انتخابات تشريعية بالمغرب: العبرة في التنفيذ

حجم الخط
0

يحيي اليحياوي

من الوارد أن تتم، في ايلول (سبتمبر) هذه السنة، انتخابات تشريعية عامة بالمغرب، لتجديد مقاعد الغرفة الأولي للبرلمان، بعدما اعتمد التقطيع الانتخابي، وحددت أسقف المشاركة، و نظفت اللوائح الانتخابية من الزوائد والشوائب، وزكت الأحزاب مندوبيها بهذه الجهة كما بتلك، وحدد المجلس الأعلي للاتصال السمعي/البصري حصة كل حزب بالإعلام العمومي، كل وفق حجمه الحالي بالبرلمان المنتهية ولايته.

هو استحقاق دستوري خالص، لكنه بالآن ذاته محطة سياسية كبري، تتجدد بمقتضاها نخب التشريعي، ويعمد بالبناء علي نتائجه إلي تعيين جهاز تنفيذي، يكون مسؤولا كامل المسؤولية أمام الجهة التي أفرزته بالصناديق، ويكون مسؤولا كامل المسؤولية أمام الملك، ليس فقط كون هذا الأخير هو جهة التعيين التي يؤدي القسم من بين يديها، ولكن أيضا لأنه واضع السياسة العامة الكبري للبلاد، التي لا يزيغ عنها إلا شارد أو مجازف.

ليست الانتخابات معطي دخيلا علي تاريخ المغرب الحديث ( المستقل أقصد)، بل كانت لازمة قارة لحياة سياسية أريد لها منذ البدء (منذ ستينات القرن الماضي تحديدا) أن تكون تعددية المنحي، تنافسية الطبع والطبيعة، مضجرة أيما يكن الضجر من نظام الحزب الواحد.

وعلي الرغم من سلامة المبدأ و نجاعة الاختيار، اختيار التعددية السياسية، علي الأقل بالقياس إلي ما آل إليه العالم منذ سقوط حائط برلين، فإن المجال السياسي بالمغرب لطالما اشتكي من أحزاب هجينة ينشئها الحكم في آخر لحظة، ويمنحها الأغلبية البرلمانية والسلطة قسرا علي الصناديق، وضاق درعا بممارسات في التزوير الواسع وبوضح النهار، ومن سلوكات الارتكاز علي المال الحرام لشراء ذمم الناخبين، ومن الإنزالات يوم الاقتراع يندي لها الجبين… لدرجة أصبح المغرب بهذا الجانب، مختبرا للفساد والإفساد بامتياز.

وأستطيع أن أجزم بهذه النقطة، أنه من المكابرة الصرفة حقا ومن النفاق أيضا، إنكار حقيقة أنه لم يمر استحقاق انتخابي تشريعي واحد بالمغرب (وبلدي بالمناطق، أو بالجهات) دونما أن يطاوله نصيب من الفساد والإفساد والتزوير الفاضح، حتي بتسليمنا بمستوي النزاهة النسبي الذي ميز انتخابات العام 2002، أولي انتخابات الملك محمد السادس بعد وفاة والده.

لم يكن التزوير غاية في حد ذاته، ولا مبتغي سياسيا مرجوا لحاله، بقدر ما كان يتغيأ رسم وإفراز خارطة سياسية منتقاة، موالية، لينة، مطواعة، لا تدين بالولاء إلا للجهة التي عينتها، وثوت خلف تفويضها جزءا من السلطة، ولا تعير أدني اعتبار لمحك الصناديق، أو لرأي الجماهير بسلوكها أو بسياساتها.

لو تسني للمرء أن يسلم بأن التزوير الواسع للانتخابات قد ولي حقيقة، وإلي حد كبير منذ العام 2002، حتي وإن كان الفساد الانتخابي لا يزال قائما علي أساس من المال الحرام وبالحياد السلبي لآليات رقابة أجهزة الدولة، ولو تسني له التسليم بأن ثمة من الضغوطات الخارجية والإكراهات الذاتية، ما يحد موضوعيا من جرأة السلطة للجوء إلي إفساد إرادة الناخب وعلي نطاق واسع، فإنه لا يستطيع إلا أن يسلم بالآن ذاته، بأن قواعد اللعبة لا تزال، بمضمونها كما بمنطوقها، محكومة بخلل بنيوي يحول دون أن يكون للانتخابات أثر كبير، أو تداعيات ملموسة علي مستوي عملية الدمقرطة المباشر فيها، أو المصمم علي إنجاحها، أو المروج للعزيمة علي السير بمنحاها:

ـ فرأس الدولة هو الذي من صلاحياته دستوريا تعيين رئيس الوزراء، ومن ثمة اعتماد لائحة للوزراء، قد يكون لهم امتداد بالمؤسسة التشريعية المنتخبة، وقد يتم انتقاؤهم بلون حزب التحقوا به حديثا لغرض تسويغ الاستوزار، وقد لا يكون لهم لون سياسي يذكر، أو الحد الأدني من المعرفة بأبجديات السياسة حتي.

ليس التلميح هنا إلي وزارات في السيادة ملحقة بالبلاط، أكثر ما هي جزء من تشكيلة حكومية موحدة، بل وأيضا لأشخاص تشفع لهم كفاءتهم البيروقراطية، وتقربهم من محيط القصر، للظفر بمناصب حيوية، أو ذات تبعات اقتصادية واجتماعية معتبرة.

صحيح أن للملك الصلاحية الدستورية المطلقة في تعيين رئيس للوزراء من التيار السياسي الذي يرتئيه، أو دونما أن تستحضر الخلفية السياسية في الاختيار، لكن ذلك يفرغ الانتخابات من مضمونها جملة وتفصيلا، ويجعلها وعاء فارغا يزكي اختيارات من علي بعد، ويتجاوز علي مبدأ الأغلبية والأقلية الذي من المفروض أن يكون الخيط الناظم للعملية برمتها… وإلا فلا جدوي من انتخابات، لا يعتد بنتائجها في بناء الجهاز التنفيذي، وفي جعل أدائه تحت أعينها في القائم الجاري، كما في القادم من استحقاقات.

لا ينحصر الأمر عند هذا الجانب، بل يتعداه إلي درجة يتم معها تمييع التمايزات بين الأحزاب، ولا يدري المرء معها من الحاكم ومن المعارض، سيما في ظل استبداد منطق التوافق والإجماع، الذي ابتلي به المغرب في العقدين الأخيرين، وفرض عليه قسرا ودون موجب حق.

ـ والأحزاب السياسية، بتباين مرجعياتها وخلفياتها، لا تحتكم للصناديق بناء علي برامج محددة، مدققة كميا، منظومة بميزانية مفصلة، ومؤطرة بمدي زمني في التنفيذ، بل تعمد إلي ترويج برامج، هي إلي المنشورات الإشهارية والإعلانية والتبشيرية، أقرب منها إلي مشاريع للتنفيذ، عندما يتسني لها بلوغ سدة السلطة، حيث مستوي التطبيق.

من المبالغة الخالصة حقا، القول بأن الأحزاب إياها عاجزة عن ذلك (حتي بترهلها وشيخوختها، وانفصامها المتزايد عن مجريات واقع الحال)، لكنها حتي وإن عمدت إلي ذلك واستنفرت له خيرة كفاءاتها، فإنها سرعان ما ستصطدم مع التصور العام، والأولويات القائمة، ووتيرة الاشتغال التي يحددها رأس الدولة، ولا مجال بالتالي للاجتهاد من خارجها، أو بالتجاوز عليها، أو الادعاء بإمكانية تطويعها، علي خلفية من الاعتقاد بـ الإصلاح من الداخل.

والملك، بهذه النقطة الجوهرية، واضح صريح: إن جوهر الاقتراع لا يكمن في التنافس حول الاختيارات الكبري للأمة، التي هي موضع توافق وطني، وعماد التطور العصري، كدولة القانون والمؤسسات، والمواطنة القائمة علي الالتزام بحقوق وواجبات الإنسان والليبيرالية الاقتصادية والمبادرة الحرة، والتضامن والعدالة الاجتماعية، والانفتاح علي العالم. وهو ما نحن مؤتمنون علي استمراره مهما تغيرت الظرفيات، وذلك في نطاق منظورنا للملكية المواطنة (خطاب العرش للعام 2007). الكل إذن يجتهد ومطالب بالاجتهاد ضمن مجال محدد الأفق، مفصل الأضلع، كابس علي الأنفاس، قاتل للإبداع، ملغ للتنافسية السياسية الحقيقية، المبنية علي الحق في تباين المرجعية، وتحديد البرامج علي أساسها، والعمل علي تنفيذها وفق ذلك، وتقديم الحوصلة بنهاية مدة الانتداب.

وعلي هذا الأساس، فإن المنافسة هنا إنما تغدو تسابقا محموما علي من يبدع في تنفيذ سياسة الملك، ومن له القدرة والنجاعة، والمرونة الكافية لترجمتها بأرض الواقع، حتي إذا حل استحقاق انتخابي جديد، يستوجب المحاسبة علي أساس من تقديم حوصلة الإنجاز، تبرأ الكل من الحصيلة (إن كانت سوداوية الخاصية)، علي خلفية من القول بأنهم لم يكونوا إلا منفذين لسياسة قائمة، وليسوا أصحاب سياسة هم واضعوها… بل ويذهبوا لدرجة التستر خلف ممارسات حكومة ظل قائمة من بين ظهراني القصر، هي الأصل والمنبع، فيما الباقي هو الفرع والمصب.

ـ والانتخابات التشريعية القادمة، كما سابقاتها سواء بسواء، لم تؤخذ يوما باعتبارها استحقاقا سياسيا بالاحتكام إلي نتائجه تتم عمليات التناوب علي السلطة، والإبداع في استنبات حركية ما بالمجتمع، بل كانت دائما ولا تزال، بموضع غنيمة حرب، تستوظف فيها الإغراءات، وتوزع فيها الوعود، وتشتري بخضمها الذمم، للحصول علي مغنمة مقعد، يضمن الحصانة، ويعيد إنتاج الفساد بحماية قانونية جلية، ومن داخل المؤسسات هذه المرة.

ليس المهم هنا الولاء للأفكار أو للقناعات أو للمواقف، بقدر ما هو مهم أمر بلوغ مكسب دونه ودون المرشح، التحالف مع الضد، والطعن في المرجعية إن لم يتبناه حزبه، والانتقال من طرف لطرف قبل الانتخابات، كما عندما يتم الترتيب للأغلبية الجديدة بالبرلمان، التي من المفروض أن تحيل علي الاستوزار.

لم ولن يكون من العيب، أن يتنكر نائب لبرنامج حزبه وينتقل لحزب آخر، وقد يكون غريمه بالشكل كما بالمضمون، ولم ولن يكون حتما من العيب أن يغض النائب الطرف عن قاعدة انتخبته، علي أساس من وعود قطعها. المهم بالحالتين، إنما التساوق مع ما تريده السلطة، أو تأمر به، أو تلمح إليه جهارة أو بالمضمر.

ما الفائدة إذن من انتخابات كهاته، محكومة في طبيعتها، محددة في أفقها، غير معتد بنتائجها، غير محتكمة في المحاسبة للجماهير، ولا تفرز، فضلا عن ذلك، سلطا مضادة لا مستقبل للعملية الديموقراطية بالدوس عليها بالأرجل، أو استقطاب عناصرها تحت ضغط الإغراءات؟

لسنا بناة يأس أو دعاة تيئيس، لكن واقع الحال يشي حتما بأن انتخابات هذا الصيف لن تخرج حتما عن سابقاتها، في شكلها ومظهرها، كما فيما سيترتب عنها بالمجال السياسي العام.

هي لن تخرج بالقطع عن منظومة ثابتة، الكل يتحرك بموجبها في فلك نقطة محورية بيدها كل عناصر الحل والعقد. والملك بهذه الجزئية واضح صريح أيضا: أريد التأكيد أن النظام الذي ارتضيناه هو الملكية الفاعلة، التي لا تختزل في مفهوم أو سلط منفصلة تنفيذية، أو تشريعية أو قضائية. إنها الملكية المغربية الأصيلة التي عززناها بالمواطنة التنموية، في التزام بمشروعيتها الدينية والتاريخية والدستورية والديموقراطية، ووفاء لكفاحها الوطني، وتضحياتها من أجل سيادة الوطن ووحدته وتقدمه، وما يميز شعبها وعرشها من تجاوب عميق (خطاب العرش للعام 2007). العبرة هنا، مرة أخري، بالنجاعة في التنفيذ، وليس بالاجتهاد في تصور الحلول من خارج المنظومة القائمة.

نحن هنا لا نتساءل في جدوي الانتخابات فحسب، ولا في الغاية من الوعود والشعارات المرفوعة من بين أضلع المتبارين في ظلها، بل ونتساءل أيضا في جدوي الأحزاب السياسية ذاتها سواء كان توجهها ذات اليمين، أو ارتضت الفعل انطلاقا من أفكار اليسار.

إن انتخابات صيف هذه السنة بالمغرب ستكون تأكيدا، دون جدوي فعلية كبري ما دامت قواعد اللعبة ملغمة، محكومة بتصور في السياسة أحادي، أبوي، وإلي حد بعيد منغلق. إنه تصور يقتل السياسة بالمدي المنظور، نظريا وبالإجراء العملي أيضا. وهو ما نبه له تقرير المعهد الوطني الديموقراطي للشؤون الداخلية (الأمريكي) من أيام قلائل مضت فقط.

إن المطلوب حقا وحقيقة ليس الانتخابات في حد ذاتها، كائنة ما تكن مصداقيتها وصبيب النزاهة من بين ظهرانيها. المطلوب تحديد قواعد جديدة للعبة (ومدخلها الأساس إصلاح الدستور)، يكون للمتبارين بمقتضاها الاحتكام إلي الشعب وفق برامج مدققة، تتكون الحكومات علي الناجع ضمنها، ويكون بالمقدور عليه إسقاطها إن طاولها الفشل، أو إعادة الثقة بها في القادم من استحقاقات، إن هي أحسنت الأداء، أو استرضت الجماهير.

لن تكون الأحزاب هنا، والبرلمان المعبر عن تلويناتها، لن تكون أداة شرعنة لآليات في الديموقراطية كاذبة ومصطنعة، بل عنصر فعل سياسي حقيقي، فيما يكون لرأس الدولة دور الحكم، المترفع عن الحراك السياسي الجاري، والمحذر من الانزلاقات… ألم تتحول إسبانيا إلي دولة ديموقراطية، ومتقدمة فضلا عن ذلك، بالارتكاز علي هذه الصيغة؟

بالتأكيد… دع عنك مسوغ لكل ديموقراطية خصوصياتها الذي لن يسمن ولن يطعم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية