تأتي الانتخابات الرئاسية المصرية المقرر إجراؤها كانون الأول/ديسمبر المقبل وسط حالة احتقان اجتماعي واسع ناتج عن التضخم والارتفاع الجنوني للأسعار وعجز غالبية الأسر المصرية عن توفير احتياجاتها من السلع الأساسية.
ونتيجة لحالة الاحتقان وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة تخشى السلطات المصرية من إجراء انتخابات نزيهة قد تدفع المواطنين لحالة تصويت عقابي ضد النظام الحالي بعد فشله الاقتصادي، واختيار مرشح مواجه للسلطة للتخلص من تلك الأزمات الخانقة، خصوصا أن نغمة الخوف من عودة جماعة الإخوان للمشهد السياسي لم تعد سلاحًا كافياً لمواجهة المنافسين، والذي كان الدافع حتى وقت قريب لتحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي وبعد فشل كثير من الملفات المصيرية كملفي سد النهضة وجزيرتي تيران وصنافير.
وتجري الانتخابات الرئاسية المصرية بين 7 مرشحين محتملين هم الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، وأحمد طنطاوي النائب السابق بالبرلمان والرئيس السابق لحزب الكرامة وهو أبرز المرشحين المحتملين، وفريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وجميلة إسماعيل رئيس حزب الدستور، وعبد الستار يمامة رئيس حزب الوفد المصري، وحازم عمر رئيس حزب الشعب الجمهوري.
لكن رغم تعدد المرشحين إلا أن المنافسة تدور بشكل رئيسي بين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي وأحمد طنطاوي النائب السابق بالبرلمان المصري والرئيس السابق لحزب الكرامة. وبالرغم من إعلان فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي عن تمكنه من الحصول على تزكية من 20 نائبًا بالبرلمان المصري للترشح للانتخابات، وهو الشرط الذي يفرضه الدستور المصري الصادر عام 2014 وتعديلاته عام 2019 حيث حدد الدستور ضرورة حصول من يرغب في الترشح للرئاسة المصرية على تزكية من 20 نائبا من نواب البرلمان، أو الحصول على 25 ألف توكيل من المواطنين.
وكذلك إعلان عبد الستار يمامة رئيس حزب الوفد والمرشح الرئاسي المحتمل عن نجاحه في الحصول على تزكية من 20 نائبا من نواب الوفد في البرلمان المصري وتخطيه الشرط اللازم لترشحه. وكذلك إعلان حزب الشعب الجمهوري وهو أحد الأحزاب الموالية للسلطة عن الحصول على تزكية 44 نائبًا من نواب البرلمان لترشيح رئيسه حازم عمر في الانتخابات إلاّ أن الانتخابات تبقى كما ذكرنا بين طنطاوي والسيسي.
سلع غذائية كرشوة
وتمارس أجهزة الأمن درجات من التضييق في مكاتب الشهر العقاري مع أنصار المرشح المحتمل والنائب السابق بالبرلمان المصري أحمد طنطاوي، حيث اتهم طنطاوي في عدة تصريحات خلال الجولات التي يقوم بها لمكاتب الشهر العقاري بالمحافظات المصرية الأجهزة الأمنية بمنع أنصاره من عمل التوكيلات والتضييق عليهم والتحرش بهم، وطالب بوقف الانتهاكات وتييسر الإجراءات لأنصاره والراغبين في تحرير توكيلات لتمكينه من خوض السباق الرئاسي، وتحشد الأجهزة وبعض المؤسسات الموظفين والعاملين وتجبرهم على تحرير توكيلات للرئيس عبد الفتاح السيسي، كما يقوم عدد من رجال الأعمال التابعين للسلطة بحشد الناس من خلال توزيع كراتين فيها بعض السلع الغذائية كرشوة لتحرير التوكيلات للرئيس.
كل هذا يجري تحت سمع وبصر الهيئة الوطنية للانتخابات التي لم تتخذ أي إجراء حيال الأمر، ولم تتدخل رغم تقدم حملة طنطاوي وعبر فريقها القانوني عدة شكاوى للهيئة.
في ذات السياق رفضت الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا دعوى أقامها الفريق القانوني بحملة طنطاوي للدفاع عن حق المواطنين في مباشرة حقوقهم السياسية ولتمكين المواطنين من عمل التوكيلات بأقلام كتاب المحاكم الجزئية مع زيادة مكاتب الشهر العقاري والتوثيق للعمل بكامل طاقتها مع طلب الإشراف القضائي من قبل الهيئة على جميع مقار الشهر العقاري بدعوى عدم الاختصاص.
تغيير آمن وسلمي للسلطة
الأكثر إثارة في المشهد العبثي أن الحركة المدنية الديمقراطية وهي تجمع من الأحزاب المدنية في بيان لها طالبت السلطات المصرية بفتح المجال العام، ودبجت بياناً طويلا حول أن التغيير أصبح ضرورة ملحّة وأن استحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة يأتي في سياق أزمة مستحكمة يمر بها الوطن وأنها تنظر للانتخابات الرئاسية المقبلة باعتبارها فرصة لتغيير آمن وسلمي للسلطة لرفع المعاناة عن الملايين وشحن طاقات الأمل ووقف حالة التردي.
وبالرغم من هذا البيان الطويل للحركة المدنية إلّا أنها فشلت في الاتفاق حول مرشح رئاسي واحد تقف خلفه، وكانت الحركة قد استقبلت المرشح الرئاسي أحمد طنطاوي رئيس حزب الكرامة السابق وأحد أحزاب الحركة بناءً على طلب منه وأجرت معه حوارًا موسعًا حول برنامجه، كما أدارت حوارًا مع فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي أعلن عن ترشحه، وجميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور التي أعلنت هي أيضا عن ترشحها.
وتمسك جميع المرشحين بموقفهم ورفضوا الاتفاق حول معايير موضوعية لاختيار مرشح تلتف حوله الحركة، أو تشكيل فريق رئاسي من الأحزاب المشاركة في الحركة وبعض الشخصيات العامة، ما يؤكد على إخفاق الحركة المدنية الديمقراطية التي تمثل في الوقت الراهن الإطار الواسع للمعارضة المدنية، ووصل الأمر إلى حد التراشق بين أنصار المرشحين الثلاثة على صفحات التواصل الاجتماعي، واتهم أنصار طنطاوي المرشحين الآخرين بشق الصف وبالترشح بناءً على تعليمات وترتيبات أمنية، ورد أنصار كل من المرشح الرئاسي فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي والمرشحة الرئاسية جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور على أنصار طنطاوي باتهامه بالديكتاتورية وبإعلانه الترشح دون الرجوع لأحد أو التشاور مع أحد حتى دون التشاور مع قيادات الحزب الذي شغل سابقا موقع رئيسه ويحتفظ بعضويته ودون انتظار تصويت الحزب على قرار ترشحه.
المشهد الانتخابي في مصر عبثي بامتياز، ويبدو أننا أمام انتخابات مشفرة تجري على طريقة استعراض الرجل الواحد، فالسلطة متمسكة بمكانها وتمارس حالة تضييق واسعة على المعارضة، وهو ما يغلق الأفق أمام إحداث تغيير آمن وسلمي، وهو الأمر الذي يزيد من حدة حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي وسط تخوفات من قرار بتخفيض جديد لقيمة الجنيه المصري وهو ما يدفع المزيد من الشرائح الاجتماعية إلى أسفل الهرم الاجتماعي، لتصبح البلاد عرضة لحالة انفجار اجتماعي قد يأخذ في طريقه الأخضر واليابس.