أدى انتحار المناضلة المصرية سارة حجازي إلى جدل مألوف في العالم العربي، بين تيار يوصف بـ«المدني» وآخر محافظ أو إسلامي، يفترض أنصاره أنهم يعبّرون عن «الثقافة المجتمعية». المألوف أكثر ربما هو الخلاف في أوساط التيار «المدني» نفسه، ومحوره الأساسي تقييم المطالب «الليبرالية»، التي حملتها حجازي ورفاقها، ومحاولة دراسة البنية الاجتماعية والثقافية في الدول العربية، لفهم إمكانية تقبّل المجتمعات لهذا النوع من المطالب.
الإجابة الاعتيادية أن «الليبرالية العربية» لا تملك حاملاً اجتماعياً متيناً، ولا تستطيع تقديم برامج سياسية واجتماعية شاملة، قادرة على التغيير الفعلي، ورغم أن هذا الطرح قد لا يخلو من وجاهة، إلا أنه يتجاهل وقائع ملموسة، أهمها أن حجازي ومن يشبهونها لم يأتوا من فراغ، وكانوا جانباً أساسياً من أهم هزّة سياسية – اجتماعية عرفها العالم العربي منذ عقود، أي «الربيع العربي». وتأثيرهم طرح من الأسئلة والإشكاليات والجدل الاجتماعي أكثر مما فعلته حركات اعتبرت نفسها لعقود ممثلة للمجتمع وقيمه، أي أنهم غيّروا بالفعل كثيراً مما كان يعتبراً ثابتاً وقاراً. مسيرة حجازي، التي بدأت من اضطرابات شارع محمد محمود في القاهرة، مروراً برفعها علم قوس قزح، وصولاً لانتحارها بعد سجنها ونفيها، مرتبطة بسياق اجتماعي وتاريخي لا يمكن تجاهله أو اختزاله، ببضعة أفكار معولمة، حملها عدد محدود من الناشطين الليبراليين المتأثرين بالغرب.
السؤال الأجدى إذن: ما البنى الاجتماعية والسياسية التي سمحت ببروز مناضلين مؤثرين مثل سارة حجازي في عالم عربي، من المفترض أنه بعيد عن القضايا التي يطرحونها، وغير متقبّل لها؟ كذلك فإنه مع كل موجة احتجاجية في العالم العربي، حتى في بلدان حطّمها صراع الميليشيات والتطرف الديني مثل العراق، يبرز دوماً محتجون يبدون أكثر تقدماً من الصورة السائدة عن مجتمعاتهم، ويفرضون حالة ثورية يصعب تجاوز آثارها، حتى لو كان «الفشل» النتيجة السياسية المباشرة لمساعيهم. من أين يأتي ثوار الميادين هؤلاء؟ وهل هم ظاهرة هامشية وأقلّ «أصالة»، أو حقيقية من مقاتلي الميليشيات والمتطرفين الدينيين، والأفراد المحافظين لما تُسمى «الطبقة الوسطى»؟
ضعف الدولة العربية وانهيارها، وعدم قدرتها على تأدية وظائفها التقليدية، وتحقيق الضبط الاجتماعي، أدى إلى تفكك الشعب عملياً، ومع غياب تنظيمات سياسية ومهنية معارضة، مثل الأحزاب والنقابات، لم يستطع المحتجون التأسيس لمفهوم بديل للشعب.
تفكك الشعب
عانى المحتجون في موجتي الربيع العربي من تناقض أساسي: اعتبروا أنهم يمثلون الشعب في مواجهة السلطة الفاسدة، وصُدموا في كثير من الأحيان، وبأشد الطرق إيلاماً، بأن ما يجب أن يكون الشعب، لم يكن دوماً في صفهم، بل في أحيان كثيرة اضطُهدوا على يد الشعب أكثر من السلطة. ربما كان السودان الاستثناء العربي الأبرز، حيث تم بناء الشعب عن طريق تنظيمات سياسية متينة، حددته بوصفه كل ما هو مخالف لـ«الكيزان» أو «الزواحف»، أي العسكر والإسلاميين.
إلا أن السودان يبقى مجرد استثناء في السياق العربي، الذي لم يدرك محتجوه غالباً أن الشعب ليس ظاهرة موجودة بشكل قَبْلي، بل تُبنى سياسياً، وثقافته ليست امتداداً تاريخياً غير منقطع من التقاليد والأعراف، بل أيضاً يتم إعادة بنائها دوماً عن طريق أجهزة أيديولوجية تحتكرها السلطة عادة. مفهوم الشعب لدى المحتجين موروث من الرطانة الوطنية للدولة العربية التقليدية، التي ثاروا عليها أصلاً: اعتبار أن سكان الأقليم الجغرافي التي تحكمه الدولة، على تعددهم وتشتتهم وصراعاتهم، شعبٌ يملك خصائص معينة وتطلعات موحدة.
مشروع الدولة العربية بعد الاستقلال بنى «شعباً» على أسس قومية وإسلامية غالباً، حتى في الأنظمة التي توسم بـ«العلمانية»، مثل أنظمة سوريا والعراق وتونس، وهذا واضح في الدساتير، وقوانين «الآداب العامة» و«الأحوال الشخصية»، فضلاً عن الرواية الإعلامية السائدة للتاريخ، عن المجد الإمبراطوري العربي – الإسلامي، والسعي لاستعادته بطرق «عصرية». صاغت الدولة العربية، عبر المحاكم والتعليم والصحافة وأجهزة الشرطة والمؤسسات الدينية الرسمية، ما نعتبره اليوم «ثقافة إسلامية». الإسلاميون نفسهم نتاج هذه الصياغة، وربما كانوا الأكثر صدقاً في تتبع النتائج المنطقية لما ربّتهم عليه دولهم «العلمانية». الكتل السكانية التي لم تندرج ضمن مفهوم «الشعب وثقافته»، تم تهميشها أو قمعها سلطوياً بكل بساطة.
إلا أن ضعف الدولة العربية وانهيارها، وعدم قدرتها على تأدية وظائفها التقليدية، وتحقيق الضبط الاجتماعي، أدى إلى تفكك الشعب عملياً، ومع غياب تنظيمات سياسية ومهنية معارضة، مثل الأحزاب والنقابات، لم يستطع المحتجون التأسيس لمفهوم بديل للشعب. وهذا قد يساعد على فهم أهمية «الاتحاد التونسي للشغل»، الذي ساهم بصياغة استثناء عربي آخر في تونس.
اندلاع الثورات، ضمن هذا الشرط، أبرز تعقيد وتراكب التشكيلة الاجتماعية -الاقتصادية العربية: في الميدان الواحد اجتمع ناشطون ليبراليون، من طبقة بورجوازية بالمعايير العربية؛ شباب عاطلون عن العمل أو في أعمال غير مستقرة، من الطبقة التي تسمى اليوم «بريكاريا»؛ عمّال ومهنيون؛ ناشطون حزبيون من اليسار أو الإسلام السياسي، أقرب للبورجوازية الصغيرة؛ أفراد من جماعات أهلية تقليدية تجمعهم روابط القرابة أو الطائفة، وثقافة ريفية أو شبه ريفية، إلخ. وكلٌ من هذه الفئات ادعى تمثيل المفهوم القديم لـ«الشعب» ثقافياً وسياسياً.
قلّة أصالة
لم يكن مفهوم الشعب التقليدي وحده ما خيّب آمال ثوار الربيع العربي الأكثر تقدمية، بل أيضاً تصورات أكاديمية غربية معاصرة عن «التقليد الإسلامي»، فعلى أساس السطوة الرمزية للنص الأكاديمي المكتوب باللغة الإنكليزية، أعطى أكاديميون، يعملون في جامعات غربية، لأنفسهم الحق بفرز من ينتمي إلى «الأرثوذكسية الإسلامية»، عمّن هو متأثر بليبرالية غربية، أو إنسانوية كولنيالية. بمعنى أنهم اعتبروا أن هنالك سكاناً أكثر «أصالة» للمنطقة، من آخرين، هم بشكل من الأشكال، صنيعة الهيمنة أو «مخبرون محليون». وكأنه وجدت في التاريخ ظاهرة اجتماعية أو ثقافية «أصيلة» لم يتدخل الغزو والإخضاع والهيمنة في صياغتها، أو كأن الكولونيالية مجرد قشرة، يمكن مع إزالتها الوصول إلى التقليد الثقافي الأصيل. الغريب أن هؤلاء الأكاديميين الغربيين لم يروا في تصنيفهم هذا نوعاً من «المركزية الغربية» الجديدة، التي تحاول تعريف «المحليين» بهويتهم الحقيقية.
ربما كان «تحويل الجمهور إلى طبقة»، حسب تعبير أنطونيو نيغري، هو المهمة الأكثر إلحاحاً في السياق العربي، خاصة مع البعد الطبقي الواضح الذي ظهر في الموجة الثانية من الربيع العربي.
هذه السطوة الرمزية جعلت المناضلين الأكثر تقدمية في موقع أضعف تجاه ما حسبوا أنه الشعب، وساهمت باتخاذهم مواقف أكثر تصالحية مع النزعة المحافظة السائدة، لدرجة إدانة البعض، ممن يحسبون على المعسكر التقدمي، لقيام سارة حجازي بتصرف سلمي جداً، مثل رفع علم قوس قزح في حفلة لفرقة غنائية، تُصنّف ضمن «الثقافة البديلة»، وليس الجماهيرية. لقد استفزّت تقاليد المجتمع! التي من المفترض أنها أحادية وراسخة. ما استفزّته حجازي بفعلتها ليس ثقافة مجتمعية أزلية، بل قوانين «الآداب العامة»، الأجهزة الأمنية، المؤسسات الدينية، باختصار جهاز الدولة القمعية الذي خرج ضده ثوار يناير/كانون الثاني في مصر، وهو الجهاز الذي يوفّر كل الظروف للمحافظين، كي يعتبروا أنفسهم، بكل ارتياح، ممثلي «ثقافة المجتمع». ربما يمكننا إضافة تأثير بعض الأكاديميات الغربية إلى الجهاز القمعي، الذي مارس عنفاً رمزياً ضد حجازي، قبل تعرّضها للعنف الجسدي في معتقلها.
الشعب والطبقة
تراكب وتعقيد التشكيلة الاجتماعية- الاقتصادية العربية، لا يتيح مجالاً للحديث عن «متن اجتماعي»، خاصةً بعد اضمحلال دولة الاستقلال العربية. لا يوجد معطى سوسيولوجي فعلي يجعلنا نعتبر ثوار الميادين الأكثر تقدمية، مثل سارة حجازي، أقل انتماء لـ«المجتمع» من غيرهم. توجد «مجتمعات» متعددة ومتصارعة في السياق العربي، بمستويات مختلفة من التطور، وأمثال حجازي أتوا من الحيّز المديني، الذي يحوي طبقات اجتماعية غير واعية لذاتها تماماً، ولكنها تملك، بحكم مدنيتها نفسها، تأثيراً سياسياً وثقافياً أساسياً، لا يمكن تخطيه.
افترض تروتسكي في ما مضى، وفق نظرية «التطور المركّب اللامتكافئ»، أن الطبقة العاملة في مدن البلدان الطرفية في المنظومة الرأسمالية، بوصفها الطبقة الأكثر تطوراً وجذرية في الآن ذاته، قادرة على قيادة الأمة بأكملها، لتحقيق التحرر الوطني والتحديث وتفكيك البنى البطرياركية التقليدية، وهذا سيجعل الثورة حتماً «ثورة دائمة». وبما أن «الطبقة»، مثلها مثل الشعب، تحتاج بناءً ثقافياً وسياسياً، فيمكن، ببعض التفاؤل، اعتبار أن ما راكمه ثوار الميادين من نضالات قد يصبح أساساً لبناء سياسي جديد، خاصة في زمن توسّع فيه مفهوم الطبقة العاملة ليشمل كل من يقومون بالعمل المادي وغير المادي، المأجور أو غير المأجور، ممن لا يملكون سوى قوة عملهم. وأصبح الإنتاج ليس إنتاج السلع المادية وحسب، بل كل ما يتعلّق بإعادة إنتاج الحياة ذاتها، بما فيها من علاقات اجتماعية وجنسية، وصيغ لغوية وثقافية.
ربما كان «تحويل الجمهور إلى طبقة»، حسب تعبير أنطونيو نيغري، هو المهمة الأكثر إلحاحاً في السياق العربي، خاصة مع البعد الطبقي الواضح الذي ظهر في الموجة الثانية من الربيع العربي. سارة حجازي كانت من الثوار العرب القلائل الذين أدركوا ارتباط الطبقي بالسياسات الحيوية: تحرير العمل جانب من تحرير إعادة إنتاج الحياة، ولا يمكن فصل الطبقي عن الثقافي والجنساني.
٭ كاتب من سوريا