بصدد فيلم ‘الفنان’: عبد اللطيف البازيفيلم ‘الفنان’للمخرج الفرنسي Michel Hazanavicius (أوسكار أحسن فيلم لسنة 2012) هو استلهام لبدايات السينما حينما كانت الشخصيات تكتفي بالإشارات والإيماءات ولا حاجة لها إلى الألوان، وهو احتفال بهيج تتخلله لحظات انكسار تنبهنا إلى أن الفن مادة هشة لا يمكن دوما التحكم في مسارها وتطورها، كما أنه مرافعة تدافع عن حق الإنسان في الحلم وحقه في أن ينهض ويتجاوز سقطاته.’هو عمل ذو نزوع رومانسي تتوزعه ثنائية الرغبة والإخفاق وينبني على أكثر من مصادفة حاسمة ويعلي من قيمة الحب ويؤكد على إمكانية التوحد مع الطبيعة الذي اتخذ ههنا شكل علاقة تواطؤ استثنائية وطريفة جمعت بين الشخصية الرئيسية وكلب بالغ الذكاء والوفاء مما جعل الفيلم يتقاطع مع الحكايات الشعبية ومع عوالم الرسوم المتحركة خاصة وأنه يحكي لنا حكاية ذات بنية مألوفة تشبه بنية الخرافات وتنتهي نهاية جد سعيدة بعد أن صورت لنا كيف أثر تحولين مجتمعين كبيرين، هما بالتحديد أزمة 1929 الاقتصادية والمالية وانتقال السينما من المرحلة الصامتة إلى طور تسمية الأشياء بمسمياتها، على مسار ومصير الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم.
ففي هذا السياق التاريخي المحدد أعجب’جورج فالنتان’، وهو نجم سينمائي مكرس ووسيم، بشابة جذابة تصادف أنها تطمح لأن تلج عالم الفن، وكان ذلك الإعجاب العابر حافزا لـ’بيبي ميلير’ لكي تجتاز بحماس ونجاح اختبار انتقاء خضعت له رفقة مجموعة من الممثلات الثانويات، كما أنها لفتت انتباه النجم ‘جورج’ بطريقتها المغرية والمرحة في الرقص، ونحن هنا أمام مصادفة ثانية، حينما التقاها داخل أحد الاستوديوهات وأصر، ضدا على رغبة المنتج، أن تشارك بدور صغير معه في الفيلم الذي كان بصدد تصويره، وكانت تلك فرصتهما الأولى لكي يقتسما بضع رقصات وعدة ضحكات محملة باحتمالات عذبة. انتقلت’بيبي’ بعد ذلك بسلاسة من عتمة الغفلية إلى ضياء النجومية وارتقت سلالم الشهرة في نفس المرحلة التي انتقلت فيها السينما من مرحلة الصمت إلى طور اعتماد الحوارات واعتماد نجوم جدد و’لحم طازج’. وقد أبدى ‘جورج’ استخفافا بأهمية هذا الإنتقال وإن كان ذلك لم يمنع من أن الكوابيس بدأت تلاحقه. وكانت تلك الكوابيس محقة إذ وجد نفسه في فترة وجيزة دون زوجة ودون عمل وفاقدا لكل ممتلكاته ووجاهته وضحية لديكتاتورية شباك التذاكر، وتملكه يأس شديد فأشعل النار في بكرات الأشرطة التي كانت في حوزته وشب إثر ذلك حريق بمنزله المتواضع لم ينقذه منه سوى كلبه الذي لم يبخل عليه، وعلينا، بإشارات التعاطف والإشفاق. وعرضت عليه ‘بيبي’ أن تستضيفه بدارتها الفسيحة فقبل وعاشا معها لمدة، إلا أنه قرر الانتحار مجددا بعد أزمة شلت قدراته على المقاومة وهذه المرة كذلك كتب له أن لا يموت بفعل مصادفة إضافية تمثلت في صوت ارتطام سيارة ‘بيبي’ بشجرة قرب منزله. وعادا للعيش معا حياتيا وفنيا ولعبا دورين رئيسين في فيلم راقص حظي بنجاح باهر وتغلب جورج على خوفه وحبسته وتعرفنا، بعد طول انتظار، على نبرات صوته.
مع هذا الفيلم نستمتع بمتابعة ممثلات وممثلين يقلدون بتلقائية وإبداعية شعائر فنية مرتبطة بفترة ذهبية مضت بأجوائها الساحرة وسذاجتها المحببة وعوالمها الطازجة، وسيبدو لنا أحيانا أنهم يتفوقون على الأصل، وستكون السينما نفسها موضوعا للتأمل، وسنشعر بحنين إلى شيء غامض وسنتأكد من جديد أن الإبداعات الفنية التي تستحق هذه التسمية هي مزيج من فكرة متفردة وتفاصيل لذيذة تغير نظرتنا لما حولنا ولأنفسنا. ‘ ملحوظة: عرض هذا الفيلم في حفل اختتام الدورة 18 ( مارس 2012) من مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط