إن ما تحتاجه تونس في المرحلة الحالية وحتى تالياً وما تنتظره من مناضليها الصادقين، سواء المنتظمين منهم في احزاب سياسية أو المستقلين أو نشطاء المجتمع المدني هو بدايةً القبول بالاخر مهما تكن خلفيته العقائدية والايديولوجية خاصةً لأن ما عدا ذلك من اختلافات اثنية أو دينية أو عرقية ليس مطروحا أصلاً في تونس، أو في الحد الأدنى ليست بتلك الحدة التي نجدها في بعض البلدان العربية والاسلامية التي تشقها انقسامات من هذا القبيل بعضها طائفي والاخر قبلي إلى غير ذلك من أنواع الاختلاف الذي عوض أن يمثل عنصر ثراء وإثراء نجده يؤدي دوره معكوساً تماماً في العديد من الدول المتخلفة ليوظف في الشحن السلبي والتناحر ليكون بالتالي عائقاً أمام كل عملية تقدم، فإذا به يصبح سيفاً مسلطاً على رقبة الدولة والمجتمع معا.
وبالعودة إلى الحالة التونسية نجد أن المجتمع تسوده حالة من الانسجام لا باس بها كان الأجدر بالطبقة السياسية أن تستغلها للصالح العام وتستثمر هذا التوافق الاجتماعي الذي خصت به تونس كما أسلفت والذي يسهل كثيراً العمل السياسي المتحرر من الانتماءات القبلية وغيرها مما يمزق وحدة مجتمعاتنا العربية والاسلامية وتعيق تقدمها، فتونس ليست بها انقسامات سنية شيعية ولا اقليات اثنية أو عرقية، وإن كان فهي قليلة عددياً وليس لها مطالب تثير الفرقة وليست متناحرة بينها، بل هي ذائبة تماماً في النسيج الاجتماعي العام. فإختيار الناخب التونسي إذاً سيكون بحكم كل ذلك إختياراً مبدئياً ومبنياً على ما يقدم له من برامج إنتخابية فإذا جاز لنا أن نقيم مقارنة من هذا النوع هو أقرب للناخب الغربي منه إلى غيره حيث تنتفي في هذه المجتمعات العصبيات القبلية وغيرها وهذا عنصر ضامن ومسهل للعملية الديمقراطية في تونس فالحجة ليست الطائفة أو القبيلة بل القناعات السياسية والبرامج الانتخابية ولولا الاستبداد الذي أفسد البلاد وبعض العباد لكان هذا الشعب إستطاع أن يقيم دولة المواطنة التي لا يكون فيها التنافس إلا على أساس خدمة الوطن والشعب والمصالح العليا لامة. إن إحدى سمات المجتمع التونسي هي التسامح هذه الصفة التي مكنته من صهر ما يقرب من 3000 عام من تاريخه في وحدة جغرافية وثقافية تكاد تكون متجانسة. فلا يجب أن تكون طبقته المثقفة والمسيسة خاصة دون هذا المستوى من التعايش في تعاملها مع بعضها البعض بل أن تستثمر هدية التاريخ والجغرافيا لهذا البلد وأن لا تستبدل هذه المنحة الالهية بمحنة التناحر السياسي الأجوف والعقيم وبالتحزب المفرط والغلو والاقصاء أياً كانت دعاوى هذا الاقصاء حتى وإن تم تغليفه بشتى الطرق إن كان بقصد أو بحسن نية ليبقى كل طرف على الاختلاف في مستواه السياسي فقدر الجميع مع الجميع مهما بلغت التباينات الاديولوجية والعقائدية والسياسية فمن يقصي الأخر يحكم على نفسه أيضاً بالاقصاء إن أجلاً أو عاجلاً هذا ما يعلمنا التاريخ البعيد منه والقريب وأقربه ثورة 14 جانفي المجيدة. أملنا إذاً وبمناسبة قرب أول إمتحان إنتخابي وما سيترتب عنه من إستحقاقات أن لا تفرط النخبة على هذا الشعب فرصة تاريخية أخرى لا تأتي إلا نادراً وإذا اهدرت لا قدر الله فستكون الخيبة كبيرة وسيطول الانتظار. علي بنحسن – باريس