الناصرة- “القدس العربي”: يخشى الإسرائيليون من فشل الجولة الرابعة من الانتخابات العامة المقررة في شهر مارس/ آذار المقبل، في وقف عدم الاستقرار السياسي وبالتالي الذهاب لانتخابات خامسة في ظل استمرار خطر جائحة كورونا وتبعاتها الاقتصادية الصعبة.
ويبدو أن رئيس حزب “يمينا” نفتالي بينيت هو الذي يملك مفتاح التغيير وبيده القرار بمنع جولة انتخابية خامسة من خلال المشاركة في حكومة تستبدل حكومة نتنياهو، وإنهاء حكمه المتواصل على التوالي منذ 2009. حتى الآن ورغم الضغوط المتصاعدة عليه من قبل وسائل الإعلام وأوساط سياسية غير قليلة، يواصل بينيت الامتناع عن إعلان التزامه بعدم المشاركة في حكومة بقيادة نتنياهو رغم فساده، ورغم اتهامه من قبل بينيت أيضا بالفشل في مواجهة كورونا.
وتظهر استطلاعات رأي كثيرة جدا أن هناك حالة تعادل بين معسكر نتنياهو وبين معسكر المعارضين له، فيما يقف حزب “يمينا” بينهما، وهو قادر على ترجيح الكفة لأحد المعسكرين طبقا لكل الاستطلاعات التي تؤكد أنه لا حكومة لنتنياهو بدون “يمينا”. غير أن نفتالي بينيت الطامح لوراثة نتنياهو كرئيس حكومة، لا يحظى في الاستطلاعات سوى بـ11-13 مقعدا، ويتقدم عليها حزبان معارضان لنتنياهو هما “الأمل”( 14-18 مقعدا) بقيادة المنشق عن “الليكود” جدعون ساعر، وحزب “هناك مستقبل” برئاسة النائب يائير لابيد (18-20 مقعدا وفق الاستطلاعات).
وفي ظل الضغوط عليه للكشف عن موقفه وعدم لفّ نفسه بالضبابية، قال نفتالي بينيت، إنه يقبل بمشاركة يائير لابيد في حكومته، لكنه يرفض الانضواء في ائتلاف برئاسة لابيد لاعتباره “يسارا”. وتبعه بذلك أيضا جدعون ساعر (أعلن موقفه الرافض للانضمام لحكومة يشكلها نتنياهو في أي ظرف) في موقف مطابق ينمّ ربما عن تنسيق مسبق بينه وبين بينيت، مما يعني تعقيد الصورة الانتخابية وفشل أي من المعسكرين من تشكيل حكومة جديدة. إذ تفيد كافة الاستطلاعات في الأسبوعين الأخيرين أن نتنياهو لا يستطيع تشكيل حكومة حتى مع انضمام نفتالي بينيت له.
ومع ذلك، يجمع المراقبون والمحللون أن “بيضة القبان” في الصراع الإسرائيلي الداخلي على سدة الحكم هي بيد نفتالي بينيت، بعدما كانت في جولات سابقة بيد رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، الذي تحول من صديق وحليف إلى خصم لدود لنتنياهو في السنوات الأخيرة لأسباب شخصية. وفيما كانت استطلاعات الرأي في الانتخابات السابقة بجولاتها الثلاث تضع ليبرمان خارج الكتلتين المتنافستين، بات بينيت يحتل هذا الموقع في الاستطلاعات الحالية، لكن الفرق بينه وبين ليبرمان أن انحياز الأخير لإحدى الكتلتين كان كافيا لترجيح كفتها في معظم الاستطلاعات والسيناريوهات، أما بينيت، ففي معظم الاستطلاعات قد لا يرجح كفة كتلة اليمين (مريدي نتنياهو) تحديدا، في مواجهة كتلة (رافضي بقاء نتنياهو في الحكم).
وحسب رصد القناة العبرية الرسمية لكافة استطلاعات الرأي منذ بداية فبراير/ شباط 2021 حتى الآن، فإن معدل ما يمكن أن تحصل عليه كتلة اليمين (الليكود والأحزاب الحريدية والصهيونية الدينية و”يمينا”) يتأرجح بين 58 – 59 مقعد، وهذه ليست كافية لتشكيل ائتلاف حكومي حسب قانون أساس: الحكومة.
ودخل بينيت عالم السياسة في إسرائيل من الباب الذي أتاحه له بنيامين نتنياهو بصفته زعيما للمعارضة في الكنيست عام 2005، بتكليفه مهام إدارة طاقمه. وبينيت ذو خلفية عسكرية (رائد في الاحتياط من وحدة استطلاع هيئة الأركان العامة “سييرت متكال”)، كما أسس وعمل في شركتين في مجال الأمن الإلكتروني. وقد انتخب عضوا في الكنيست الـ19 في انتخابات 2013 على رأس حزب “البيت اليهودي” وحصل على 12 مقعدا. وتولى عدة وزارات في حكومات نتنياهو. كما أصبح عضوا في المجلس الوزاري السياسي- الأمني ورئيس المجلس الوزاري المصغر لخفض غلاء المعيشة. وبعد مخاضات ومعارك سياسية، أسس هو ووزيرة القضاء السابقة أييلت شاكيد حزب “يمينا” الذي يقوده حاليا وحصل في الانتخابات الأخيرة في ربيع 2020 على ستة مقاعد، وانشق عنه ثلاثة من أعضائه، فبقي بينيت وشاكيد ومتان كهانا حاليا ممثلين للحزب في الكنيست. واللافت المثير أن بينيت وشاكيد فشلا في الانتخابات العامة التي جرت في ربيع 2019 في الحصول على أي مقعد لحزبهما الذي شكلاه باسم “اليمين الجديد” بعد انشقاقهما وهما وزيران عن حزب “البيت اليهودي”، وباتا وزيرين غير أعضاء في الكنيست، وانتهى بهما الأمر إلى الطرد من الحكومة بقرار من نتنياهو.
ويستذكر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أنه قد سبق ذلك، تصاعد المواجهات على السياج المحيط في قطاع غزة ضمن فعاليات “مسيرات العودة” خلال 2018، وبعض المواجهات العسكرية التي شملت إطلاق الصواريخ من قطاع غزة. وصعّد بينيت من انتقاداته لسلفه في وزارة الأمن أفيغدور ليبرمان، واتهمه بالعجز عن الانتصار في مواجهة الفلسطينيين في غزة، مطالبا نتنياهو بسحب هذه الوزارة من ليبرمان وتكليفه بها. ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن بينيت قوله وقتها: “توجهت بطلب إلى رئيس الحكومة كي يكلفني بمهام وزير الأمن من أجل تحقيق هدف واحد فقط، هو إعادة إسرائيل إلى الانتصار، ولتغيير مسيرة السفينة الأمنية الوطنية”.
واستمرت انتقادات بينيت لليبرمان وأحيانا لنتنياهو، حتى تسلم وزارة الأمن وانعكست تصريحات بينيت هذه في استطلاعات الرأي لصالحه قبل تسلمه وزارة الأمن فصعد حسب استطلاع لصحيفة “معاريف” في يونيو/ حزيران 2019 من ثمانية إلى عشرة مقاعد تاركا ليبرمان خلفه بستة مقاعد، الأمر الذي دفع ليبرمان لاحقا إلى تبني خطاب بينيت التصعيدي في محاولة منه لاستعادة بعض تأييد الإسرائيليين له عبر الادعاء أن نتنياهو هو الذي يمنعه من الرد بشدة على “مسيرات العودة” وإطلاق البالونات الحارقة من القطاع، وصولا الى استقالة ليبرمان من وزارة الأمن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 ودخول إسرائيل في ثلاث جولات انتخابية.
ومع شعور نتنياهو بالضيق بسبب تصريحات بينيت المنتقدة لسياساته تجاه قطاع غزة (عبر انتقاد ليبرمان) من ناحية، وخوفه من انضمام بينيت إلى “أزرق أبيض” من ناحية أخرى، تم تكليفه بوزارة الأمن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، فكان أداؤه نسخة ثانية عن أداء ليبرمان الذي كان محكوما باعتبارات نتنياهو السياسية لتجنب مواجهة عسكرية في قطاع غزة في ظل أجواء انتخابية. دفع هذا الأمر بينيت نفسه لاحقا لتكرار اتهامات ليبرمان لنتنياهو بأنه هو الذي كان يكبل يديه تجاه شن عملية عسكرية ضد القطاع. ونقل موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن بينيت قوله في مايو/ أيار 2020 إن “نتنياهو ضعيف في مواجهة حماس، سنذهب إلى صفوف المعارضة”، تاركا الائتلاف الحكومي.
ويلاحظ مركز “مدار” أيضا أن التقارب والتباعد بين نتنياهو وبينيت لم يكن محصورا في المستوى السياسي، بل تعداه إلى المستوى الشخصي، ويبدو أن أثره بقي حاضرا في علاقتهما. وقد كشفت القناة العبرية الثانية عشرة في ديسمبر/ كانون الأول 2019 أن نتنياهو طلب من شاؤول ألوفيتش، مالك موقع “واللا” الإخباري، مهاجمة جيلات، زوجة نفتالي بينيت، والتشكيك بالتزامها بتعاليم الدين اليهودي، الأمر الذي أغضب بينيت ودفعه لمطالبة نتنياهو بالاعتذار لزوجته، واصفا محاولة إلحاق الأذى بها بأنها “تصرف حقير وجبان”.
لا يخفي نفتالي بينيت طموحه في الوصول لمنصب رئيس الحكومة، فهو يصف نفسه على حساباته الشخصية الموثقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنه “مرشح لرئاسة الحكومة، وزير الدفاع العشرون لإسرائيل، رئيس حزب يمينا”، إضافة إلى وجود موقع إلكتروني يقود إلى حسابات بينيت هذه، وهو تحت عنوان “نفتالي بينيت لرئاسة الحكومة”. مع ذلك، يحاول بينيت حاليا إظهار أنه على مسافة واحدة -نوعا ما- من طرفي التنافس (كتلة مريدي نتنياهو وكتلة مناهضيه)، لذلك فإنه يتعرض لضغوط من الطرفين لاتخاذ موقف صريح. ويضغط معسكر المعارضة تحديدا على بينيت لتحديد موقفه من نتنياهو بشكل خاص. وفي رسالة رسمية وجهها ليبرمان بتاريخ 17 فبراير/ شباط 2021 لبينيت طالبه بالإعلان عن موقفه تجاه مشروعي قانونين يمكن أن يمنعا أو يمنحا نتنياهو الحصانة من المحاكمة. والقانونان هما تعديل قانون الحصانة الحالي لأعضاء الكنيست، أو “القانون الفرنسي” الذي يمنع محاكمة رئيس حكومة خلال فترة توليه منصبه. وطالب ليبرمان بينيت حسب صحيفة “معاريف” التي نشرت الرسالة، بضرورة الإفصاح لجمهور الناخبين عن موقفه من مشروعي القانونين. لكن حزب “يمينا” تهرب من الإجابة عن تساؤلات ليبرمان وكتب ساخرا مزاودا على ليبرمان: “يا إيفيت (اسم ليبرمان الروسي)، بينيت مشغول حاليا في معالجة مصادر دخل مواطني إسرائيل، عليك التوجه بالسؤال إلى إسماعيل هنية فلديك الكثير من وقت الفراغ لألاعيبك”.
في المقابل، يسعى المنشق عن الليكود ومؤسس حزب “أمل جديد” جدعون ساعر إلى استقطاب بينيت، وكتب في تغريدة على “تويتر” الخميس الماضي: “نفتالي بينيت، من المهم لإسرائيل أن نكون معا ونحدث تغييرا في الدولة”. معتبرا أن مصلحة اسرائيل تقتضي تغيير نتنياهو من أجل توحيد الشعب وإقامة حكومة مستقرة. وقال إن حزبه “أمل جديد” سيركز على ذلك فقط. وتابع: “أنت لست نداً لنا، واستمرار الصراع بيننا يخدم نتنياهو وحده. لذلك سنوقف من ناحيتنا هذا الصراع، حتى لو كان من طرف واحد”. وجاءت هذه الرسالة من ساعر لبينيت بعد يوم واحد من اتهامه لساعر بمحاولة تشويهه عبر نشر معلومات مسيئة له عبر صفحات مجهولة ممولة، تبيّن لاحقا بعد تحقيق لجنة الانتخابات الإسرائيلية أن بعض ممولي المنشورات المسيئة لبينيت هم محامون يمثلون حزب ساعر.
وحسب القناة العبرية 12 التي نشرت هذه التفاصيل، فإن حزب “أمل جديد” اتهم بينيت بأنه “يخدم نتنياهو ويسعى إلى القضاء على فرصة من قد يشكل بديلا له”. وبهذا السياق يقول الكاتب شموئيل روزنر في تحليل نشرته صحيفة “معاريف” إن قادة الحكومات الإسرائيلية الذين اعتبر فوزهم بالانتخابات انقلابا سياسيا، كانوا مدعومين بعشرات أعضاء الكنيست من أحزابهم.
وإذا سعى بينيت إلى تناوب رئاسة الحكومة، فإنه قد يقترح على نتنياهو تولي المنصب مدة ثلاث سنوات، وهو سنة واحدة، حسب عدد مقاعد حزبيهما، 30 لليكود، و10 لـ”يمينا”، لكن سيشترط بينيت أن يتولى هو السنة الأولى في الحكومة الجديدة، كما يقول روزنر، على مبدأ أن يتفرغ نتنياهو في هذه السنة لمحاكمته، وقد يتولى رئاسة لجنة الخارجية والأمن لأنه لا يستطيع تولي أي منصب وزاري كونه يواجه تهما جنائية.
هذا هو السيناريو الذي قد يضع بينيت في حكومة واحدة مع نتنياهو، وفي المقابل يطرح روزنر سيناريو آخر، قد يحرم بينيت من محاولة ابتزاز الأحزاب الكبيرة (الليكود ويوجد مستقبل)، وذلك باتفاق نتنياهو ولابيد على أمر واحد يعلنانه بعد الانتخابات، وهو أن الليكود أو “يوجد مستقبل” فقط، بصفتهما الحزبين الأول والثاني في الكنيست، هما اللذان سيشكلان أية حكومة (ليس ضمن تحالف بينهما)، وفي حالة رفض نفتالي بينيت ذلك، فإنه سيتحمل مسؤولية ذهاب إسرائيل إلى انتخابات خامسة.
ويمكن في هذه الحالة أن يقدم لنتنياهو عرضا يحصل حزب “يمينا” بموجبه على وزارتي الأمن له، والقضاء لأييلت شاكيد، مقابل ائتلاف حكومي مستقر. لكن العرض سيتضمن شرطا على نتنياهو، هو قيام بينيت بحل الحكومة وبالانضمام لمنافسي نتنياهو لتشكيل حكومة بديلة في حالة إقدامه على أية خدعة.
وفي ظل هيمنة الاعتبارات الذاتية وتفضيلها على مصالح عامة، يبدو أن “بيضة القبان” بينيت يفضل الذهاب لنتنياهو مشاركا في حكومته كوزير، على أن يكون وزيرا في حكومة بديلة برئاسة ساعر أو لابيد. لكن السيناريو الأكثر عملية أن لا يملك نتنياهو الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، مما يعني عندئذ طغيان خيار الانتخابات الخامسة.