انتخابات تونس: نتائج مُفاجئة وفائزان غير نمطيين

رشيد خشانة
حجم الخط
0

بعد يوم اقتراع اتسم بالهدوء وغياب الصدامات والمشاجرات بين أنصار المرشَحين، ظهرت النتيجة التي أفضت إليها ثاني انتخابات رئاسية في تونس بعد الثورة، يوم 15 من الشهر الجاري، فزعزعت صروحا وهدمت أحزابا وقزَمت زعماء وأفشلت مخططات. لم يسلم من “المذبحة” سوى شخصين خارجين عن النص، أولهما أكاديميٌ مستقلٌ، يضع قدميه خارج المربعات الحزبية، والثاني مالك قناة تلفزيونية جعل منها مدفعيته الثقيلة لقصف النخب الحاكمة والمعارضة على السواء. وبات واضحا أن منح التونسيين غالبية أصواتهم لهذين المرشحين غير النمطيين، هو كناية عن رسالة شديدة اللهجة إلى السياسيين التقليديين، يمينا ويسارا، مفادُها قرف الجمهور من معاركهم البيزنطية، على مدى السنوات الخمس الأخيرة.

فرضت وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في 25 تموز/يوليو الماضي، إجراء انتخابات مبكرة، لم يكن أحدٌ مُتهيئا لها، بما أن ميقات الانتخابات الرئاسية هو كانون الأول/ديسمبر المقبل. وأتت نتائج ثاني انتخابات رئاسية في تونس، بعد انتفاضة 2011، في مثابة هزة أرضية شديدة، ارتجت لها أركان البيوت السياسية، مثلما فوجئت بها العواصم الغربية، المتابعة للشأن التونسي. فشل رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي. أخفق رئيس الحكومة الانتقالية مهدي جمعة. انهزم رئيس الجمهورية الأسبق منصف المرزوقي. خسر منذ الجولة الأولى وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، الذي كان من شبه المؤكد أنه سيمُرُ إلى الدور الثاني، وخسر معه الوزراء السابقون الياس فخفاخ ومحمد عبو وسعيد العايدي وعبيد البريكي وناجي جلول. سقط زعيما “الجبهة الشعبية” اليسارية حمة الهمامي ومنجي الرحوي، بعدما حصل كل واحد منهما على أقل من 1 في المئة من أصوات الناخبين. أخفق نائب رئيس حركة “النهضة” عبد الفتاح مورو، مثلما أخفقت زعيمة “الحزب الدستوري الحر”، وريث حزب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وحلَ رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد في الرتبة الخامسة، بينما لم تستطع وزيرة السياحة السابقة سلمى اللومي تحصيل 1 في المئة من الأصوات. وإجمالا، كان حصاد عشرة مرشحين قريبا من الصفر. أما الفائزان اللذان تأهلا للجولة الثانية، التي ستُجرى في غضون ثلاثة أسابيع، فهما أستاذ القانون الدستوري قيس سعيِد (18.4 في المئة) ورجل الأعمال الشعبوي نبيل القروي (15.6 في المئة)، فيما حلَ في الرتبة الثالثة نائب رئيس حركة “النهضة” الاسلامية عبد الفتاح مورو (12.9 في المئة).

ساعات عصيبة

كانت الساعات التي سبقت الإعلان عن نتائج الدورة الأولى من الانتخابات، عصيبة وثقيلة، إذ جرت محاولات مُكثفة لتغيير النتيجة، المتمثلة في تأهُل سعيِد والقروي، للدورة الثانية، من أجل إخراج الأخير من السباق، بحيلة قانونية، ما يُؤدي إلى حلول عبد الفتاح مورو، الفائز بالرتبة الثالثة، محلهُ. وطبقا لهذا السيناريو كان مورو سيتنافس مع سعيِد ويهزمه في الدورة الثانية من الانتخابات. إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، وإن عطلت الإعلان عن النتائج لساعات طويلة. ومع أن بعض مكاتب سبر الآراء، أكدت منذ مطلع العام الجاري، أن سعيِد والقروي سيحُلان في المركزين الأول والثاني، لم يُصدق أحدٌ تلك التوقعات، لا بل استهزأوا بها.

ظلت أحزاب اليمين واليسار تتناطح في مجلس النواب، وتمادى قياديو الحداثيين والأصوليين في شتم بعضهم البعض على صفحات الجرائد وفي “الحوارات” التلفزيونية الصاخبة، إلى أن تقزز منها الجمهور واعتصم بالمسلسلات ومباريات كرة القدم. في ذلك الوقت، كان القروي يبني صورته حجرا فوق حجر في المناطق المحرومة من التنمية، مثل الشمال الغربي، متنقلا من قرية إلى أخرى، ليُسلم الفلاحات المُعوزات والرجال المُعدمين، أكياس المعكرونة والطحين. اشتغل القروي على محورين متكاملين: العطايا من جهة والتلفزيون من جهة ثانية، لأن الأخير يصنع صورة الأب الحادب على أبنائه، وهي الصورة التي كانت سرَ فوزه بالرتبة الثانية في الانتخابات. وأظهرت الإحصاءات أن غالبية الذين منحوه أصواتهم هن من النساء اللائي يُراوح سنهن بين الأربعين والستين، وتحديدا من اللائي لم يذهبن إلى المدرسة في حياتهن. أما الذين أعطوا أصواتهم لسعيِد فهم من الشباب العاطل عن العمل، وتحديدا من فئة الخريجين، الذين لم يجدوا شغلا بعد مغادرة مقاعد الكليات.

صورة مضادة

تعكس هذه المرايا المتقاطعة شخصيتين متضادتين. نبيل القروي رجل أعمال يُدير شركة إعلانات ويملك قناة تلفزيونية، منحهُ إياها الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وهي مستمرة بالبث خارج القانون منذ سنوات. وقد ربطته علاقات حميمة برئيس الوزراء الايطالي الأسبق سيلفيو برلوسكوني، الذي طالما لاحقه القضاء في بلده بشبهات فساد. واعتمد القروي، الذي يُلاحقه القضاء بتهمة التهرب الضريبي، على جمعية أطلق عليها اسم ابنه، الذي فقده في حادث سير، للقيام بعمل يبدو خيريا، إلا أنه لم يكن سوى حملة انتخابية طويلة النفس. وربما لهذا السبب وصفته صحيفة “الغارديان” بأنه “برلوسكوني تونس”. في المقابل ارتسمت لدى التونسيين صورة مضادة عن المرشح قيس سعيِد، الذي يبدو زاهدا في المال والأعمال، ومتفرغا لمحاضراته في الجامعة، قبل أن يُحال على المعاش.

سياسيا تتعارض الشخصيتان على طول الخط، ففيما كان القروي عضوا مؤسسا في حزب “نداء تونس” الليبرالي، حافظ سعيِد على استقلاليته، وعرفه الجمهور من خلال إطلالاته التلفزيونية القليلة، عندما كان يُستفتى بوصفه خبيرا في القانون الدستوري، في قضايا ذات علاقة بكتابة الدستور الجديد سنة 2013. واتسمت مداخلاته بشكلها الفريد، فهو حريصٌ دائما على أن يُجيب على الأسئلة باللغة الفصحى، وبأسلوب أقرب إلى البيانات العسكرية. إلا أن مُحللين سياسيين التقطوا قاسما مشتركا بين الفائزين الأولين يتمثل في تمرُدُهما على المنظومة الفاشلة التي حكمت البلد منذ انتفاضة 2011. غير أن ذلك التشابه الظاهري يحتاج إلى تدقيق، فالقروي كان جزءا من تلك المنظومة بوصفه أحد مؤسسي حزب “نداء تونس”، الذي تزعمه الباجي قائد السبسي، وهو مُمول الحملة التي أوصلت الأخير إلى سدة الرئاسة. من هنا لا يجوز اعتبار القروي صاحب عرض مختلف عما عرضه زعماء الأحزاب التقليدية، إلا أن أسلوبه الشعبوي جعله يتفوق عليهم، مُقتبسا النهج الانتخابي للجماعات اليمينية التي برزت في السنوات الأخيرة في بلدان الجوار، وبخاصة إيطاليا. أما سعيِد فهو مُثقفٌ حافظ على مسافة ثابتة من الأحزاب ومن المنظومة الحاكمة على السواء، من دون أن يُعرف عنه نشاط سياسي في عهد الرئيس الراحل بن علي.

موازين جديدة

المهم أن الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية أفرزت موازين جديدة كرست نهاية المنظومة الحاكمة وكذلك الأحزاب المعارضة لها، في رسالة قاسية تنزع غطاء الشرعية الانتخابية عن الأحزاب التي تقاسمت كعكة الحكم في السنوات الماضية، ما اعتُبر “زلزالا سياسيا” وعقابا قاسي لها. هكذا تبلور مشهد سياسي غير مسبوق، في انعطاف سيُلقي بظلال كثيفة على الانتخابات النيابية المقررة ليوم 6 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وهناك من يعتبر أن ما بعد 15 أيلول/سبتمبر الجاري سيكون مختلفا عما سبقه، مثلما كان يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011 (تاريخ هروب بن علي من البلد) مختلفا تماما عما قبله.

ولم تعرف تونس طيلة نصف قرن سوى رئيسين (بورقيبة وبن علي)، أما بعد الانتفاضة فتداول على سدة الحكم أربعة رؤساء في ثماني سنوات. وسيعرف التونسيون من هو الرئيس الخامس الشهر المقبل، بعدما يكون الرئيس الحالي بالوكالة محمد الناصر، استكمل الفترة التي حددها له الدستور. وعلى الرغم من الثغرات التي ظهرت في الدستور الجديد وبعض الهنات في القانون الانتخابي، اتفق المراقبون الدوليون، الذين تابعوا عمليات الاقتراع في مراكز عدة، على أن المناخ الذي جرت فيه الانتخابات برهن على نضج سياسي واحتكام للقانون ومرجعية الصندوق، على الرغم من غضاضة التجربة الديمقراطية اليافعة. كما لم ترتق المخالفات المسجلة إلى مخالفات جوهرية، تؤدي إلى إلغاء بعض النتائج بحسب غالبية المراقبين.

حاجز أخير؟

مُستقبل القروي وسعيِد سيتقرران في غضون أسابيع قليلة، والأرجح أن أحزاب الائتلاف الحاكم ستُشكل كتلة تسدُ الطريق أمام سعيٍد، فيما انطلقت حملة واسعة من الأوساط التي عليها شبهات فساد لدعم القروي، الذي يُسوَق بوصفه الحاجز الأخير في طريق الأصولية الدينية والتشدد الاجتماعي، اللذين يُنسبان إلى سعيِد. غير أن البروفسور عياض بن عاشور، أحد المثقفين الحداثيين البارزين، والعميد السابق لكلية العلوم القانونية والسياسية، حيث درَس سعيِد، أكد في تعليق لاقى رواجا كبيرا، أن الفائز الأول في الانتخابات رجل محافظٌ، إلا أنه نصيرٌ للحريات بما فيها حقوق المرأة، وأنه لا يحمل فكرا سلفيا، مثلما يُردد منافسوه.

ربما ساعد الدعم الذي منحته “حركة النهضة” لسعيِد في ترويج صورة غير دقيقة عنه، تضعه في خانة الأصوليين. وقد خرجت “النهضة”، وهي الحزب الأول في مجلس النواب، من الانتخابات الرئاسية، في دورتها الأولى، بخسارة ثقيلة بعد إخفاق مُرشحها المحامي عبد الفتاح مورو في المرور إلى الدورة الثانية. وحصد مورو 434 ألف صوت، وحلَ ثالثا، وهي نتيجة متواضعة قياسا على عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو الحركة في انتخابات “المجلس التأسيسي” (الجمعية التأسيسية 2011) والتي قاربت مليونا ونصف مليون صوت. وتراجع الحصاد في الانتخابات الرئاسية العام 2014 إلى 950 ألفا، وفي الانتخابات البلدية العام الماضي إلى 400 ألف صوت، وهذا يعني أنها خسرت 70 في المئة من قاعدتها الانتخابية بين 2011 و2019. وعزا كوادر في الحركة هذا التراجع إلى تأزم العلاقة بين القيادة والقواعد، والمركزية الشديدة في اتخاذ القرار، على ما قال زبير الشهودي مدير مكتب رئيس الحركة راشد الغنوشي سابقا، وعضو مجلس الشورى حاليا، في رسالة مفتوحة بثها بعد الإعلان عن نتائج الدورة الأولى من الانتخابات. ومع أن قيادة الحركة حضت القواعد على منح أصواتهم لمورو، أعطى كثيرون أصواتهم لقيس سعيِد ورئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد والرئيس الأسبق منصف المرزوقي.

رابحون وخاسرون

الأرجح أن الانتخابات البرلمانية، التي تعتمد على القائمات، ستتأثر بنتائج الرئاسية، إذ أن الأصوات التي حصدها المستقلون ستذهب منطقيا إلى المرشحين على القائمات المستقلة. كما أن حزب “نداء تونس” المنافس التاريخي لـ”النهضة” تشظى إلى خمس كُتل مُتحاربة، ما يُنبئ بتراجع وزنه الانتخابي، بعدما كان حل في الرتبة الأولى في 2014. ولا يُستبعد أيضا أن تحصل قائمات بعض المرشحين الحزبيين الخاسرين في الرئاسية، على نتائج أفضل في الانتخابات البرلمانية، أمثال محمد عبو المنشق عن المرزوقي، وعبير موسي رئيسة “الحزب الدستوري الحر”، الذي يُعتبر امتدادا لحزب بن علي. بهذا المعنى سيكون البرلمان المقبل عبارة عن كشكول متعدد الألوان، من دون أن يستطيع حزب واحد الفوز بالأكثرية، ما قد يُدخلُ البلد إلى مرحلة عدم استقرار، في وقت يحتاج فيه إلى الأمان ووضوح الرؤية، لاستقطاب الاستثمارات الخارجية وتحريك عجلة التنمية، بُغية الابتعاد تدريجا عن منطقة التقلبات. ولعل هذا ما دعا مجلة “إيكونوميست” إلى التعليق على النجاح الذي حققته تجربة الانتقال التونسية، حتى الآن، بقولها “في منطقة تشهد عودة الاستبداد، تدعو الانتخابات التونسية للفرح”. وأساس هذه السيرورة هو استمرار التميُز الذي طبع شخصيتها السياسية والفكرية، بفضل التوازن بين ثلاث عائلات فكرية ترمز لثلاثة روافد هي: الحداثيون (بجناحيهم اليساري والليبرالي) والإسلاميون والمحافظون (أو الحرس القديم البورقيبي). وتُشكل خلخلة التوازن بين هذه الروافد تهديدا للنهج الوسطي الذي سمح للتجربة التونسية بأن تنجح حتى الساعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية