باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله:
لم تكن المناظرة بين نيكولا ساركوزي وسيغولين روايال حاسمة كما كان متوقعا لها ولم تساعد المترددين في حسم مواقفهم حسب استطلاعات الرأي. الاتجاه العام للرأي في فرنسا يميل إلي أن المناظرة لم يكن فيها منتصر ومنهزم حتي وإن أظهرت قدرة أعلي واضحة لمرشح اليمين علي الجدل والمحاججة من قدرة سيغولين، في حين يُبيِّن تحليل مضمون المناظرة أن كلي المرشحين سجل نقاطا وخسر أخري في رده علي أسئلة و تحديات الآخر. علي سبيل المثال، وإن كان نيكولا ساركوزي قد بدا أكثر فصاحة ودقة و مصداقية في تدخلاته، من حيث الشكل علي الأقل، إلا أنه تعثر في مسائل معينة عندما لم يجد ما يرد به علي عدم بذل اليمين المجهودات الضرورية لتوفير السكن الذي بدأ يتحول إلي كابوس فعلي بالنسبة للفرنسيين. كما كشف النقاش أن نيكولا ساركوزي الذي يريد أن يصبح رئيس فرنسا لا يفهم كثيرا في الملف النووي وصححت له منافسته معلوماته. كذلك بدا موقفه ديماغوجيا فيما يتعلق بإعلانه تأمين فرصة التعلم لكل الأطفال المعوقين في الوقت الذي كان اليمين في السابق قد منع مشروعا اشتراكيا للتكفل التربوي بهذه الشريحة الاجتماعية، مما أثار حفيظة روايال ضد اقتراح ساركوزي.
علي كل، تؤكد استطلاعات الرأي، علي نسبيتها، عدم توصل المناظرة إلي قلب موازين حظوظ المتنافسيْن، وهي التي حبست أنفاس الفرنسيين خلال سهرة الأربعاء و ألزمتهم البقاء في البيوت أو التجمع في المقاهي والمطاعم لمتابعتها علي شاشات التلفزيون والتصفيق والهتاف كلما سجل أحد المرشحين نقاطا علي الآخر، وكأن الأمر يتعلق بتسجيل زين الدين زيدان لهدف في مقابلة مصيرية للمنتخب الفرنسي لكرة القدم. لم تكن المناظرة، إذن، حاسمة، والاستطلاع الذي قام به معهد أوبينيون وِيْ مباشرة بعد انتهاء المناظرة ونشره الموقع الإلكتروني للصحيفة الفرنسية لو جورنال دي ديمانش يؤكد تقريبا نفس نسب الحظوظ والاتجاهات الانتخابية المعهودة بالنسبة لكلي المرشحين، 54 بالمئة لساركوزي مقابل 46 بالمئة للاشتراكية سيغولين روايال. الحزب الاشتراكي اعترض علي استطلاع أوبينيون وي معتبرا إياه غير مطابق للواقع، إلا أن نتائج عمليات سبر آراء أخري تراوحت هي أيضا ما بين 52 إلي 54 بالمئة لساركوزي مقابل 46 إلي 54 بالمئة لروايال. المرشحة الاشتراكية عبرت في التجمع الأخير الذي نظمته الجمعة في إقليم لابروتانْي عن عدم رضاها عن عمل مؤسسات استطلاع الرأي ملمحة إلي عدم التزامها الحياد و دعت إلي الصمود، علي حد تعبيرها، في وجه الوسائط الإعلامية المرتبطة بصداقات مع السلطة.
مع ذلك، لا يمكن، حتي الآن، لساركوزي الاستعجال في اعتبار نفسه الرئيس الجديد لفرنسا، لأن عنصرا طارئا قد يؤدي إلي إعادة النظر في تفوقه خلال الحملة الانتخابية و يساهم بفعالية في الدفع بنتائج التصويت في الدور الثاني باتجاه آخر. يتمثل هذا العنصر في إعلان الوسطي فرانسوا بايرو، رئيس الاتحاد من أجل الديمقراطية في فرنسا، علي صفحات جريدة لوموند الفرنسية الجمعة، أنه لن يمنح صوته لمرشح اليمين نيكولا ساركوزي. هل ستكون لهذا الإعلان آثار علي خيارات القاعدة الوسطية؟ لن يُعرف ذلك، دون شك، قبل التصويت الأحد المقبل. تعد مدينة شاتوبورغ الصغيرة، الواقعة في إقليم لا بْروتانيْ والتي لا يتعدي عدد سكانها 5600 نسمة، من بين المترددين في تحديد خياراتهم الانتخابية بعد أن صوتت لفرانسوا بايرو بالأغلبية في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، ولم تساعدها المناظرة الأخيرة بين المرشحيْن في حسم موقفها. لا شك أنها ليست الوحيدة في هذه الوضعية لأن التردد يسيطر علي شريحة هامة من المصوتين ولا زال يشكل مجهولا آخر كفيلا بقلب الموازين في مكاتب التصويت. وقد أشار استطلاع معهد أوبينيون وِيْ إلي أن 53 بالمئة فقط من المستجوَبين الـ1400 قالوا إن المناظرة بين روايال وساركوزي ساعدتهم علي تحديد لِمن سيمنحون أصواتهم، فيما لا يزال 41 بالمئة لا يعرفون لمن سيصوتون. لكن لماذا يتردد هؤلاء؟ المحللون يرون أن لدي الفرنسيين ثلاثة اهتمامات أساسية، كما تبين ذلك من سير الحملة الانتخابية. أولها الحاجة إلي تثبيت النظام و الأمن خاصة في الضواحي، ثانيها البحث عن حماية اجتماعية – اقتصادية من الآثار السلبية للعولمة علي حياتهم اليومية، وثالثها تغيير أسلوب إدارة البلاد خارج حتمية الازدواجية السياسية يمين ـ يسار. إلا أن إمكانية تجسيد هذه المحاور مشتتة بين المرشحين وبرامج اليمين واليسار وحتي الوسط، مما يعقد عملية الاختيار وتحديد الأولويات ويفرض التريث والتردد بعد أن اتضح أن الفرنسيين قد أعطوا الأولوية للمحورين الأول والثاني في الدور الأول من الانتخابات. في هذه الأثناء، تواصلت الجمعة آخر حلقات برامج ساركوزي وروايال الانتخابية التي انتهت مع حلول منتصف الليل. وفيها تصرف كلاهما تصرّف الواثق من الفوز علي خصمه. قالت روايال أمام عشرين ألفا من أنصارها في تجمع مدينة مونبلييه، جنوب فرنسا، إن النصر في متناول الاشتراكيين، داعية الفرنسيين إلي إظهار الجرأة في التصويت لامرأة من أجل بناء فرنسا خالية من العنف والخشونة. ساركوزي من جهته دعا إلي التعبئة للقضاء علي التردد وعلي الخوف والقلق في البلاد، ابتداء من الأحد المقبل، علي حد قوله، عندما يصبح رئيسا لفرنسا.
من جهة أخري، ألقي كبار الشخصيات السياسية لدي الطرفين بثقلهم في الحملة للتأثير في الرأي العام، علي غرار الاشتراكييْن ليونيل جوسبان وميشال روكار واليميني نيكولا ديبون اينيون حيث دعا كل طرف لسد الطريق في وجه مرشح الطرف الآخر. وستكشف الصناديق يوم الأحد في وجه من سيسد الفرنسيون الطريق.