فتح تتمتع بدعم دولي قلص من حرية اسرائيل في التحرك
يتوجب تقشير عدد كبير من طبقات الخطاب الدعاوي من اجل التيقن من أن سيطرة حماس علي السلطة تخدم مصالح اللاعبين الآخرين في المنطقة ـ عندما يكون اسماعيل هنية في الحكم، فان بامكان اسرائيل أن تواصل سياستها أحادية الجانب في المناطق. وحكام مصر والسعودية الخاضعون للضغوط الامريكية بادخال الدمقرطة الي بلادهم، يستطيعون أخذ قسط من الراحة: نظرية بوش لتغيير الانظمة العربية تبددت مع انتصار حماس في الانتخابات. حتي بشار الأسد الذي أوشك علي الرحيل مُكرها عن كرسيه نجا في اللحظة الأخيرة. نظامه العلماني الدكتاتوري بكل مساوئه بدا فجأة أفضل من النظام الديمقراطي الاسلامي في دمشق.
ايهود اولمرت يحتاج الي حماس أكثر من غيره. حكومة حماس الضعيفة والمفتقرة الي الدعم الدولي والمتطلعة للمساعدة، هي البديل الأفضل من ناحيته في الجانب الفلسطيني. لدي اولمرت استراتيجية: اخلاء اغلبية المستوطنات من الضفة الغربية من اجل انقاذ اسرائيل من كارثة ديمغرافية، والاستعداد بصورة أفضل عسكريا وسياسيا للمجابهة القادمة مع الفلسطينيين. ولكنه لا يملك متسعا من الوقت. قبل الانتخابات تحدث اولمرت عما تبقي من ولاية بوش (حتي كانون الثاني ـ يناير 2009) باعتبارها نافذة فرص لتنفيذ خطة الانطواء. فترة حكم بوش تبدو الآن مسألة أبدية بالمقارنة مع حكومة اولمرت التي يُشك في استمرارها حتي ذلك الحين.
اولمرت مُجبر علي التحرك بسرعة وتصميم. اليمين تلقي ضربة في الانتخابات والمستوطنون ما زالوا في عزلتهم ومستوي الارهاب ما زال متدنيا. ولكن هذا الوضع لن يتواصل الي ما لا نهاية. لذلك يحظر علي اولمرت أن يهدر الوقت علي المفاوضات الوهمية الفارغة. اذا طلب منه أن يضيع شهوراً علي مفاوضات عقيمة مع محمود عباس أو مع شخصية فلسطينية وهمية اخري فانه سيفقد اللحظة السانحة وتعلق اسرائيل لفترة اخري مع يتسهار وايتمار وغيرها من البؤر الاستيطانية المقامة علي ظهر الجبل.
أنصار الشريك محمود عباس من بين الاسرائيليين يقترحون اجراء مفاوضات التسوية الدائمة معه واستكمالها خلال شهر، ومن ثم طرحها علي استفتاء شعبي فلسطيني. حسب السيناريو الذي يتصورونه سيجد محمود عباس صعوبة في ابتلاع الاتفاق ويسقط من الحكم. هذا يبدو جيدا اذا كان جزءا من قصة خيالية جيدة الحبك. أما علي ارض الواقع، فلا توجد أي قيمة للاتفاق مع محمود عباس الذي لا يستطيع أن ينفذه أصلا. الأصعب من ذلك أن المفاوضات معه تنطوي علي جانب من الخطورة. اذا تفجرت المفاوضات ـ بسبب الاختلاف حول مشكلة اللاجئين أو القدس مثلا ـ ستجد اسرائيل صعوبة في الانسحاب من المستوطنات. ذلك لأنه لا يخطر بالبال أن يتم التنازل عن الاراضي للفلسطينيين بصورة مجانية بعد الفشل علي طاولة المفاوضات. بذلك سيتكرس الصراع ضمن الخطوط القائمة، والمستوطنات ستحظي بعملية إنعاش اصطناعية اضافية مثلما حدث بعد الفشل الذريع في كامب ديفيد.
وعليه، فمن الأفضل لاسرائيل ان تكون حماس غير الودية في الحكم. أخيرا أصبح في الجانب الفلسطيني طرف منضبط قادر علي الحفاظ علي وقف اطلاق النار ـ حتي اذا كان هشا ومنقوصا ـ وتطبيق مبدأ قانون واحد وسلاح واحد تدريجيا بدلا من فوضي فتح الممأسسة. التفاهم الصامت الذي توصل اليه شارون مع حماس بوساطة محمود عباس أتاح الانسحاب الاسرائيلي من غزة، وما زال يسمح بحياة طبيعية في القدس وتل ابيب. وقف اطلاق النار القائم أهم في الوضع الراهن من اللقاءات الاستعراضية وخطابات السلام.
فتح تتمتع بدعم دولي قلص من حرية اسرائيل في التحرك. أما حماس فتفتقر الي هذه المكانة. رفضها الاعتراف باسرائيل وتمسكها بالايديولوجيا المتطرفة ودعمها الصارخ لعملية تل ابيب تصب كلها في صالح الدعاية الاسرائيلية المضادة. الصراع الداخلي يشغل الفلسطينيين ويتيح لاسرائيل التركيز علي قضاياها الخاصة. من الصعب تخيل ظروف سياسية أفضل لخطة الانطواء، واذا لم يستغل اولمرت هذه الفرصة السانحة فانه سيفقدها، وعليه ستتلاشي خطته.
الوف بنالمراسل السياسي للصحيفة(هآرتس) 27/4/2006