التحفظات والعوائق أمام ذلك كثيرة.. وحسم المعركة من دون قوات برية مسألة اشكالية
لدي الرئيس جورج بوش، علي غرار الرئيس ريغان جدول اعمال وخطط عمل نابعة من كونه صاحب نظرية سياسية منتظمة، يحاول وينجح في الاغلب في السير علي هديها.
جدول اعماله يتضمن محاولة دحر أعداء الولايات المتحدة في العراق؛ حرب طويلة ضد الارهاب، تشجيع الحرية والديمقراطية في أرجاء العالم؛ تحسين أداء ونجاعة جهاز التأمين الوطني الامريكي، دفع التشريعات التي تلغي الضرائب علي التأمينات الصحية الشخصية وخطط لتقليص استهلاك الوقود وغيرها من مصادر الطاقة بـ 20 في المئة في العقد القادم. ولكن منذ أن اعيد انتخابه في 2004، منيت جهوده بدفع جدول اعماله هذا للفشل الذريع. الكونغرس الديمقراطي المدرك لنسبة التأييد المتدنية للرئيس ـ نسبة تأييد شبيهة جدا بتلك التي حظي بها والده قبل خسارته للرئاسة أمام بيل كلينتون بعام واحد ـ لا يحاول مساعدته. في القضية العراقية المركزية في جدول اعماله، يئس اغلبية الامريكيين وهم يعتقدون بأن مصير العراق المحتوم يتمثل بحرب أهلية دموية مشتعلة.
ولكن بوش ـ الرئيس الأكثر ايديولوجية في البيت الابيض في نصف القرن الأخير ـ عازم علي الخدمة كرئيس فعال واستخدام كامل صلاحياته حتي التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) 2009. ورهن اشارة هذه البطة العرجاء قوة لا يمتلكها أحد من المخلوقات فوق الارض.
نائب الرئيس تشيني يعود ويصرح: لن نسمح بأن يكون لايران سلاح نووي. هذا نفس تشيني الذي صرح مرارا وتكرارا بأن لدي صدام سلاحا للدمار الشامل، وهكذا يجب النظر الي المجابهة مع ايران قبل نهاية ولاية بوش كاحتمالية معقولة.
رئيس الولايات المتحدة هو القائد الأعلي للقوات المسلحة الامريكية. صلاحيات الرئيس كثيرة ومتنوعة، وقوته المستقلة الكثيرة تكمن في منصبه كقائد أعلي للجيش، وعلي المدي القصير سيجد الكونغرس والرأي العام صعوبة كبيرة في تقييد خطواته.
هناك مدرسة تدعي بأن بوش سيأمر بابادة منشآت ايران النووية قبل نهاية ولايته علي أمل بأن تكون محكمته الحقيقية في التاريخ، وليس عبر الانتقادات التي ستوجه اليه. هذه المدرسة تعود وتُذكر بأن الولايات المتحدة قد انتقدت بيغن بشدة بعد قصف أوزيراك المفاعل النووي العراقي، ولكن قادة امريكيين كثيرين أثنوا بعد ذلك عليه وأكدوا أهمية الخطوة لمصالح الولايات المتحدة الامريكية.
التاريخ الامريكي يشير الي ان المحاكم قد رفضت التدخل في قرارات الرئيس الامريكي العسكرية إبان المواجهة. بامكان الكونغرس أن يعاقبه بعد ذلك من خلال تقليص الميزانيات وقرارات الشجب، ولكن تأثير ذلك علي قرارات بوش في عامه الأخير قليل جدا.
وهناك تيار آخر يدعي بأن بوش لن يضرب ايران لان قوات الولايات المتحدة الامريكية مشغولة في العراق وافغانستان، والعملية ضد ايران ستُجبره علي ادخال القوات الاحتياطية الامريكية في هذه المعركة، أي سلاح الجو وسلاح البحرية. ليس هناك شك بأن سلاح الجو والبحرية يستطيعان توجيه ضربة قوية لايران، ولكن حسم المعركة من دون قوات برية هو مسألة اشكالية جدا في أقل الاحوال.
الولايات المتحدة لا تمتلك احتياطيا استراتيجيا هاما من القوات البرية، وسيكون من الخطورة وانعدام المسؤولية استخدامها بصورة هجومية خصوصا الآن حيث تري دول عظمي من الدرجة الثانية كالصين وروسيا الورطة الامريكية كنافذة فرص لتغيير معادلة الواقع الاستراتيجي.
هذا الأمر صحيح بصورة خاصة بصدد روسيا. وضعها الاقتصادي الحالي قوي بفضل كثرة مصادر الطاقة التي ارتفع سعرها، وقيادتها السياسية أشبه بالقيادة الفردية التقليدية أكثر من أي وقت مضي. روسيا ايضا تستثمر في الآونة الأخيرة مبالغ ضخمة لاعادة بناء قوتها العسكرية. رغم الاعتذارات، اطلاق الصواريخ نحو جورجيا، حليفة الولايات المتحدة، هو بمثابة رسالة استراتيجية واضحة، واستئناف تحليقات القاذفات حتي بريطانيا في اوروبا وجزر المحيط الهادئ هي أكثر من مجرد اعلان نوايا.
روسيا صرحت ايضا بأنها ستقوم حتي عام 2015 باعادة بناء قواتها الدفاعية الجوية، وسلاح البحرية الروسي بدأ مرة اخري بدوريات علي امتداد شواطيء الولايات المتحدة في المحيط الاطلسي. في فترة الحرب الباردة كانت هذه السفن تتوقف لتعبئة الوقود والحصول علي الخدمات في كوبا. يُطرح السؤال هل ستوافق كوبا الآن علي قبول هذا الدور علي نفسها. كل هذه الخطوات يمكن ان تُعتبر ردودا روسية علي التدخل الامريكي الواسع علي امتداد الحدود الروسية وخصوصا ضم دول حلف وارسو سابقا الي الحلف الاطلسي. روسيا لا تملك أية نوايا للوصول الي المساواة العسكرية مع امريكا، ولكن هذه خطوات دولة عظمي من الدرجة الثانية تستغل ورطات الولايات المتحدة حتي تقول: أنا هنا ايضا، وأنا لاعبة ذات وزن. كل هذه الخطوات الروسية تقلص امكانيات المبادرة الامريكية الهجومية ضد ايران، ولكن ذلك لا يعني بأن أحدا من الأطراف قد يقع في اللامبالاة. في هذا الاسبوع فقط صرح الرئيس بوش في خطاب أمام قدامي المحاربين الامريكيين، بأن ايران التي تسعي للحصول علي السلاح النووي ستضع الشرق الاوسط في ظل كارثة نووية. وأضاف سنواجه هذا الخطر قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا. هل هذه سياسة اعلانية من بطة عرجاء أم اعلان نوايا من دولة عظمي؟.
أرنون غوتفيلدبروفيسور في التاريخ الامريكي في جامعة تل ابيب(هآرتس) 6/9/2007