د. بشير موسى نافع
ما لم يقرر المجلس العسكري في مصر التسبب في تفجير كامل الوضع المصري، فإن اللجنة العليا للانتخابات ستعلن اليوم محمد مرسي رئيساً مقبلاً للجمهورية. ولكن ذلك يجب أن لا يعني التقليل من حجم التحديات التي سيواجهها الرئيس، سيما على صعيد انتقال السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي مجال إعادة توحيد المصريين خلف مؤسسة الرئاسة، ونقل التدافع السياسي إلى مستوى التدافع الديمقراطي، والتعامل مع الصعوبات الاقتصادية الهائلة التي تواجهها البلاد. في الوقت نفسه، لا يجب التقليل من حجم الانتصار الذي حققه مرسي في معركة لم تكن بالضرورة متكافئة. هذا انتصار كبير لحركة الثورة العربية، لمصر والمصريين، ولحركة الإخوان المصريين في البلد الذي شهد ولادتها قبل أكثر من ثمانية عقود.
ليس هذا الموقع أو الزمن المناسب لمناقشة الأسباب التي أدت إلى أن تنتهي الانتخابات الرئاسية المصرية إلى منافسة بين مرشح حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، ومرشح النظام السابق. المهم، أن هذه المنافسة بدت في بعض لحظاتها وكأنها تهدد بالإتيان بأحمد شفيق رئيساً، ومعه طاقم كبير من قيادات الحزب الوطني المنحل ورجال الأعمال الذين صنعهم النظام السابق وعملوا على خدمة مصالحه. ما كان للثورة المصرية أن تصل إلى مرحلة توفر لمثل هؤلاء من شرعية المنافسة والعمل السياسي ما أعطته الثورة للشباب الذين قادوا ونظموا الحراك الشعبي وللأحزاب والقوى السياسية التي عارضت النظام السابق ووقفت في صف الثورة والتغيير. ولكن هذا ما حدث بالفعل. وليس ثمة شك في أن ليس مصر وحسب، بل وكل الدول العربية التي تغيرت بفعل الثورة الشعبية، أو التي هي في طريق التغيير، كانت ستصبح عرضة للتهديد بوصول شفيق إلى مقعد الرئاسة. ولم يكن غريباً، عندما ظهرت نتائج الجولة الأولى، التي أهلت مرسي وشفيق للمنافسة في الجولة الثانية، أن صرح الناطق باسم الفريق لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ الأمريكية بأن الثورة قد انتهت. شفيق لم يكن مشروعاً لرئاسة مصر، بل ممثلاً لمعسكر كبير، يسعى للانقلاب على الثورة في مصر. ولأن مصر كانت المحطة الكبرى لحركة الثورة العربية، فلم يكن من المستبعد أن يؤدي نجاح شفيق إلى الانقلاب على الثورة في كل المجال العربي، من تونس وليبيا إلى اليمن وسورية. بيد أن نجاح مرسي، إلى جانب الأمل الذي يحمله لحلم الثورة والتغيير، يستبطن في الآن نفسه دلالات لا تقل أهمية لمصر الحديثة ولخارطة القوة في الجمهورية المصرية. ولدت الدولة المصر الحديثة قبل مائتي عام على يد محمد علي، الوالي العثماني الطموح، الذي نجح في النهاية في تحقيق استقلال ذاتي عن المركز العثماني. وقد شهدت مصر، كما كل المجال العثماني في القرن التاسع عشر، موجات متقطعة من التحديث، التي أدت في النهاية إلى ولادة دولة مركزية على النمط الأوروبي الحديث. الحقيقة، أن محمد علي استعان منذ بداية عمله لإعادة بناء مصر بأعداد من السان سيمونيين الفرنسيين وضباط الثورة الفرنسية السابقين، الذي هجروا بلادهم بعد هزيمة نابليون وعودة الملكية. أصبحت مصر خلال القرن التاسع عشر دولة لا تقل تحديثاً وأوربة عن الكثير من الدول الأوروبية، وارتبطت بصورة وثيقة بالسوق الرأسمالي العالمي، المتسع وبالغ السطوة. مصر الخديوية هذه وقعت، منذ 1882، تحت السيطرة البريطانية؛ وحتى قبل إعلان الحماية البريطانية رسمياً في مطلع الحرب الأولى، كان المندوب السامي البريطاني يدير شؤون مصر وكأنها مستعمرة بريطانية. هذا المتغير المزدوج من التحديث والسيطرة الأجنبية هو الذي أدى إلى تأسيس حركة الإخوان المسلمين في نهاية العشرينات. ويعتبر ظهور الإخوان المسلمين في الساحتين الثقافية والاجتماعية – السياسية المؤشر الأول على ولادة وتطور التيار الإسلامي السياسي في المجالين العربي والإسلامي. بهذا المعنى، يعتبر التيار الإسلامي السياسي ظاهرة حديثة بامتياز، ليس فقط لأنه ظاهرة تعود إلى زمن قريب، ولكن أيضاً لأنه يمثل استجابة لتحديات وموضوعات وقيم ومتغيرات حديثة.
التطور الرئيسي الثالث في تاريخ مصر الحديثة، بعد مشروع محمد علي التحديثي والاحتلال البريطاني، تمثل في انقلاب الضباط الأحرار في 1952، ومن ثم وضع نهاية للنظام الملكي وولادة الجمهورية. والحقيقة أن الولادة العسكرية لم تكن مشكلة الجمهورية الوحيدة؛ فبعد حقبة ليبرالية مشوهة إلى حد كبير، بتعددية حزبية وتداول شكلي على السلطة، لم يطح الضباط بالحكم الملكي وحسب، ولكنهم أطاحوا أيضاً بالحريات والتعددية السياسية، بدلاً من أن يعملوا على إصلاح النظام السياسي كما وعدوا. كل من رؤساء الجمهورية الثلاث (لم يدم رابعهم، محمد نجيب، في موقعه سوى فترة قصيرة) طبع النظام الجمهوري بطابعه، من الحكم التحرري وتنمية اقتصاد الدولة في العهد الناصري، إلى ليبرالية اقتصادية محدودة وتوجه سياسي غربي في عهد السادات، وصولاً إلى احتكار أقلية صغيرة للسلطة والثروة في ظل اقتصاد ليبرالي جديد وارتباط وثيق بالمصالح الأمريكية في عهد مبارك. ولكن ما وحد العهود الثلاثة، على أية حال، كان غياب المناخ الديمقراطي وسيطرة نخبة مدنية وعسكرية، نجحت طوال ستة عقود في إعادة إنتاج نفسها، على مقاليد الحكم، والتماهي التدريجي والحثيث بين نظام الحكم ومؤسسة الدولة، بحيث لم يعد هناك من فاصل يذكر بين أداة الدولة (التي يفترض حيادها واستقلالها) وبين الحاكم، بغض النظر عن القيم التي حملها والسياسات التي تبناها أي من الأنظمة الثلاثة المتعاقبة.
ولكن المدهش في تاريخ مصر الحديث، سواء في الحقبة الملكية منذ نهاية العشرينات، أو الحقبة الجمهورية منذ انقلاب يوليو/ تموز 1952 وحتى سقوط مبارك في 11 شباط/فبراير 2011، أن أنظمة الحكم المصرية المختلفة عملت على إقصاء التيار الإسلامي السياسي، ممثلاً بحركة الإخوان المسلمين. تسامح الحكم الملكي مع الإخوان طالما اقتصر نشاطهم على العمل الخيري الاجتماعي والديني الدعوي. ولكن ما أن تطور نشاط الإخوان إلى المستوى السياسي في نهاية الثلاثينات، حتى انقلبوا إلى طرف في الصراع المحتدم على روح البلاد ومستقبلها. ارتكب الإخوان أخطاء فادحة في بعض الأحيان، سواء عندما قبلوا عقد تحالفات مع أطراف النظام الملكي وارتضوا استخدامهم في صراعات لم يكن لهم فيها من مصلحة مباشرة، تبررها قيمهم وأهدافهم، أو عندما لجأوا إلى تأسيس تنظيم عسكري سري مسلح، سرعان ما أفلت من سيطرة قيادة الحركة، ولم يتورع عن ارتكاب حوادث عنف إجرامية. ولكن الإخوان لم يتعرضوا للحل والمنع الأول في 1948، ويتم اغتيال زعيم الحركة ومؤسسها في العام التالي، نتيجة لأخطاء ما، بل لأن أطرافاً نافذة في النظام الملكي باتت تنظر إليهم باعتبارهم خطراً على النظام ككل، بغض النظر عن مواقفهم السياسية.
ولم تختلف رؤية قادة الجمهورية الأوائل للإخوان عن نظرة أسلافهم من قادة الحكم الملكي. كان الإخوان، والإخوان وحدهم بين كافة القوى السياسية، من تحالف مع الضباط في حركتهم لإطاحة النظام الملكي. بل أن العدد الأكبر من الضباط، قادة الانقلاب، كان أصلاً من الإخوان المسلمين. عندما أصبح واضحاً للضباط أن الإخوان سيشكلون مركز قوة سياسي آخر إلى جانب مجلس قيادة الثورة (من الضباط الأحرار)، لم يعد من مفر سوى الإطاحة بشركاء الانقلاب. كونهم شركاء أصيلين في ولادة الجمهورية، كان من المفترض أن يشارك الإخوان في بناء الجمهورية خلال العقود التالية لانقلاب 1952. ولكن ناصر ورفاقه، الذين عقدوا العزم على بسط سيطرة كاملة ومطلقة على الحكم، أدركوا سريعاً أن الحكم المركزي، المطلق، في الدولة الحديثة، لا يحتمل وجود مراكز قوة متعددة. وهكذا، بعد شهر عسل قصير بين الضباط والإخوان، عاد الضباط إلى تبني سياسة الإقصاء التي تبناها أسلافهم من رجالات الحكم الملكي. ولم يتم إقصاء الإخوان وحسب، بل تعرض الالاف منهم للسجن والاعتقال والتعذيب والموت؛ ولم يقتصر الإقصاء على العهد الناصري وحسب، بل واستمر، بلا هوادة، في عهدي السادات مبارك.
من هنا تنبع الدلالة الأبرز لفوز محمد مرسي بالرئاسة، سيما بعد أن قامت المحكمة الدستورية بإصدار أحكام تستبطن حل أول مجلس شعب منتخب بعد الثورة المصرية، تمتع الإخوان فيه بوضع الكتلة الأكبر وباحتلال موقع رئاسة المجلس. وحتى لو سمح للمجلس الاستمرار في دورته، وهو احتمال بعيد، فإن رئاسة الجمهورية شيء مختلف تماماً، كونها تمثل أعلى منصب تنفيذي في الجمهورية. ما حدث، إذن، أن الثورة المصرية تضع حداً لسياسة الإقصاء التي عاش الإخوان في ظلها وتحت سيفها طوال العقود الثمانية الماضية، وتتيح لهم احتلال موقع الشركاء في بناء الجمهورية الجديدة. القوة المصرية السياسية الأكبر، والأكبر منذ زمن بعيد، يفترض أن تفتح أمامها اليوم أبواب الجمهورية على مصراعيها، وقد أصبح واضحاً أن محمد مرسي نجح في اجتراح المعجزة السياسية والفوز في انتخابات الرئاسة. هذا منعطف كبير في تاريخ مصر، وتطور لا يقل حجماً في حياة الجمهورية المصرية؛ وهو تطور لا بد أن يصب في صالح مصر وصالح المصريين.
بيد أن فوز مرسي بالرئاسة لا يعني أننا سنشهد اتمام عملية انتقال السلطة من المجلس العسكري الحاكم إلى رئيس ونظام حكم مدنيين وشرعيين في نهاية هذا الشهر، كما كان مقرراً. تولي مرسي الرئاسة سيكون بداية عملية شاقة، لن تقل توتراً وتدافعاً عما كانت عليه أوضاع البلاد خلال الأشهر منذ سقوط نظام مبارك. قبل يومين من انطلاق المرحلة الثانية والأخيرة من انتخابات الرئاسة، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً سياسياً بحتاً، تبنى المجلس العسكري على إثره موقفاً بحل مجلس الشعب المنتخب. وما أن بدأ عد الأصوات مساء يوم 17 حزيران/يونيو، حتى أصدر المجلس العسكري إعلاناً دستورياً جديداً، استعاد به السلطة التشريعية في البلاد. بمعنى أن سلطات مجلس الشعب المنتخب من 28 مليوناً من المصريين انتقلت بأكملها إلى أحضان مجلس عسكري من ضباط الجيش. وفي اليوم التالي، نشر المجلس العسكري قرارين متتاليين، يتعلق الأول بتشكيل أمانة لرئاسة الجمهورية، تقيد حرية رئيس الجمهورية في إدارة شؤون مؤسسة الرئاسة، ويتعلق الثاني بتشكيل مجلس دفاع أعلى للجمهورية، يمثل العسكريون أغلبية أعضائه.
نظرياً، لم يقم الضباط بانقلاب عسكري بعد. في الحقيقة، يتصرف المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الأسبوعين الماضيين وكأنه قام بانقلاب عسكري فعلاً. وهذا ما سيلقي على محمد مرسي عبء رص صفوف الشعب وقواه السياسية من خلفه في سلسلة الصراعات المقبلة مع قيادة الجيش، التي ستأخذ وقتاً طويلاً نسبياً، وتنتهي إما بولادة جمهورية جديدة، حرة وتعددية وعادلة، أو الانقلاب العسكري السافر. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث