انتحار الديمقراطية مع ايديولوجية الديمقراطية

حجم الخط
0

انتحار الديمقراطية مع ايديولوجية الديمقراطية

د. عماد فوزي شُعيبيانتحار الديمقراطية مع ايديولوجية الديمقراطية مع نهاية القرن العشرين، كانت دعوات الديمقراطية تنتشر بسرعة تفوق سرعة انتشار الافكار اليسارية في الخمسينيات والستينيات مما شكل آنذاك ظاهرة ايديولوجيات اليسار . ومثلما كان الخروج عن اليساريات انذاك يُعهَّر ويُجرَّم، كان مجرد الدعوة الي التعقل في الدفع باتجاه تحويل الديمقراطية الي ايديولوجية الديمقراطية ، يتلقي نفس الاتهامات مضافاً لها اتهامات العمالة؛ وهي نفس اتهامات العمالة التي رافقت ايديولوجية اليساريات ، مع الفارق ان تلك العمالات كانت منسوبة الي الغرب او الامبريالية او البرجوازية… في النموذج اليساري، فيما نُسبت الي الانظمة الديكتاتورية او المخابراتية، او الي تهمة الانتهازية او الوصولية في النموذج الديمقراطي.وكان الطريف ان اغلب الذين رافقوا ونظروا للايديولوجية الديمقراطية هم انفسهم الذين كانوا يعتبرونها هرطقة برجوازية صغيرة عندما كانوا يساريين. وهم انفسهم الذين نقلوا نفس مصطلحات الاتهام الي الجناح الديمقراطي من طير الايديولوجية الذي لا يزال يحوم حول المنطقة العربية بالاسلوب اليوتوبي الذي يتحدث عنه كارل مانهايم عندما يؤكد علي ان كل ايديولوجية هي مشروع مدينة فاضلة لا تتحقق، وهي اقرب الي الايديولوجية كقناع يخفي الوقائع، تحت ستار من الوعي المزيف.اللافت ان المنطقة العربية لا تزال تتحرك كـ (مفعول به) علي المستوي المعرفي؛ فالافكار التي تسودها هي علي الاغلب الافكار التي لا تني تاتي انعكاساً عن عصر او مرحلةٍ ايديولوجية تسم وعي وسلوك (الكبار) في العالم. صحيح انها تدغدغ الموجود والمُعاني منه والمأمول… لدي نخب هذه المنطقة، الا انها لا يمكن الا ان توصف بانها رجع صدي لوقائع الآخرين، فالمدّ اليساري اليوتوبي في القرن الماضي انعكس دوغمائيات (معرفة يقينية لا تقبل التغيير او المراجعة) يسارية في منطقتنا العربية. وارتبطت هذه الدوغمائيات بحاجات الفقراء والحلم الذي اجتاح الارياف والاقليات لوأد الصراع الطبقي في مهده والولوج الي عالم الفردوس العدالي الذي يطوي صفحة الجوع والقهر الاجتماعي مشفوعاً برؤية اختزالية تختزل كل المشكلات الانسانية بالبعد الاقتصادي، تماماً كما هو حال اغلب النظريات التي رافقت البعد النقدي الذي جسدته فلسفة عصر الانوار والتي اختزلت الحياة والمعرفة بثنائية (الظاهر/ الباطن) وانهت المتنوع لحساب الواحد واراحت ضمير الانسان الواعي بتشريط معرفي ربط كل الموجود بسبب وحيد القضاء عليه او معرفته او السيطرة علي ابعاده سرعان ما يلج بالبشر الي عالم فردوسي، فيما المعرفة الاختزالية الواحدية هي (الخلاص) البشري، حيث ان ايديولوجيا الخلاص هي الايديولوجية التي تتحكم بالوعي البشري النمطي الدوغمائي سواء كان دينيا او ماركسيا… او حتي ديمقراطياً.المفعول به الخلاصي الثاني اتي مع اندياح ايديولوجيا الديمقراطية، ولكن هذه المرة بدلا من ان تأتي الايديولوجية الخلاصي من الشمال والشرق فانها اتت من الغرب. ايديولوجيا التنميط الاوروبي وتوحيد الهوية العالمية للدول عبر الديمقراطية، انتجت دعاوي ديمقراطية خجولة في العالم وانعكست في الثمانينيات والتسعينيات ايديولوجيات انعكاسية في عالمنا العربي تتخذها وسيلة لايجاد فرصة للبعض لولوج السلطة، فيما تدغدغ الموجود والمُعاني منه والمأمول، وتستند الي معاناة الوعي العربي السائد من التسلط والبيروقراطية وضعف الحريات العامة والفساد وضعف الفرص الاقتصادية وارتباطها بالصعود في سلم هرم الدولة التي باتت تجسد الاقتصاد – السياسي بشكل افرط في ربط السياسة بالمصلحة الاقتصادية اختزلها لسبب او لاخر بالدولة المركزية التي نشأت علي اساس تشكل قسري للعصرنة في تلك البلدان، تتجاوز التخلف الاقتصادي والاجتماعي والجهل والأمية… نحو جامع مانع هو الدولة.لكن مع سقوط الاتحاد السوفييتي انبري لفيف (ايضاً من اليسار التروتسكي الامريكي) لانتاج نظريات تتصل بالمشروع الديمقراطي الذي نظَّر له الفيلسوف الامريكي- الالماني (ليو شتراوس) وتلميذه (آلان بلوم) كبديل من الليبرالية المرزولة ولتوحيد الهوية العالمية بتعميم الدستور الامريكي الذي يسهل سيطرة النخب (اي الفلاسفة وهم هنا كما نظّر لهم ليو شتراوس نخب المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بسيطرتهم علي الحكم في الولايات المتحدة) علي العالم بأسره. فليو شتراوس كان المنظر الاهم لضرورة استلام الفلاسفة (اي هم) الحكم في الولايات المتحدة الامريكية وفي العالم (عبر الديمقراطية) بديلا من الشعوب غير الذكية؛ حيث كتب: ليست الفضيلة الاخلاقية تطبيقاً عند الرجل الذكي حقاً، او الفيلسوف. فالفضيلة الاخلاقية ليس لها وجود الا في الرأي الشعبي حيث يكون هدفها السيطرة علي غالبية الناس غير الاذكياء .كان احتقار الرهوط والناس العاديين هو دين ودينونة الفلاسفة القادمين من الغرب هذه المرة لتعميم ايديولوجية الديمقراطية وليكون عالمنا العربي مسرحاً للوثة مشابهة فكريا للوثةِ اليسار الايديولوجي مفعولاً بنا مرة ثانية. مرة اخري الفلاسفة يريدون ان يحكموا: في المرة الاولي كانوا ماركسيين وفي المرة الثانية ماركسيين تروتسكيين انقلبوا بالثورة المستمرة الي ثورة مستمرة ايديولوجية ديمقراطية. وكان علي منطقتنا ان تدفع للمرة الثانية ثمناً غالياً لايديولوجيات (الكبار). وكانت نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما وصراع الحضارات لصموئيل هانتغتنون هي البواكير الاكثر رصانة والاقل توظيفاً علي المستوي السياسي لايديولوجية الديمقراطية، الا ان نفس المجموعة تقريبا ولكن من الشق الاكثر شبقاً لولوج عالم السياسة والمصالح الاقتصادية كانت الاسرع في محاولة الانقضاض علي احدي الحاملتين السياسيتين في الولايات المتحدة الامريكية (الحزب الديمقراطي اولا ثم بعد فشلهم مع كلينتون انتقلوا الي الحزب الجمهوري) وذلك لتمرير مشروعهم، واللافت ان جميعهم من تلامذة ليو شتراوس والان بلوم من امثال دوغلاس ج. فيث وريتشارد بيرل ومايكل ليدن وجون بولتون ورامسفيلد وصولا الي ديك تشيني كملحق او نصير للمجموعةالتي انتظمت في مؤسسة هيرتيج فاونديشن (HF) وعبرت في اكثر من دورية كالكومنتري عن افكارها بوضــــوح، حيث كتب دوغلاس فيث في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 مقـــالا في HF يقول فيه: ان زمالتي في هيرتيج فاونديشن تعود الي بداية عام 1977، اي قبل حوالي ست وعشرين سنة، عندما كان مركزها في ستانتون بارك الطابق الخامس، القطاع (ج) في نورث ايست . وفي اثناء ذلك، كنا نحن المحافظين الجدد، وبما انني كنت عضواً جديداً، ومع باقي الشخصيات التي كنا نطلق عليها اسم المحافظين القدامي، قد كوّنّا فكرة شائعة تعتمد علي ثلاث ركائز:1- دعم الديمقراطيات التي تعاني حصاراً وحالةً من الاختناق الحاد.2- محاصرة وتطويق الامبراطورية السوفييتية.3- توطيد وتقوية السياسة الخارجية الامريكية التي ترعي السلام وتسانده.وقد ساعدت HF كثيراً في تشكيل ما يسمي اتحاد المحافظين الجدد والذي يتألف من رجالٍ امثالنا بدأوا حياتهم السياسية كديمقراطيين وكأمثال رجال ينتمون الي الطراز القديم من المحافظين. ان هذا الاتحاد يضم نماذج تمتاز بعمق التفكير وتعتمد في سياستها علي مبادئ فلسفية بحتة، ولكن هذا الاتحاد لم يتصف بالانتهازية ولم يكن انتهازياً او تكتيكياً ولم يحظ بانسجام وتوافق سياسي ذي عُري وثيقة.وقد ادركت تلك العصبة ان الحرب الباردة لم تكن تمريناً لموازين القوي بين قوتين عظميين، ولم تكن اشتباكاً بالأيدي لقردين يتسابقان للوصول الي دواسة الطواحين . ولكن تلك الحرب الباردة كانت صراعاً نبيلاً بين ديمقراطية الغرب المتحررة وبين استبدادية النظام الشيوعي السوفييتي، وهذا الامر قد مكّن شريحة المحافظين من ان تحتل مكاناً حيوياً في الطيف السياسي الامريكي، وجعل منها شريحة تمتاز بالفكر الخلاق والذكاء المتلألئ والطموح الجاد، وقادرة علي تحويل ونقل مقاليد الادارة الامريكية من ايدي الرجعيين المملين الي ايدي الشبّان اليافعين القادرين علي الخلق والابداع .مجموعة تصف نفسها بالذكية والتقدمية وأما الآخرون فرجعيون مملون، وهم عميقو التفكير والباقون سطحيون… تبدو انموذجاً للانا المتضخمة لدي بعض اغلب الفلاسفة او العاملين في الحقل المعرفي- السياسي، ولا يختلفون عما نعرفهم في بلداننا العربية، سرعان ما تجد افكارهم صدي لدي الاخيرين فنراهم يتجاوبون مع المدّ الايديولوجي ويعرّبونه ويوطنونه، ولا يريدون ان يستفيدوا من التجربة الايديولوجية الماركسية التي اغتربت وسقطت معهم وعلي ايديهم وافكارهم نفسها تقريبا المُعرّبة والموطنة تارة باسم الطريق العربي الي الاشتراكية وتارة باسم الماركسية العربية وو ووهي في التحليل الاخير مجرد تحويمات في فلك المشروع الايديولوجي لعصر او مرحلة الكبار.المعادلة هذه تلخصها فكرة ان الكبير او المنتصر يُنمط الصغير علي هويته، مستفيداً او برجع الصدي للاحتياجات الواقعية الانسانية والاجتماعية المتوافرة لدي كل تجمع بشري ينقصه شيء وتلزمه اشياء. ففيما كانت الاستجابة للماركسية او علي الاقل للاشتراكية تفرضها الاحتياجات الاقتصادية للبشر وتدعمها حالة العوز والفقر… فان الاستجابة لدعاوي ايديولوجية الديمقراطية قد وجدت مستلزمات استجابات البعض لها وترويجها ايديولوجيا وسياسياً بخلط مفرط بين الحريات العامة وتداول السلطة.كان اللافت ان هذه المجموعة من المحافظين الجدد كانت تضفي صورة نمطية ايديولوجياً عن الديمقراطية بقول فيث: ان الشعور بالتفاؤل هو امر واجب لان الديمقراطية ستثبت نفسها يوماً بعد يوم بانها زهرة دائمة التفتح وانها وردة لا يمكن ان تعبث بها الريح كيفما تشاء. وان الانظمة الاستبدادية التي بنت دولتها علي الممارسات الدكتاتورية لن تدوم طويلاً، وستحتاج هذه الدول الي اكثر من ثلاثين عاماً حتي تصبح قادرة علي تأسيس قواعد الشرعية والديمقراطية، ولكن لا احد من هذه الانظمة يمكنه المخاطرة والشروع ببدء الانتخابات الحرة. الا ان هذه الشاعرية الفكرية لم تكن الا غطاء لم يلبث اقل المحافظين الجدد مداورة الا ان كشف خلفياته الحقيقية لإرساء مبدأ السيطرة من قبل حكام الولايات المتحدة الامريكية من الفلاسفة علي الشعوب غير الذكية (من امثال شعوبنا حيث تعبير غير ذكية هو النسخة الديبلوماسية لتعبير الغبية) والتي لا تصلح لان تحكم نفسها كما اعلن عن ذلك زلماي خليل زادة الايراني الاصل وفؤاد عجمي (كتب مقالاً في الفورين افيرز بهذا الخصوص) اللبناني الاصل (باعتبارهما الادري بواقع ساحة عمليات ايديولوجية الديمقراطية: العالمين الاسلامي والعربي) عندما اعتبرا ان هذه الساحة لا تصلح اصلا لقيامة الدولة فيها لانها مؤلفة اصلا من اديان وطوائف ومجموعات اثنية وان قيامة الدولة المركزية في اغلبها قد اتسمت بالطغيان مما اقام دولاً بالقوة وان الضرورة تقتضي احالتها الي وضعيتها الاولي اي العشواء Chaos، ونلاحظ انهما استخدما هذه المفردة بديلا من Disorder التي تعني الفوضي لوضع كان اصلا منظماً، فالنظرية تقوم علي اعادة العشواء الي العشواء اي الي نموذجه الاول وهذا لا يكون الا بالديمقراطية (وهي كما اسلفنا ليست فضيلة كما اعلن عن ذلك استاذهما ليو شتراوس بل وسيلة للسيطرة علي الاغبياء) حيث كل من افراد الشعوب (غير الذكي) سينتخب ممثله من طائفته وعشيرته وقبيلته ودينه ومذهبه ومجموعته الاثنيّة ما سيعيد التشظي الداخلي الي واقعه الاول ويطوي صفحة من صفحات تجميع الشـــظايا عبر الدولة الطاغية، ويهييء لنموذج من اقامة المرجعية الخارجية الامريكية حصرا في ساحة مفتوحة ديمقراطياً للمجموعات المتشظية اجتماعيا وسياسياً يجمع عشوائيتها نظام لدولة غير مركزية تسهل حكم الفلاسفة الامريكيين للعالمين العربي والاسلامي وهو مصدر الارهاب، حيث الاخير هو محور الحرب العالمية الرابعة لامريكا والعالم المتحضر وفقاً لايديولوجية الفلاسفة الديمقراطيين… الجدد.كعادة اية فكرة مهما رآها البعض برّاقة وملبية لحاجات اساسية او اخلاقية سرعان ما تهوي علي مذبح الواقع، فشجرة الحياة خضراء لكن النظرية رمادية تقع بين ابيضها واسود الواقع باعتباره ليس هو المرغوب والاقصي من طموحات البشر والنخب… الذكية.رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية