عناية جابرلامياه ولا كهرباء. لانزاهة ولا شفافية. فوضى وسرقات وفساد ، وهذه عناوين من عناوين كبرى يخوضها ناس بيروت في أوان متفرّقة لكن متعاقبة. أنها بيروت، تهرع بعد مدة ليست بالبعيدة مديرة ظهرها لكل أثقال هذه العناوين، في سعيها المديني اليومي بحركته وسرعته، وسعي ناس مناطقها كافة جنوبها وشمالها، شرقها وغربها الى الإستعداد المفرط لموسم الإنتخابات المقبلة وتقترب هذه الأخيرة حثيثاً في ظل ظروف أمنية أقليمية سوف ترخي بحيثياتها على هذه الإنتخابات نفسها بشكل أو بآخر. نحن العابرين النهاريين في شوارعها من بيوتنا الى أعمالنا، مع سوانا من العابرين عبورهم النهاري والآخر الليلي بغية السهر والترفيه والتسلية، يرون الى بروجكتورات ظلال السرعة التي تأخذ بالمدينة، كأنما المعركة هذه، أولى معاركهم الإنتخابية، إذ تنهض الجدران بصور المرشحين والمرشحات، مع شعارات مكتوبة ضخمة وظاهرة. نحن نبقى على عادتنا متفرّجين، ولا نخشى على أنفسنا من أن نؤخذ في اللعبة اللبنانية الأبدية. غيرنا ليس مُتفرّجاً على ما يبدو، وهو حُرّ، و’منخرطاً’!! أيضاً بكافة التفاصيل، وكلمة الإنخراط هنا ليست مجانية ولا عرضية، بل في صلب اهتياج شريحة واسعة من اللبنانيين بحسب انضوائها في كنف هذا الفريق أو ذاك حيال معركتهم هذه تحديداً. معركة الإنتخابات اللبنانية في الآتي من الأيام المقبلة أطياف معارك سابقة، ومعركة ليس لها سوى هذه الواجهة الحزينة إمّا 14 آذار وإما 8 آذار، ومن يبقى خارج هذه الأرقام سوف يُعيبه إنزياح واضح عن المعنى الذي يُراهن عليه هؤلاء وأولئك. ليس إنزياحاً فحسب لكنه التجريم أيضاً، فكل من لا ينضوي إلى أحد هذين ‘الرقمين’ يلعب وحيداً في فضاء خال وموحش. الإنضواء هنا حاجة تعبيرية على الأقل، للمدينة التي شهدت أهوالاً منذ استشهاد الرئيس الحريري. لنقل انها حاجة تعبيرية، ونخشى أنها مرضية وشبه هذيانية، فالإنضواء هنا تحديداً وهناك تحديداً لا يُسلس أحوال بيروت بل يزيدها عصابية. يريدنا هذا الطرف أن نرى الى إنجازاته التحريرية على أنها شريط متسلسل من الكفاح يمتد حتى آخر أعمارنا ويأخذ بها كلها. هذا شاق على كائنات وإن هي ـ تعاف الظلم والظالمين ـ ترى الى حياتها عيشاً وحيداً لن يتكرّر ولا يحتمل زهقه بحروب تتوالى الى ما لا نهاية. كما يريدنا الطرف الآخر أن نرى الى إنجازاته الفلكية، إنجازات تُنظّر لكيان لبناني حرّ مستقّل، ما زالت على ما نرى نحن قيد التناحر والتشاوف، ووليدة مخيلات لا تملك سوى مفردات بائسة تنسج عليها لبنانها الأفضل. حرب انتخابات حامية مُقبلة لا تُرى مع ذلك مستقلة. إن الطرفين داخل فكيّ كماشة في استشرافهم الهمايولي لبلد سعيد. حرب انتخابات داخل النزاعات الإقليمية والرؤيا الغائبة عن بلد لمّا يمتلك قراره بعد، رغم الصور المنثورة على الجدران، لنخبة الطرفين المتنازعين، ذلك أن بيروت لا تملك أن توجد بعد، بل متوارية هي خلف الشعارات الفارغة، بل وتُحسن تواريها في هذه الشعارات تحديداً. صور تتكرر لشخصيات نعرفها واخرى لا نعرفها لفريقيّ البلد على السواء. أشكال تُذكرك بالحرب الأهلية وما تبعها من حروب، ومفردات في تراكيب شعارات بائدة كأنما تضع الحد الضروري لقيامة البلد، كأنما تواصل ربط أجزائه او تنسج عليها وهي في الحقيقة لا تفعل. تنظر الى شريط الصور، فوق مستوى رأسك بكثير، فوق ما يحتمله رأسك أعني، ملصقات سخية بألوانها واكثر صخباً واشتعالاً مما عهدناه في ملصقات لمرشحين في انتخابات سابقة. تراها متفجّرة باللون كأنما يمنحونها حياة بالقوة. متفجرة باللون وندّاهة لكن من ليس منتمياً حتى العظم لفريق أو لآخر لا يلقي إليها بالأً. ملصقات تتكلّم وحدها وتثرثر على الحيطان أمامنا أو خفية عنّا. نحن الذين لا نعرف لنا ملاذاً في حضن هذا وذاك، لطالما معلقّون في احتمالات قدرية لهذا البلد، او على وشك السقوط فيها، فلا تفعل الصور التي خبرنا ماضيها جيداً، سوى التأكيد على هذه القدرية وهذا السقوط.نشرف على زمن الإنتخابات والمدن العربية تتوارى وراءنا واحدة إثر أخرى. نشرف على إنتخابات جاهزة سلفاً وملعوبة ومنته أمرها، فيما على أكتافنا نحمل أثقالاً من الهراء الأيديولوجي والتناحر الطائفي والتجزئة المذهبية وسوق نمائم بل والتهديد بالفناء تحت ثقل إقتراب الإنهيار الإقتصادي الشامل.ما الذي ينتظرهُ اللبناني الناخب غداً رغم أنفه، من هذه الزمر السياسية المهترئة الخارجة إلينا من عفن التجارب المُرّة والوعود المُرّة، خارجة إلينا من وحي إنتخابات صورية فحسب، لتنال الكرسي والسؤدد. كل هذا الموت الجاف والإهتراء بلا رائحة والحياة العائمة على سطح مقبرة لن يمنع اللبناني من الخروج الى الإنتخابات والمشاركة فيها والإنخراط بحماسة الأرعن في سوقها ودهاليزها ودولاراتها متناسين أنهم إنما يخرجون الى حين من ركام مقبرة ما، ومن حياة متكلسة بالنقائص كلفّتهم الكثير بسبب من هذه الوجوه التي يعاودون رغم الألم والفشل إنتخابها مرّة إثر مرّة.ما الذي ينتظرهُ اللبناني من الإنتخابات، وهو يحمل رزم موتاه ويعود بهم الى صندوقة الإقتراع التي لاتختلف مضامينها عن القبر، ثم يعيدونهم أحياء ناخبين بأسماء وبطاقات !!