانت البيد العربية مسافن لرعاية سفن الصحراء التي لم تتدخل في صنعها غير ايادي المبدع الخالق والتي لا يملك الصحراويون المغاربة ومن والي مهرجاناتهم السنوية من جيرانهم الفرنسيين غير اضفاء الزينة وحشر المتفرجين الذين تنسيهم عبقرية المشهد ان الابل اكثر اقتدارا علي قطع المسافات من كل الديمقراطيات العربية ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
وعندما يكون المرء لندنيا تطبعا فان من حقه ان يتعالي علي الصحراويين ولو كانوا مغاربة اصلاء، هذا لو لم يكن لهذا المرء كثير من الاصدقاء، لعل منهم الوزير العتيق الذي يعي تماما انني اعرابي ولد تحت ظلال النوق التي انطقت سيدة فرنسية ممن شهدن المهرجان لما علمت ان النوق يسبقن الجمال سليقة، فاعتبرت ذلك شهادة كما لو انها كانت تري ان سيغولين كانت احق بالملك من ساركوزي، وهنا لا بد من العودة الي الاشجان العربية لاقول: ان الناقة المغربية سبقت الكثير في خوض التجارب السياسية المتعثرة، وعرفت منذ الاستقلال حكومات متعددة في ظل دستورية ملكية لم تول ظهرها كليا للحياة النيابية رغم صرامة الملك.
ولئن استهل الاشقاء في المغرب صيفهم لهذا العام بمخاوف يبدو انها كانت جدية الي درجة ان الحكومة اقدمت علي اتخاذ اجراءات امنية مشددة بلغت منتهي الاستعداد لمواجهة اخطار محدقة، الا انها كانت سحابة صيف سرعان ما انقشعت وعادت الحياة الي ما فيها من مصاعب وسجالات احالت الحكم والمجتمع السياسي برمته الي الخوض في الشان المغربي استعدادا لتجربة انتخابية جديدة ليس بمقدورها ان تنسينا فقر الكثير من شعوب البلدان العربية رغم الامكانات المالية الكبيرة لبعض بلدانها وخصوصا اخوتنا في دول مجلس التعاون الخليجي التي بلغت فيها قيمة الفائض المالي خمس مئة بليون، اقدمت بشجاعة علي استثمارها في الهند والولايات المتحدة الامريكية التي لم يشهد اقتصادها ركودا يذكر بفضل الاستثمار العربي في مجال العجز المالي الحكومي للولايات المتحدة التي تربطها بالحكومات العربية اقوي الاواصر، خصوصا بعد التحولات التي عرفتها المنطقة متناسين ان الشقيق العربي له حقوق، وان المغرب الاقصي اشد ما يكون حاجة الي استثمارات عربية تعود بالنفع علي الشعب المغربي المتعطشة اسواقه الي المزيد من السيولة الكفيلة وحدها بالمزيد من خلق مواطن الشغل.
ويجمل بالاحزاب المغربية اكانت اسلامية ام يسارية ان تدرك ان مواجهة المصاعب والمخاطر بالعقل المجرد taboula rasa هي اقصر الطرق واخطرها علي كل اصلاح حكومي جاد يفضي الي توزيع اعدل ليس فقط لاسهم الحكم، ولكن الي تقسيم اقرب الي الروح المدنية واشد التزاما بالقيم الاسلامية التي فطر عليها المغاربة والتي تنص علي انه: ليس منا من بات شبعانا وجاره جائع.
تحاشيا للغرق في برك من عرق النخبة السياسية التي يمثلها الاسلاميون واليساريون اساسا والذين قامت قيامتهم ايامنا هذه استعدادا للمنازلة الانتخابية التي ازفت وانشقت لها قلوب النواب دون غيرهم، وذلك علي مرأي ومسمع من قصر حكم اقر ساكنه ان البقاء في خدمة الشعب المغربي للاصلح، وان الاصلح من الفرقاء هو من يملك القدرة والارادة علي صيانة هوية هذا البلد العريق في كنف ملكية دستورية تعهد صاحبها بالحفاظ علي استقلال مغرب الامة العربية والاسلامية، وتوفير الخبز والمدرسة والمستشفي للعائلة الكبري، التي يناهز تعدادها الثلاثين مليونا من البشر. اقول هذا من باب الذكري التي ينتفع بها كل من تسول له نفسه التقدم طوعا لخدمة العباد، ويملك القدرة والشجاعة للمرور علنا عبر مسبر الانتخابات العامة، ومن ثم تحمل المسؤولية الكاملة والامانة العظمي، وهل في عالمنا اثقل من: انا لها انا لها.
ان الحياة السياسية في المغرب كما في معظم البلدان العربية في حاجة اكيدة الي خطاب سياسي واقعي لا غش فيه، يكشف للمواطن القدرات الحقيقية لما تملك الحكومة من امكانيات متاحة دون تيئيس من المستقبل، ولكن ايضا دون تزيين لما لا يليق من الملبس والمشرب والمسكن، خصوصا اذا كان من الزنك او الطوب.
واظنني لست من المجانبين للصواب كثيرا اذا ادعيت ان اي طرف سياسي فائز لا يروم توسيع مساحة الحريات المدنية والسياسية للمواطن والاقدام علي اصلاح جذري في عمق الادارة من اجل تطويعها، بل ولي عنقها ان لزم الامر عبر صرامة القانون الذي ينبغي علي الجميع الامتثال الي نواميسه مستعملا كل الاساليب السياسية المتوفرة من اجل ان تلتزم هذه الاخيرة بالحياد التام وخصوصا اثناء العملية الانتخابية علي اي مستوي، كما احسب ان الاقتصاد المغربي ـ عصب الحياة ـ في حاجة ماسة الي وقفة حكومية وهبة برلمانية تجعل كليهما (القطاعين العام والخاص) اشد التزاما بالمصالح العليا للمغرب، فالحد من نفقات الحكومة والشح المطاع المحمود اثناء استعمالها للمال العام هو في نظرنا المقدمة الضرورية لاي تطور يفترض ان يكون مضطردا في حياة الناس، دون ان يفوتني التنويه بالخواص وراس المال المحلي ان الله سبحانه وتعالي فرض عليهم في اموالهم ما يكفي لسد جوعة من جاع من ابناء الوطن، وان هذا الوطن لا يعدو ان يكون الا سفينة راسية ما لم يتهرب اثرياؤها من دفع الضرائب بكل سماحة، والتجارب قديمها وحديثها تنبئنا بان الاسلاميين اقل تبذيرا للمال واقل جرأة علي الاسراف، واقدر ضبطا للنفس، ولكن عند الامتحان يكرم الاسلام السياسي المغربي او يهان…. ضعف الناصح والمنصوح وسلام علي من قال: اقرب الناس الي الله انفعهم لعياله.
هذا عن السياسة والسياسيين، اما النخب الفكرية التي اعاد بعض رموزها التاسيس للعقل العربي في اطار حداثي لم يتنكر للاصل ولا تبرأ من العصر ومعطياته، فقد تراجع اداؤها وخفت بريق جدالاتها التي اثارت في تسعينات القرن الماضي سجالات فكرية معمقة تحاور فيها المحافظون مع المجددين والمشارقة مع المغاربة والعرب مع الغربيين في تناسق فكري لا يري في خلاف الراي فسادا للمودة. وازعم ان مهرجان اصيلة الثقافي الذي تحتضنه مدينة اصيلة الساحلية ويشرف علي اعماله ديبلوماسي مغربي عريق، واعلامي متمرس واعني به محمد بنعيسي يمثل رافعة لهذا الحراك الثقافي والسياسي الذي يراهن السياسيون والمثقفون علي اعتباره اقصر الطرق الي حماية الاستقرار والسلم الاهليين ودعم مسار ديمقراطية مغربية ناشئة لكنها واعدة… ہ كاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8