انتخابات الجزائر: الشعب لا يريدها والجيش وراءها والحراك مستمر

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

تجري الاستعدادات للانتخابات الجزائرية التي دعا إليها الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح إن لم نقل أحمد قايد صالح، قائد الجيش، وهي الأولى في مرحلة ما بعد عبد العزيز بوتفليقة الذي أطاحت به ثورة شعبية في نيسان (إبريل) هذا العام وسط فتور شعبي ومخاوف من سرقة الانتخابات لمنجز الثورة.

ويتساءل البعض عن عملية انتخابية بدون مشاركة بشكل يدخل البلاد في مرحلة المجهول. ويقول آخرون إن انتخابات الجزائر لا يريدها أحد، خاصة أن “الحراك” الجزائري أثبت مثابرة وقدرة على المواصلة تماما كما فعل الكتالونيون في إسبانيا والمتظاهرون في هونغ كونغ.

ومع أن خروج بوتفليقة لم يغير شيئا من معادلة السلطة، فالنظام القديم “القوة” ورموزه لا يزالون يقررون مصير البلاد فيما لم تتوقف تظاهرات الجمعة والتي تطالب بقلب النظام السابق وإنشاء حكومة جديدة تمثل طموحاتهم. ومن هنا فلا نعرف إن كان الجزائريون سيقبلون على صناديق الاقتراع يوم 12 كانون الأول (ديسمبر) أم ستبقى غالبية 40 مليون نسمة في بيوتها. ولكن طريقة تعامل المواطنين مع تحضيرات الانتخابات تعطي صورة عن موقفهم منها. فالعلامة البارزة فيها هي “كيس النفايات” الذي يعلقه الناس فوق ملصقات المرشحين أو يستبدلونها بصور الناشطين المعتقلين. وتعرض مكتب مرشح رئاسي للقذف بالبندورة والبيض. فيما أجبر آخر على إلغاء أول خطاب له لعدم حضور أحد.

وتعلق مجلة “إيكونوميست” (7/12/2019) أن الحكومة تصور الانتخابات بأنها خطوة نحو الديمقراطية وتشبهها بانتخابات عام 1995 ولكن ملايين الجزائريين لا يجدون فيها شيئا يمكن الاحتفال به أو انتظاره بفارغ الصبر.

وتعتقد المجلة أن الانتخابات تكشف عن صعوبة التخلص من نظام بناه وحماه الرجل القوي. وكان موعد الانتخابات قد حدد في تموز (يوليو) وسط دعوات لمقاطعتها، ولم يتقدم إلا مرشحان، طبيب بيطري وآخر ميكانيكي. لكن هذه المرة تقدم 23 مرشحا، وفشل معظمهم في الوفاء بالشروط، مثل جمع التوقيعات المطلوبة في 25 محافظة على الأقل. أما الخمسة الذين حققوا الشروط فهم مسؤولون سابقون في حكومات بوتفليقة، اثنان منهم هم من رؤساء الوزراء السابقين، عبد المجيد تبون وعلي بن فليس. ووزيران سابقان، عز الدين ميهوبي وعبد القادر بن قرينة أما الخامس فهو نائب في البرلمان تزعم حزبا صغيرا من الموالين للنظام السابق، عبد العزيز بلعيد.

مقاطعة

وتقول المجلة إن مقاطعة انتخابات تدعم تحولا نحو الديمقراطية يبدو متناقضا، لكن الناشطين يقولون إنهم تعلموا من الانتفاضات العربية مثل مصر التي أطاح فيها المتظاهرون بالرئيس وليس نظامه. فقد كان بوتفليقة في الأيام الأخيرة من حكمه مريضا ومقعدا وليس مؤهلا لحكم البلاد، وظل وجوده ضروريا كرمز لكي تحكم النخبة المعروفة باسم “القوة” نيابة عنه ومن خلف الأضواء، فعناصر القوة أو الدولة العميقة يكرهون التخلي عن السلطة. ومن هنا فقد كان رحيل بوتفليقة فرصة للقوات المسلحة التي خسرت قوتها لصالح نخب رجال الأعمال الذين قربهم بوتفليقة لكي تستعيد سلطتها.

فأحد المرشحين عبد المجيد تبون، رئيس الوزراء السابق يعد محسوبا على قائد الجيش أحمد قايد صالح. وكان “النظام” يأمل بأن يتفوق على الحراك. ولم تنجح الإستراتيجية لأن الجزائريين لم يتوقفوا عن التظاهر منذ شباط (فبراير). ولهذا السبب بدأ النظام مع اقتراب الانتخابات بحملة ضد الناشطين لإكراههم وسجنهم مع الصحافيين.

تخوين

وبعد إحراج تموز (يوليو) يبدو أن السلطات مصممة على عقد الانتخابات. ومن هنا بدأت حملة تخوين للناشطين، فقد حذر قايد صالح من مؤامرة أجنبية ضد الجزائر، فيما وصف وزير الداخلية نقاد الانتخابات بأنهم “خونة، مرتزقة ومثليون”. ومهما يكن فالسؤال الأهم لا علاقة له بالانتخابات ولكن ماذا سيحدث بعد 12 كانون الأول (ديسمبر) فمن سيفوز فيها سيكون رئيسا بدون شرعية شعبية. ولكنه سيظل رئيسا بكل ما يحمله اللقب من سلطات ورسوم. وعلى خلاف القمع في الدول العربية الأخرى فالجزائر لم تمارس اليد الحديدية ضد المتظاهرين. وربما وجد الرئيس نفسه أمام خيار استخدام القوة كوسيلة لتعزيز سلطته. وسيجد نفسه أمام تحديات كثيرة أهمها اقتصاد راكد، فرغم ثروة البلاد الهائلة من النفط والغاز الطبيعي، يعتبر دخل الفرد أقل من الدول العربية التي لا تملك ثروات مثل لبنان. وتبلغ نسبة البطالة حوالي 12 في المئة وهي مرتفعة بين الجيل الشاب. وحذر وزير المالية في الفترة الأخيرة من انخفاض الاحتياطي الأجنبي الذي يصل إلى 200 مليار دولار إلى 50 مليار دولار في العام المقبل. وانخفض سعر النفط والغاز الذي يشكل نسبة 60 في المئة من موارد الدخل الحكومية بنسبة 13 في المئة في التسعة أشهر الأولى من عام 2019. وانتقد المحتجون والخبراء قوانين جديدة للطاقة. ولكن الجزائريين ليسوا وحدهم في المأزق، فالوضع نفسه في العراق والسودان ولبنان حيث أطاح المحتجون بحكومات لكنهم يواجهون صعوبة في إحداث تغييرات بنيوية أكثر من الإطاحة برأس النظام. ولأن التظاهرات لن تستمر للأبد، فالانتخابات قد تكون حيلة للحفاظ على النظام القديم الذي لن يسقط في هذه العملية الانتخابية ما يعني أن الحراك مستمر. وحتى نفهم حركياته علينا النظر إلى القصة من بدايتها.

قصة ثورة

يحمل خروج الجزائريين في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) أهمية معنوية. فقد تزامن مع الذكرى 65 للانطلاقة الرسمية لثورة التحرير الجزائرية. وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا هي الظالم قبل 65 عاما، أصبح يلعب هذا الدور اليوم “القوة” التي حكمت على مدى نصف القرن الماضي، مع الدولة وأجهزتها الأمنية. وكانت أهمية هذه الذكرى أكبر من أن يتم تجاهلها، وردد أكثر من مليون شخص أهازيج تتعلق بالاستقلال. ومن بين هتافاتهم “الجزائر تستعيد استقلالها” و “الشعب يطالب باستقلاله”. وحملوا لافتات تقول “جيل الثورة حرر الأرض وجيل الحراك يحرر الأمة” و “الأمة في خطر: معركة الجزائر مستمرة”. وقال أحد المشاركين: “لقد حارب أسلافنا الفرنسيين لتحقيق الاستقلال ونحن نحارب المافيا التي صادرت ذلك الاستقلال”.

وبدأت هذه المعركة بشكل فعلي في 22 شباط (فبراير) 2019 عندما انطلق ملايين الجزائريين إلى الشوارع والميادين للتظاهر ضد الإعلان أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لدورة خامسة. هذا الانفجار الشعبي لم يفاجئ فقط الأجهزة الأمنية ولكن أيضا الدوائر الفكرية التي باتت مقتنعة أن الجزائريين استسلموا لمصيرهم في ظل زعيم عاجز عن الكلام والحركة. والملاحظ أن سخط الجزائريين على بوتفليقة يتناقض مع نظرتهم السابقة له، أي قبل عشرين سنة حيث بدا انتخابه رحمة سماوية، ذلك أنه استطاع إغلاق الستار على “عقد أسود” من الحرب الوحشية بين الدولة والمتمردين الإسلاميين تسببت بمقتل 200 ألف مدني ومقاتل. واستفاد بوتفليقة من الصدمة التي تركتها الحرب، حيث جعلت الجزائريين يقبلون بأي تسوية سياسية حتى لا تعود الأيام السود. واستمر ترددهم بالمعارضة حتى أواخر هذا العقد. ففي عام 2014 عندما تم انتخاب بوتفليقة بعد أن أصيب بسكتة دماغية، وكما يتذكر أحد الجزائريين كان “ميتا حيا” ولكن الجزائريين كانوا لا يزالون يتذكرون صدمة الحرب الأهلية وخافوا من تكرار التجربة. إلا أن وجود رئيس مقعد بدا في عام 2019 مشكلة أخلاقية مثلما هو مشكلة دستورية كما يقول روبرت زارتسكي في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” (26/11/2019) و”أصبح جسده المرتخي ونظراته الميتة علامة على فساد الدولة ولم يعد يستطع أن يفعل شيئا سوى مكافأة النخبة بينما يقمع البقية”. هذا الوضع الغريب ألهم خيال أصحاب النكتة مثل “حتى السرطان له أربع مراحل” و “بوتفليقة يعد بأنه سيموت إن فاز بدورة خامسة”. وبعد ضغط متواصل وشعارات مثل “عشرون عاما تكفي” تحرك الجيش وأنهى حقبة بوتفليقة. وحاول الجيش إعطاء انطباع بحدوث تغيير سياسي عبر سلسلة من اعتقال رموز النظام السابق مثل سعيد بوتفليقة.

وبعد عملية التطهير الرمزي حاول الجيش تمرير لعبة الانتخابات التي رفضتها منظمات المجتمع المدني. وقال الصحافي الجزائري أكرم بلقايد إن الاعتقالات “كانت تنازلات وليست إصلاحات. إنه تحرك كلاسيكي: لأجل البقاء حيث يضحي النظام بجزء منه”.

تحول

وطالب المتظاهرون بأن يتنحى صالح ويسمح للحكومة الانتقالية بتسلم عملها. ومع منتصف حزيران/ يونيو قدم تحالف مؤلف من 70 منظمة سياسية ومهنية تدعي تمثيل المجتمع المدني خطة مفصلة للتحول إلى نظام ديمقراطي شفاف في الجزائر. وتتميز المسألة السياسة الجزائرية بعناد الحراك والجيش الذي لم يكن أقل عنادا من المتظاهرين، إلا أن قايد صالح أثبت أنه متردد في استخدام القوة المفرطة على أمل أن يسحب البساط من المحتجين ويمرر لعبة الانتخابات. والمشكلة أن الفجوة بين الجيش الذي يمسك قائده بكل مفاصل القوة والشارع تتسع. ويرى صالح بمطالب الحراكيين “دولة مدنية ماشي عسكرية” “مؤامرة” ضد جيش خاض حرب الاستقلال وانتصر فيها، ثم هزم الإسلاميين في نهاية القرن الماضي. ولكن المتظاهرين يتعاملون مع الأمر بطريقة أخرى حيث يريدون إنهاء تحكم الجيش بالرؤساء وتسليم المدنيين السلطة. ولهذا السبب فالمرشحون الخمسة الذين اختارهم الجيش على ما يبدو لم يتطرقوا في حملاتهم الانتخابية التي قاطعها الحراك إلى هذه المسألة الرئيسية مما أثار شكوك المحتجين بأنهم مجرد استمرارية للعبة الجيش الذي يدير البلاد مهما كان رأس الدولة. والمهم في لعبة السياسة الجزائرية اليوم هو ما ستنجلي عنه الأمور، فلن تحل الانتخابات المشاكل كلها وسيرفض الجزائريون العودة إلى ما قبل شباط (فبراير) وفي الجزائر عادة ما تكون المشاركة متدنية في الظروف العادية، لكنها ستكون أسوأ بالتأكيد الخميس المقبل. وكما جاء في موقع “المونيتور” (6/12/2019) سيكون للجزائر رئيسها يوم الخميس، وربما بدعم شعبي متواضع، لكن المتظاهرين سيعودون إلى الشوارع، مما يعني استمرار الأزمة والسؤال سيكون عن الشكل الذي ستتخذه التظاهرات بعد الانتخابات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية