لندن – «القدس العربي»: يبدو أن الخوف من إحتمال تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العمال والحزب الوطني الاسكتلندي، والذي وصفته الصحف اليمينية الشعبية بأنه سيناريو «كابوسي» أتى لصالح حزب المحافظين الذي إستمتع الخميس بليلة إنتخابات وصفها «بليلة قوية للغاية» بعد فوزه بالغالبية المطلقة من مقاعد مجلس العموم وحصوله على 326 مقعدا من بين 650 بات بموجبه قادرا على تشكيل الحكومة بمفرده. أما حزب العمال المعارض فقد عانى من ليلة وصفها «محبطة للغاية» بعد خسارة ثقيلة اقتصرت نتائجها على 230 مقعدا فقط أي 48 مقعدا أقل من سنة 2010. وشهدت عدة أحزاب استقالة جماعية لرؤسائها بعد خسارة قاسية، أبرزهم زعيم حزب العمال، إد ميليباند وزعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين نيكولاس كليغ. وفي اسكتلندا، التي كانت يوما معقلا لحزب العمال، فاز الحزب القومي الاسكتلندي بكل المقاعد التي تم فرزها في هزيمة ساحقة لحزب العمال في معقله التقليدي.
ويأمل كاميرون بعد فوزه الساحق في الانتخابات العامة في أن يشكل حكومة في الأيام المقبلة. وقال إنه سيمضي قدما في إجراء استفتاء على بقاء بلاده عضوا في الاتحاد الأوروبي. وأضاف في تصريحات للإعلام بعدما زار الملكة اليزابيث لبدء إجراءات تشكيل حكومة جديدة «نعم سنجري هذا الاستفتاء بشأن مستقبلنا في أوروبا».
كما وعد كاميرون اسكتلندا بأكبر تفويض للسلطة «في العالم» وقال إنه سيمضي قدما وبأسرع ما يمكن في خطة تمنح المزيد من السلطات لاسكتلندا التي صوتت أغلبية ساحقة فيها للحزب القومي الاسكتلندي الموالي للاستقلال عن بريطانيا. وقال كاميرون من مكتبه في لندن، أنه «حان الوقت لكي نكون معا، لضمان أن تعافي الاقتصاد سيصل إلى كافة أنحاء البلاد ونحن على حدود شيء مميز».
وبعد الهزيمة الساحقة التي لحقت بحزب العمال المعارض واستقالة زعيمه إد ميليباند قال في اجتماع للحزب أن بريطانيا تحتاج إلى حزب عمال قوي يمكنه إعادة بناء نفسه بعد هذه الهزيمة حتى يتسنى للحكومة دعم العاملين مرة أخرى. وأضاف ميليباند الذي انضم للحزب في عمر 17 عاما: ”الآن حان الوقت كي يتولى شخص آخر قيادة هذا الحزب.. كانت ليلة محبطة وصعبة للغاية لحزب العمال”. وأضاف ميليباند الذي أقر فعليا بالهزيمة أنه يشعر «بأسف عميق» لما حدث في أماكن أخرى في بريطانيا خاصة في اسكتلندا حيث قال ان صعود التيار القومي طغى على حزبه.
وغرد على تويتر: «انه يوم حزين لكن المعركة مستمرة. حزب العمال سيواصل الدفاع عن العمال». وأضاف ميليباند انه متشوق للعودة إلى زوجته جستين وولديه الذين قال انه اهملهم قليلا خلال الحملة الانتخابية.
وبالإضافة إلى ميليباند، فقد أعلن زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين، نيكولاس كليغ، والذي يشغل منصب نائب رئيس الحكومة، استقالته من رئاسة الحزب، الذي كان شريكاً في الائتلاف الحكومي خلال السنوات الماضية، بعد خسارة الحزب لأكثر من 47 من مقاعده، حيث خرج من الانتخابات الأخيرة بثمانية مقاعد فقط.
وقال في مؤتمر صحافي وقد بدا عليه الارهاق «من الواضح ان النتائج قاسية أكثر مما خشيت». «يجب ان أتحمل المسؤولية ولذلك أعلن أنني سأستقيل كزعيم للديمقراطيين الأحرار. ستجرى الآن انتخابات للزعامة طبقا لقواعد الحزب». وقال إن نائب الحزب هاريت هارمان سيتولى مهامه لحين انتخاب زعيم جديد.
كما أعلن نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، استقالته من زعامة الحزب بعد خسارته في الانتخابات وفشل في مسعاه للفوز بمقعد في البرلمان.
وفي خطاب استقالته، ألقى باللائمة في هزيمته على الناخبين المحتملين لحزب استقلال المملكة المتحدة لاختيارهم المحافظين لأنهم «كانوا خائفين للغاية» بسبب امكانية تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العمال والحزب الوطني الاسكتلندي. وخسر فاراج المقعد البرلماني لصالح مرشح حزب المحافظين كريغ كريغ ماكينلي، نائب سابق لزعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، في دائرة ساوث ثانيت.
وقال وزير المالية البريطاني جورج اوزبورن ان الحكومة المقبلة أمامها مهمة أساسية هي توحيد البلاد بعد انتخابات شهدت صعودا قويا للقوميين في اسكتلندا. وقال في خطاب النصر بعد اعادة انتخابه في البرلمان وفوزه بمقعد في تاتون في شمال غرب انكلترا «جمع شمل المملكة المتحدة.. هي من المهام الكبرى التي نواجهها الآن».
لماذا خسر حزب العمال؟
كشف بحث بريطاني أنّ 95٪ من الأعمدة الرائدة في الصحافة البريطانية كانت تروج ضد حزب «العمال» قبل بدء الانتخابات العامة. وأكد بحث عن معايير وسائل الإعلام أنّ 77٪ من الصحف الإنكليزية كانت ضد ميليباند، من بينها صحيفة «صن» التي كانت أكثر معارضة لحزب «العمال» وزعيمه عن ما كانت عليه إبان تغطية الانتخابات التي جرت عام 1992 حيث صورت حينها نيل كينوك على هيئة مصباح. وبين البحث أن روبرت مردوخ وبخ الصحافيين في «صن» لعدم تنفيذهم العمل الكافي، محذرًا من عواقب فوز ميليباند على مستقبل الصحافة في المملكة المتحدة، الأمر الذي رد عليه ميليباند قائلًا بأنه سيتخذ جميع الإجراءات القانونية ضد مردوخ، في مراجعة للقواعد المنظمة للملكية في وسائل الإعلام في المملكة المتحدة.
من جهتها، دعت صحيفة «الغارديان» البريطانية الناخبين إلى التصويت لصالح حزب العمال في الانتخابات العامة المقبلة، عازية ذلك إلى اعتقادها أن «بريطانيا بحاجة إلى إتجاه جديد». وذكرت الصحيفة، التي أيدت حزب الديمقراطيين الأحرار في عام 2010، في افتتاحية أنها تعتقد أن زعيم حزب العمال إد ميليباند لديه «مرونة مطلوبة». وخلصت إلى القول إنها لم تكن يوما داعمة لحزب العمال، وهي ليست كذلك حاليا، لكنها رأت بوضوح أن حزب العمال «يوفر أفضل أمل» للبدء في معالجة القضايا المضطربة التي تواجه البلاد.
طبيعة العلاقة بين كاميرون وإسرائيل
قالت صحيفة «هآرتس» أن المملكة المتحدة قد لا تكون بعد الآن لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية، إلا أن رئيس وزرائها لا يزال قادرا على العمل بهدوء لدعم الدولة اليهودية. وأضافت الصحيفة أن الاحتمال المعقول أن يخسر ديفيد كاميرون الإنتخابات العامة يجعل الدبلوماسيين وجماعات الضغط الإسرائيلية في لندن تشعر بالقشعريرة. وبطبيعة الحال، فإنهم رسمياً لا يتدخلون في السياسة الداخلية، ولكنهم يجمعون على أنه لم يكن هناك قط رئيس وزراء مؤيد لإسرائيل مثل كاميرون.
وهناك مظهر آخر يعبر عن التقارب وكان أثناء عملية «الجرف الصامد» التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة الصيف الماضي عندما رفض المحافظون لعدة أسابيع مطالب شركاء الائتلاف رؤساء الحزب الليبرالي الديمقراطي، المنتقد لإسرائيل، بإدانة القصف الإسرائيلي على أهداف في قطاع غزة.
وكان كاميرون قد قال إن إسرائيل كانت محقة في الهجمات التي شنتها على غزّة صيف العام الماضي للدفاع عن نفسها في تصريحه لصحيفة
«جويش كرونيكل» الأسبوعية: وقال: «إن إسرائيل تعرضت لاعتداءات عشوائية، وأنا على الصعيد الشخصي أشعر بضرورة الوقوف إلى جانب إسرائيل، وحقها في الدفاع عن نفسها». واصفًا الشعب الإسرائيلي بـ «المحب للسلام».
الإنتخابات في عيون الجالية العربية والمسلمة
جرت الانتخابات في وقت يشهد فيه العالم العربي حروباً كبيرة تشارك فيها الحكومة البريطانية إما بالدعم السياسي أو العسكري كما أتت في وقت يثير فيه المسلمون أسئلة جدّية حول العداء الذي يعانون منه بفعل سياسات الأحزاب السياسية. وقال محمد العربي زيتوت عبر تويتر: «إنتخابات بريطانيا تؤكد مسارا متصاعدا لإتجاه أوروبا نحو اليمين واليمين المتطرف نتجه لمزيد من العداء للأجانب وخاصة للمسلمين».
وقالت مها الدراج: انتخابات العراق- انتخابات بريطانيا: الأولى صارت مثل النتيجة الجاية من مكة على جمل والثانية حبس أنفاس خلال 12 ساعة فقط.
من جهته قال لينزي جيرمان من منظمة «أوقفوا الحرب» أن المناظرات التلفزيونية للأحزاب تجاهلت تماما أي دراسة جادة لسياسة الحكومة الخارجية، أو أي إقتراح لإجراءات أخرى حول التدخل العسكري واقتصرت على التمسك بالسياسة الخارجية الأمريكية.
كما تم تجاهل تورط بريطانيا في الحروب الخارجية من قبل الأطراف الرئيسية في الانتخابات العامة في المملكة المتحدة. وقال جيرمان: «لا تذكر الحروب. هذا هو إجماع الحزبين الرئيسيين في هذه الانتخابات». إلا أن هذه القضية تدل ربما أكثر من أي شيء على الضرر الذي حققه التوافق السياسي في هذا الصدد. وقال جيرمان أن حرب العراق، التي بدأت منذ اثني عشر عاما، تعتبر أحد أسباب تراجع دعم حزب العمال على مدى العقد الماضي، وأحد أسباب صعود SNP (التي عارضت الحرب في عام 2003).
فإد ميليباند عارض قصف سوريا قبل عامين، مما ساعد على تحقيق انتصار مهم للحركة المناهضة للحرب إلا أنه دعم قصف العراق وشدد على التزامه الخطوط العريضة للسياسة الخارجية على غرار بلير، براون وكاميرون.
ويرى بعض البريطانيين من العرب والمسلمين أن معظم الأحزاب فشلت في إيجاد حل جدي لمكافحة التطرف. ولذلك يعتمد البعض في خياراتهم الانتخابية على ما تتضمنه برامج الأحزاب المتنافسة ومدى تجاوبها مع تطلعاتهم.
وتعتمد فئة الشباب العربي والمسلم على برامج الأحزاب في التعليم والتوظيف وتوفير الخدمات الاجتماعية في مناطق تواجدهم. وبحسب موقع روسيا اليوم فإن أول هاجس يشغل بال الجالية الإسلامية هو تفاقم ظاهرة «الإسلاموفوبيا» أو معاداة الإسلام والمسلمين وذلك بسبب التطرف والإرهاب الذي تقوم به بعض الجماعات والأفراد المتطرفة باسم الإسلام واستغلال ذلك من قبل بعض الوسائل الإعلامية والجهات السياسية المغرضة لتكثيف حملتها ضد الجالية. وفي هذا الإطار تعهد حزب العمال في حال فوزه في الانتخابات بإنشاء وحدة لتسجيل ورصد الجرائم التي ترتكب بسبب الكراهية للمسلمين والعمل مع الشرطة للتصدي لها، أما حزب المحافظين فوعد بمراجعة القوانين المتعلقة بجرائم الكراهية وحق المسلمين في منتجات الحلال.
متطرفون دعوا المسلمين إلى عدم المشاركة
وحذّر متطرفون في بعض مناطق العاصمة البريطانية لندن من المشاركة في الانتخابات التي جرت الخميس، فيما وزعت أمام أحد مراكز الاقتراع شرق لندن منشورات تحمل شعار تنظيم الدولة، داعية إلى «رفض الديمقراطية والبقاء مسلمين».
وأُلصقت على نوافذ السيارات في منطقة تاور هامليتس منشورات تقول «إن الاسلام هو الحل العملي الوحيد لبريطانيا». كما حذرت المنشورات من أن التصويت للقانون الوضعي كفر يضاهي عبادة الأصنام، وأن الديمقراطية نظام يُنتهك فيه الحق الإلهي.
وإتهم اعضاء في المجلس البلدي المحلي مجموعة صغيرة في المنطقة تسيء إلى سمعة المسلمين البريطانيين، مؤكدين أن الحملة لا تمثلهم. وشجب راجي أحمد، عضو المجلس البلدي عن حزب العمال، حملة المنشورات والملصقات لتخويف المسلمين من الإدلاء بأصواتهم، قائلًا إن القرآن يدعو المسلمين إلى طاعة القانون المعمول به في البلاد التي يعيشون فيها. وكانت منشورات وزعت على الناخبين أمام أحد مراكز الاقتراع في شرق لندن تحمل شعار تنظيم الدولة، وتدعو المسلمين إلى «رفض الديمقراطية والبقاء مسلمين». ولم يُمنع الشخص الذي كان يوزع المنشورات رغم وقوفه أمام مدخل المدرسة التي تحولت إلى مركز اقتراع، لتوزيعها على الناخبين. وقال أحد سكان المنطقة، أُعطى المنشور، لصحيفة «دايلي تلغراف»: «إن شخصًا ملتحيًا كان يوزعها، وكان يحمل كيسا مليئا بها، وأخفاها عن أفراد الشرطة، ولم يوزع أحد عليّ منشورات كهذه من قبل».
ريما شري