انتخابات الجزائر مرحلة أخرى لتأكيد شرعية النظام ولن تحل المشاكل الجوهرية أو ترضي الحراك

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

يدور الحديث في الجزائر عما ستقدمه الانتخابات التشريعية للبلاد التي جرت يوم السبت 12 حزيران/يونيو، وهي الأولى التي تجري منذ الإطاحة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي حكم الجزائر لأكثر من 20 عاما، وهو ما يفسر الفتور العام لدى الناخب الجزائري بشكل عام من كل العملية.
ورغم مشاركة 646 قائمة حزبية و837 قائمة للمستقلين حسب وكالة الأنباء الجزائرية على 407 مقاعد في البرلمان وجاءت بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون في كانون الأول/ديسمبر 2019 وإقرار دستور معدل في 2020 إلا أن غالبية الجزائريين تعتقد أن النخبة القديمة أو «السلطة» لا تزال تتحكم بمصير البلاد وليست راغبة بالتخلي عن مكاسبها التي احتفظت بها منذ استقلال الجزائر عام 1962.
وبالنسبة لبعض المرشحين فالعملية الانتخابية هذه تختلف عن عمليات سابقة لأن الفائز فيها ليس محسوما على غرار الانتخابات النيابية التي جرت في البلاد طوال العقود الماضية والتي كان يفوز بها حزب حركة التحرير الوطني الذي قادت جبهته حرب التحرير التي أدت لاستقلال البلاد عن فرنسا في الفترة ما بين 1954- 1962. فهناك أحزاب رأت بالمشاركة في الجولة الأخيرة من الانتخابات طريقة للتغيير ودخول مؤسسات الدولة، فيما رأت أحزاب أخرى، منها إسلامية، فرصة لتركيز وجودها بالمؤسسة التشريعية واستعدادا لمعارك قادمة، ذلك أن الدستور المعدل منح رئيس الوزراء والبرلمان سلطة أوسع.

لم يتغير شيء

ومع كل محاولات الدولة الترويج للعملية الانتخابية على أنها جزء من تحقيق وعود الثورة الشعبية (الحراك) الذي توقف في العام الماضي عن تظاهراته الأسبوعية بسبب انتشار فيروس كورونا واستأنف تجمعاته في شباط/ فبراير، إلا أن الحس العام هو ألا شيء سيتغير كما أشارت وكالة أنباء «رويترز» التي نقلت عن ناخبة قولها «لن أصوت لأن شيئا لن يتغير ولا شيء على الإطلاق».
ونقلت الوكالة عن مسؤول بارز سابق قوله إن استبدال بوتفليقة والبرلمان والدستور وسجن عدد من رموز النظام السابق هي أفضل وسيلة لإنهاء الأزمة التي تعاني منها البلاد منذ عقود، مع أن «الحراك» وهو حركة شعبية مؤلفة من قوى متعددة وجذب في ذروة خروجه العارمة قطاعات نقابية وشبابية وأيديولوجيات مختلفة شبابية يظل يدعو لتغيير بنية الحكم وإجراء تغييرات جذرية وإصلاحات ذات معنى وليس العودة للوضع القائم وتشريع العودة بانتخابات رمزية. وعلى خلاف ما يراه البعض من تقوية الانتخابات سلطات البرلمان فالنظام الجزائري سيظل رئاسيا، بمعنى أن الرئيس يحتفظ بجملة من السلطات والمهام ولن يغير البرلمان من طبيعة السلطة الرئاسية.

قمع غير مسبوق

وحاولت السلطة الجزائرية تصوير الانتخابات بأنها حرة، وقد تكون مصيبة من ناحية أن المشاركين في الكتل الحزبية والمستقلة لم يجدوا صعوبة في إدارة حملاتهم والتسجيل لكن السلطات لم تترك أي مجال لتأمين وضعها وتجنب فقدانها اوراق السيطرة من ناحية سجن الصحافيين والناشطين. وأشار تقرير لصحيفة «إندبندنت» (7/6/20121) إلى التصعيد الواضح من الحكومة ضد المحتجين المطالبين بالديمقراطية قبل الانتخابات. وانتقد الناشطون في الجزائر ومنظمات حقوق الإنسان في الغرب القمع الـ «غير المسبوق». وأشارت الصحيفة إلى أن الحراك وإن حافظ على تظاهراته الأسبوعية منذ عودته في شباط/فبراير العام الحالي إلا أن الناشطين عبروا عن رفضهم للانتخابات باعتبارها «صفقة عصابات المافيا». وكان العنف والاعتقال التعسفي الحالة العامة حيث تم اعتقال 15 صحافيا وتعرض بعضهم للضرب في أثناء مظاهرة واحدة في أيار/مايو. وقدرت منظمات حقوق الإنسان عدد الناشطين الذين اعتقلوا بنهاية أيار/مايو بحوالي 175 تم رميهم في سجون الجزائر. وحسب بعض التقديرات فقد دخل حوالي 3.000 شخص من أبواب السجون المكتظة منذ عودة الحراك في شباط/فبراير هذا العام. وأشار مسؤول في منظمة «هيومان رايتس ووتش» إلى اتهامات وجهت للسلطات بالقمع والضرب في زنازين الشرطة وحتى الاغتصاب. ووصف ناشطون في الحراك حس الخوف وعدم الأمن حتى في الذهاب للتسوق وكيف قضوا أيامهم والليالي يبحثون عن زملاء لهم في مراكز الشرطة. وباتت تظاهرات الحراك أصغر حجما، فمن عشرة ملايين محتج عام 2019 إلى أقل من عشرين ألفا هذا العام، وهناك عدة أسباب بالإضافة للقمع، منها الخلافات داخل الحركة الشعبية التي ليست لديها قيادة وفترة الكمون التي اضطرت لها بسبب كوفيد-19 والتي أفقدت الحركة بعضا من زخمها، مما أعطى الفرصة للدولة من أجل اسكاتها بل ومحاولة تصوير الانتخابات بأنها جزء من انتصارات الحراك، فمنذ شباط/فبراير 2019 حقق الحراك انتصارات غير مسبوقة داخل الجزائر. فقد استطاع أن يطيح بالرئيس المقعد عبد العزيز بوتفليقة والذي أشعلت خطة ترشحه لمرة خامسة حركة الحراك وأدت لولادتها. وقادت دعواته لإنهاء الفساد إلى اعتقال عدد ممن هم حول الرئيس السابق. وتزعم الدولة أن الحراك كان سببا في الانتخابات التي أدت لانتخاب الرئيس عبد المجيد تبون في كانون الأول/ديسمبر 2019 والاستفتاء على الدستور بعد عام، وقاطع الحراك في معظمه الحدثين. إلا أن «السلطة» رفضت وسط كل هذا الاعتراف بالمطلب الرئيسي للحراك وهو إصلاح النظام السياسي الذي تعزز بعد استقلال الجزائر في عام 1962 وتعرض لامتحان في أثناء الحرب الأهلية أثناء حقبة التسعينات من القرن الماضي.

الجيش لن يسمح

وينبع مطلب التغيير السياسي الكامل من سطوة الجيش على البلاد، فليس من الواضح إن كانت النخبة العسكرية مستعدة لتقبل ظهور حزب سياسي مهيمن على البرلمان وبدون أن تكون وراءه. وكما قالت ياسمينا أبو زهور بمقال بموقع «الجزيرة» (11/6/2021) فالجيش يبدو غير مستعد للإستجابة لمطالب الرأي العام والسماح بدولة مدنية ديمقراطية، ولهذا حاول احتواء الاضطرابات عبر عدد من الأساليب القمعية والسياسية مثل التعديلات الدستورية في 2020، والانتخابات التشريعية الأخيرة التي تعتبر واحدة من جهود النخبة العسكرية لتخفيف التوتر. ومن غير المحتمل تغير دينامية السلطة في الجزائر وظهور قوة أو حزب يقوم بتحدي الجيش والحد من سلطته. ومن الصعب والحالة هذه تخيل ان تكون انتخابات 12 حزيران/يونيو محفزا على التغيير في البلاد. وبحسب عبد الحق بن سعدي، استاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر الذي قال لوكالة أنباء «رويترز» فالانتخابات الأخيرة هي «جهد آخر للحصول على الشرعية بهدف رسم خريطة سياسية جديدة». وأكد نفس النقطة أندرو فراند في مقال على موقع «أتلانتك كاونسل» (10/6/2021) حيث قال إن الانتخابات الأخيرة هي آخر محاولة لإدارة الرئيس تبون الحصول على راية الشرعية التي يفتقدها بشدة. فقد قدم انتخابه والاستفتاء على الدستور النتائج التي كان يبحث عنها مع رعاته، لكن عدم المشاركة الواسعة في الحدثين أظهرا الفجوة الكبيرة التي تفصل ما بين الجزائريين وقادتهم. ففي بلد يبلغ تعداد سكانه 43 مليون نسمة فلم يشارك في الاقتراع على الدستور إلا نسبة واحد من كل سبعة أشخاص ممن يحق لهم التصويت. وطالما نفى قادة الجزائر وجود الفجوة إلا أن انطلاق الحراك في 2019 أكد وبشكل قاطع حالة الفصام بين الشعب والقيادة. فهذه الحركة التي انطلقت احتجاجا على قرار بوتفليقة أو من حوله ترشيحه لولاية خامسة جاءت نتاجا لحالة الإحباط و»الحقرة» أي الظلم والإهانة التي عاشوها بسبب النظام السياسي الذي أدخل البلاد إلى طريق مسدود. وعلى مدى سنوات قادت البلاد نخبة يعود معظم أفرادها لأيام ثورة التحرير وظلت كناد مغلق بين أفرادها الذين يعرفون بعضهم البعض ولكنهم واصلوا حكم جيل شاب طامح يريد الخروج من العزلة والتغيير. ولأن الجيل الجديد لا يرى في البرلمان إلا أداة في يد السلطة فإن التغيير لن يحدث، فلطالما تعاون الرأي العام مع نوابه بأنهم مجرد «بصيمة» على قرارات الدولة ولا قدرة لديهم على مواجهة السلطة رغم الميزات والرواتب العالية التي يحصلون عليها. كما أن مسارعة الرئيس لعقد الانتخابات البرلمانية تتناقض مع الرؤية الداعية للإحياء السياسي الشامل التي دعا إليها الحراك.

مشهد مختلف
وعلى العموم ترسم الانتخابات الحالية مشهدا مختلفا لم يعد فيه للأحزاب التقليدية مثل حركة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي السيادة المطلقة، فهي في حالة من التشتت بسبب ملاحقات الفساد، أما أحزاب المعارضة فهي ضعيفة، ولا تحظى عادة بدعم شعبي كبير وقرر معظمها مقاطعة الانتخابات. ولن تنجو هذه العملية من التهم التي توجه عادة لأي عملية انتخابية في الجزائر من التزوير المزعوم مع أن الحكومة انشأت لجنة خاصة ومستقلة في 2019 لكنها لم تكن كافية لتغيير عقول الكثيرين بشأن نزاهة الانتخابات. وفي ظل حالة التهميش التي تعرضت لها الأحزاب التقليدية، فقد ظهرت تحالفات محلية بوجوه جديدة. وعلى خلاف الجولات السابقة فالقوائم المستقلة تفوقت هذه المرة على القوائم الحزبية. لكن التدقيق في القوائم المستقلة يكشف عن حضور عدد من الوجوه المرتبطة بجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. وهناك حضور للإسلاميين مما أثار تكنهات بحصولهم على غالبية مقاعد البرلمان. ولم تحظ الحملة الرسمية للانتخابات التي بدأت في 17 أيار/مايو باهتمام وبعدد قليل من التجمعات الانتخابية والملصقات وإعلانات أخرى عن التنافس الذي يسبق العملية عادة. وانشغل الجزائريون على منصات التواصل الاجتماعي بالتعليق على ما قاله زعيم حزب صغير وتشبيهه النساء المرشحات على قائمة حزبه بـ «الفراولة» كما واتهموا المرشحين بالانتهازية والبحث عن الرواتب المجزية والنفوذ السياسي. وسيحكم الجزائريون الذين يؤمنون بنزاهة الانتخابات عليها من خلال مقياسين: حجم المشاركة وعدد الأصوات غير الشرعية. ففي السنوات الأخيرة تراجعت نسبة المشاركة في التصويت مما زاد من نسبة الأصوات غير القانونية.

فرصة للإسلاميين

ويظل الإسلاميون المعادلة المجهولة في الانتخابات وهم يكافحون للحصول على الدعم الشعبي منذ سنوات. ففي عام 1992 قام الجيش بتفكيك جبهة الإنقاذ الإسلامية التي فازت في الانتخابات وهو ما قاد إلى العشرية السوداء التي انتهت عام 2002 وقتل فيها أكثر من 200.000 جزائري. وأدى إرث هذه الحرب لتهميش الإسلاميين ومنعهم من استعادة السلطة. إلا ان أزمة الحكومة وغياب البديل القوي قد يمنحهم الفرصة للتأثير في البرلمان بعد الانتخابات. والسؤال مرتبط بقدرتهم على انتهاز الفرصة وزيادة حصتهم في أصوات الناخبين. فهم وإن حاولوا اجتذاب أصوات غير الإسلاميين إلا انهم قد يخسرون أصوات قواعدهم، المتشددة منها تحديدا. وهناك مشكلة أخرى تتعلق برغبة بعض الأحزاب الإسلامية التعاون مع الحكومة لإحداث التغيير مما يعني ابتعاد الناخبين الذين يريدون رحيل النظام بالكامل. فقد شاركت حركة مجتمع السلم بزعامة عبد الرزاق المقري بالحكومات في الفترة ما بين 1999 – 2011 قبل أن تتحول إلى المعارضة. ويمكن للأحزاب الإسلامية الأخرى مثل حزب البناء الذي حصل زعيمه عبد القادر بن قرينة على المرتبة الثانية في انتخابات 2019 الرئاسية الحصول على غالبية في البرلمان، لكنها قد لا تكون قادرة على إحداث التغيير الذي يدعو إليه الحراك. وعليه فهذه الأحزاب كما تقول ياسمين أبو زهور لا تمثل تهديدا للنظام، بل على العكس قال تبون إنه ليس منزعجا من «الأيديولوجية الإسلامية المعتدلة» ومستعد للعمل معها. ولو انتهى الأمر بالإسلاميين لقيادة الحكومة الجزائرية فسيصبحون مثل حركة العدالة والتنمية المغربية والتي كانت في المعارضة ثم أصبحت جزءا من النظام.

ظل المشاكل
وبالمحصلة فلن تنهي الانتخابات الأخيرة معضلة الحكم في الجزائر ولن تحل المشاكل المستعصية، فخلف الجدل المؤيد والمعارض لها وقمع الدولة للصحافيين والناشطين وتمرير ما ينظر إليه أجندة استمرارية النظام السابق هناك المعضلة الاقتصادية وزيادة أعداد العاطلين عن العمل واستمرار تحكم الدولة بالعملية الاقتصادية والأهم من ذلك تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي بشكل أثر على خزينة الدولة وتراجع الإحتياطي الأجنبي بنسبة 80 في المئة منذ عام 2013 ولأن الجزائر هو أكبر دولة في أفريقيا وتظل قوة عسكرية إقليمية ولديها أطول شاطئ على البحر المتوسط فأي اضطرابات شعبية ستترك أثرها أبعد من شواطئها.
في الماضي كان تاريخ النضال الوطني للنخبة التي حكمت الجزائر بعد نهاية الاستعمار حاجزا لها عن النقد ومبررا للتجاوز عن العيوب والسقطات. ومع رحيل معظم قادة الاستقلال فمن جاء بعدهم يواجهون السؤال الآتي: ما الذي يمكنه تقديمه حتى نحصل على ولاء الشعب؟ وهو سؤال ملح ومهم لمستقبل البلد لكن الانتخابات الأخيرة لن تجيب عليه. وما هو مهم بالنسبة للمؤسسة الحاكمة هو استعادة الشارع من الحراك. والسلطة تعرف أن الجزائريين الذين يحبون النقاش السياسي لا يثقون بالانتخابات ولن يندفعوا للمشاركة لعلمهم أنها لن تغير من حياتهم اليومية. وأكثر من هذا، فهم يتعاملون معها كوسيلة للبقاء في السلطة. ومهما يكن فمهمة من سيدخلون البرلمان ستكون صعبة، في ظل الشكوك والريبة من مآربهم، فهل يستطيعون بناء ثقة بين الدولة والمجتمع الجزائري بعد عامين وأكثر من المحاولات التجميلية التي قامت بها الدولة لإرضاء الرأي العام والتغلب على الحراك؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية