محمد عبد الحكم دياب
أحدث إعلان نتائج انتخابات الجولة الأولى في سباق الرئاسة يوم الاثنين الماضي صدمة بالغة؛ بسبب ما أسفرت عنه بوصول محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين وأحمد شفيق رأس حربة حكم عائلة مبارك إلى الجولة النهائية، التي تنتهي باختيار أي منهما رئيسا لمصر. وهناك ما يشبه الإجماع بين الخبراء السياسيين والمهتمين بالشأن العام أن النتيجة بهذا الشكل أدخلت مصر إلى طريق مسدود. ومن المعروف أن الحاصل على المركز الأول لم يكن رهان جماعة الإخوان المسلمين وجناحها السياسي حزب الحرية والعدالة الأصلي والأصيل، إنما دخل السباق بديلا عن رجلها القوي خيرت الشاطر، النائب الأول للمرشد العام الشيخ محمد بديع، وعن أحمد شفيق الحاصل على المركز الثاني فهو أحد بقايا حكم الاستبداد والفساد والتبعية، وينظر إليه الرأي العام كضالع في جرائمه وانحرافاته.
ومحمد مرسي؛ المفتقد؛ للجاذبية والحضور حصل على هذه النتيجة بفضل آلة انتخابية جبارة، تملكها جماعة الإخوان المسلمين، وموارد مالية غير محدودة تحت تصرفها، وما وصل إليه أحمد شفيق جاء مؤكدا على بقاء الحكم السابق واستمرار سيطرته على مفاتيح الإدارة والمال والنفوذ في أنحاء البلاد، بشكل مكنه من تنظيم صفوفه وتجميع قواه وفلوله، ومن استئناف الحزب الوطني المنحل لنشاطه وتوظيف تربيطاته وروافده المتعددة في الريف والأقاليم وفي المحليات وأجهزة الدولة ورفع كفاءتها للتحكم في العملية الانتخابية، وذلك بتخطيط وتوجيه جهازي أمن الدولة السابق والأمن الوطني الحالي، وهما من وفرا التمويل اللازم من رجال الأعمال ولصوص المال العام وأباطرة الكسب غير المشروع، وحركا قادة مليشيات وجماعات البلطجة والخارجين على القانون؛ لزرع الفوضى ونشر الرعب وشراء الأصوات، حتى وصلوا بمرشحهم إلى جولة الإعادة.
ومرسي وشفيق ضلعان في مثلث مكتمل الأبعاد؛ تمثل الثورة فيه ضلعه الأول، وشكل الإخوان ضلعه الثاني، واكتمل الضلع الثالث بأحمد شفيق؛ وهكذا كان ترتيب الكتل والأوزان التصويتية، التي حصلت مجتمعة على 46′ من مجموع من يحق لهم الانتخاب، ويزيدون عن 50 مليون نسمة. أي أن هناك 54′ لم يدلوا بأصواتهم، وعدد من هؤلاء استجاب لنداء المقاطعة أو بادر بها من تلقاء نفسه. وقياسا على نسبة التصويت في انتخابات مجلس الشعب وقد كانت 62′ نجد أن هناك نحو سبعة ملايين ناخب أحجموا عن المشاركة، ومن يحجم في هذه الظروف فهو بلا شك محسوب على معسكر الثورة وليس العكس. وقد كانت قادرة على كسب أكثر من إثني عشر مليون صوت. ولنترك الحسابات الرياضية ونركز على الأرقام الواقعية ولسوف نجد أن كتلة الثورة التصويتية هي الأكبر، وعددها أكثر من تسعة ملايين صوت؛ حاصل جمع ما حصل عليه حمدين صباحي، ويقترب من خمسة ملايين صوت، يضاف إليها ما حصل عليه عبد المنعم أبو الفتوح، وهم أكثر قليلا من أربعة ملايين صوت، بجانب أعداد متناثرة لخالد علي وهشام بسطاويسي وأبو العز الحريري. وأصوات الثورة خالصة، ومبرأة من شبهة المال السياسي، أو التمويل الخارجي والسعودي الخليجي، ومن تحيز الأجهزة الحكومية أو الأمنية، أو إرهاب مليشيات وبلطجية الحزب الوطني المنحل، ولم تملك قوى الثورة الحقيقية إمكانية مالية تذكر، ولو ملكتها ما قدمتها رشاوى نقدية أو عينية، ولم تكن لتستغل حاجة الفقراء والمعدمين لتشتري أصواتهم، وليست لها صحف وفضائيات عملاقة للتخديم عليها، وإمكانياتها فقيرة وحجمها محدود، وقيمة الصوت ‘الحلال’ يساوي في عرف الشرفاء عشرة أضعاف الصوت المغشوش. لقد سنحت الفرصة كي تتحول كتلة الثورة التصويتية إلى ‘كتلة تاريخية’؛ عليها أن تنظم نفسها، وتبلور مشروعها، وتلبي طموحات هذا الشعب العظيم، ومن أسباب ظهور هذه الكتلة هو ثبات ووضوح انحياز خطاب حمدين صباحي السياسي والانتخابي للشعب والثورة، وهذا أكسب الثورة مصداقية جعلتها تتقدم غيرها، الذين لم يكن خطابهم بنفس المستوى من الثبات والوضوح والانحياز. بجانب التأثير السلبي لظهور وائل غنيم؛ بشخصيته المثيرة للجدل إلى جانب عبد المنعم أبو الفتوح وإعلان تأييده له، أثر ذلك على البعض فأعطوا أصواتهم لغيره!
، وسحب ذلك من رصيد الكتلة التصويتية لقوى الثورة!. وإذا كان مرشح جماعة الإخوان المسلمين قد احتل المركز الأول، وتمكن ممثل الحكم السابق من منافسته، علينا أن ننبه إلى أن أعداد المصوتين لحزب الحرية والعدالة الإخواني هبطوا من أكثر من أحد عشر مليونا في انتخابات مجلس الشعب إلى أقل من ستة ملايين في الانتخابات الرئاسية، واقتربت خسارتهم إلى النصف في شهور قليلة، وهذه خسارة فادحة بكل المقاييس؛ تسبب فيها أداء برلماني متواضع، وعدم إصدار تشريعات عاجلة وملزمة لمعالجة مشاكل الفقر، واسترداد الأموال المنهوبة، واسترجاع أراضي الدولة التي بيعت بالأمر المباشر؛ كشيء أشبه بوضع اليد، أو بثمن بخس أقرب إلى المجان، وصراع غير مبرر مع السلطة القضائية، ومحاولة إلغاء وتحجيم المحكمة الدستورية العليا، وقلق يثيره خطاب الأكثرية البرلمانية في أوساط النساء وبين المسيحيين، وسعيها للانقلاب على منظومة الأحوال الشخصية، وغموض موقفها من مدنية الدولة، بجانب كسر هيبة كانت لجماعة الإخوان جرأ المواطن العادي عليها، فلم تعد له نفس الرهبة السابقة. ومن ناحية أخرى عمت المزاج المصري حالة نفسية سيئة، فقد كانت الصدمة فوق طاقة الغالبية العظمى على التحمل، خاصة بين الشباب والفتيات وصغار السن؛ من طلاب وطالبات المدارس الثانوية والسنوات الأولى في الجامعات، وبين صغار المهنيين والعمال والفلاحين، وما من أسرة أو جماعة أو مكان عمل في مصر لم يعان، أو استطاع أن يحافظ على توازنه من صدمة النتيجة. خيم الحزن والإحباط الشديد على أغلب الناس، الذين رددوا سؤالا سمعناه من الكبير والصغير، ومن الرجل والمرأة: إذا تسبب كم الأصوات التي حصل عليها أحمد شفيق في كل ذلك الكم الهائل من الحزن والإحباط من جراء الأصوات التي حصل عليها أحمد شفيق بين هذه القطاعات الواسعة من الشعب؛ فمن إذن قد أعطاه صوته، وهو على هذا الدرجة من الرفض شبه الجماعي؟
ومما لمسته شخصيا ما قد يساعد في إجلاء غموض اكتنف الصورة الحقيقية. فأسرتي الأكبر توزعت بين تأييد حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، وتمكن إخوتي وأخواتي وأبناؤهم وزملاؤهم وأصدقاؤهم من تغيير ميزان القوى في بعض مناطق الجيزة وضاحية السادس من اكتوبر؛ فمال ميزانها نحو الثورة، وترتب على ذلك تراجع أوزان كانت ذات ثقل في استفتاء 19/ 3/ 2011، وفي انتخابات البرلمان نهايات العام الماضي وبدايات العام الحالي، وتكرر الحال مع من نعرفهم من أْعضاء حملة صباحي وأعضاء وقيادات ‘المجاس الوطني’ في محافظات كثيرة، خاصة محافظة الإسكندرية، التي حصل فيها على أعلى الأصوات.
ومع ذلك تركت أثرا سلبيا على ابن أخي الأصغر، وهو في سنته الجامعية الأولى. قال أنه سيرحل ويترك البلاد، وبدا فاقدا للأمل لوصول شفيق إلى جولة الإعادة. سألته هل سمعت عن جندي ينسحب من معركة أبلى فيها بلاء حسنا، ويكفي أنك وزملاءك بجهدكم ساهمتم في إستعادة المواطنين إلى حضن الثورة، وأثبتم أن الثورة مستقرة في قلوب وعقول المواطنين، وإن خسرتم منصب الرئيس فعليكم ألا تخسروا القلوب والعقول التي وقفت معكم، وكيف لمن صنعوا هذا أن ييأسوا أو يحبطوا؟! وقلت أن الانتخابات ليست نهاية المطاف، وقد تكون بداية لـ’مقاومة سلمية’ عنيدة تنتهي بانتصار الثورة، وعدَل عن موقفه وعادت الابتسامة إلى وجهه مرة أخرى.
كان الموقف الأكثر تأثيرا هو موقف مصاب من مصابي الثورة، ومن المتطوعين في فريق ‘جمعية شهداء وأبطال ثورة 25 يناير’.. ويرأسها الأستاذ الجامعي المعروف محمد شرف، ويبذلون جهدا كبيرا لتوفير فرص لعلاج المصابين في داخل مصر وخارجها ورعايتهم، ويعملون على تلبية احتياجات أسر الشهداء وذويهم. وفور سماعه إعلان النتيجة الرسمية انتابته موجة من البكاء، ولما لم يتمكن زملاؤه من التخفيف عنه، وطلبوا مني الذهاب والتحدث إليه، لثقة متبادلة بيني وبينه، والتقيت بذلك الشاب الثائر الصلب، الذي كاد أن يدفع حياته ثمن موقفه، وما زال يعاني من إصابته وهو في مقتبل عمره، ولم يفت كل ذلك من عضده، لكنه لم يتحمل أو كان يتصور أن يكون أحمد شفيق صاحب ‘موقعة الجمل’ يحل منافسا على أعلى وأرفع منصب في الدولة بعد الثورة، وكان في حالة أقرب إلى الانهيار. وسألته ألم تكن الانتخابات استفتاءا على الثورة؟
، ؤأليس هذا مدعاة للتفاؤل والثقة في النفس وليس مصدرا للإحباط؟ والمعضلة الان هي في صعوبة الاختيار بين ما وُصف بالسيئ والأسوأ. وبدا الأمر وكأن الإخوان الذين أداروا ظهورهم للثورة يحصدون ما سعوا إليه. في وقت اعتبرت قوى الثورة ومكوناتها من الوطنيين والإسلاميين والعروبيين والاشتراكيين أنها خرجت من المنافسة، ولم تعد طرفا في صراع عبثي حول سلطة يتجاذبها مشروعان؛ أحدهما أفل تصدعت أركانه؛ وكان عنوانه الاستبداد والفساد والتبعية. ومشروع يعيد مصر إلى تقاليد وأعراف العشائر والقبائل والجماعات البدائية، وإلى عنصرية وتطرف المذاهب والطوائف، وإلى قواعد التمييز بين المواطنين على أساس الجنس والدين والحظوظ الاجتماعية والاقتصادية، ويتفق المشروعان على الاستحواذ والإمساك بكل سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء، إنهم سواء بسواء في الاستحواذ والهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية والدينية، ووصل الأمر بالأغلبية الإسلامية في البرلمان إلى طلب سحب الجدارة من الأزهر؛ كمرجعية دينية إسلامية، واستبداله بمرجعية ‘الإسلام السياسي’ المتناقضة والمتصادمة والمتطرفة في كثير من منطلقاتها مع صحيح الإسلام ذاته. وإذا ما عاد أحد رجال مبارك إلى أعلى منصب في البلاد، أو تولى المنصب من بايع الشيخ محمد بديع على السمع والطاعة، فسوف يمثل أحدهما الموالاة ويجلس الآخر على مقاعد المعارضة في فترة من المتوقع ألا تطول. هذا يفرض على قوى الثورة أن تنأى بنفسها عن صرع الموالاة والمعارضة، وتشكل كتلتها التاريخية وتعتمد آلية ‘المقاومة السلمية’ وتتجاوز أساليب الحكم التقليدية، التي تقيم مصالحها على الغنائم واقتسام المناصب والمنافع، دون حساب للثورة وتطلعات الشعب، وتكون مهمتها العمل على انتصار الثورة ووصولها إلى الحكم؛ لتقرر مصيرها بنفسها، وسوف تكون جمهورية ما بعد الانتخابات قصيرة وعابرة، ولن يتعدى عمرها شهورا وأياما معدودة!!.’ كاتب من مصر يقيم في لندن