انتصار غزة يكرس خيار التحرر من الاستبداد

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابييمكن وصف الحرب الاخيرة بين قوات الاحتلال الاسرائيلية والفلسطينيين في غزة بانها ‘حرب المفاجآت’، فكل ما جرى في الايام الثمانية لم يكن متوقعا، وكان آخر المفاجآت نهايتها السريعة برغم تهديدات الجانب الصهيوني في بداية العدوان بانه سيواصل حتى يحسمها بشكل نهائي لصالحه. ومن المؤكد ان خطته كانت تهدف لذلك، والا فلا معنى لحرب تكون نتائجها أسوأ له من نتائج العدوان الذي حدث قبل اربعة اعوام. ومن الصعب التكهن بالعامل الأكبر في إقناع نتنياهو وجنرالاته بوقف ما بدأوه بالسرعة التي حدثت بدون ان يحققوا منها شيئايذكر. فصواريخ الفلسطينيين هطلت على المدن المحتلة من قبل الاسرائيلي. حتى اللحظات الاخيرة قبيل وقف اطلاق النار. بل ان الاسرائيليين هذه المرة شعروا بالهزيمة التي ادخلتهم مرحلة جديدة قد تدفع بالكثيرين منهم لمغادرة ارض فلسطين الى اوطانهم الاصلية، بعد ان بدا مستقبل كيانهم غير مضمون. فاذا كانت الحرب الاسرائيلية غير قادرة على كسر ارادة شعب صغير يعاني من الحصار الاقتصادي والسياسي، فكيف يستطيع مواجهة القوى الاخرى الاكثر استعدادا وامكانات وبعدا عن دائرة نفوذه المباشرة؟ من الذي اتخذ قرار وقف العدوان بدون شروط تذكر، وارغم على التعامل مع منظمة ‘حماس’ التي كان تدميرها هدفه الاساسي، على قدم المساواة؟ فعلى مدى عشرين عاما من المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية كانت تل أبيب تصر على الاحتفاظ باملاء الشروط وتصر على اجنداتها السياسية، فلماذا ارغمت هذه المرة على لعق كبريائها والتوقف عن العدوان قبل ان تنتهي اسبابه؟ وكان واضحا ان الجانب الفلسطيني، برغم رغبته في تفادي الخسائر وسقوط الضحايا، لم يكن لاهثا وراء وقف اطلاق النار، بل كان يظهر عنفوانه يوميا واصراره على رفض الاحتلال الاسرائيلي وعدم الاعتراف بكيانه السياسي.عوامل عديدة ساهمت مجتمعة في ارغام رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، على اتخاذ قرار وقف اطلاق النار، برغم عدم تحقيق عدوانه، وبرغم ما يعنيه ذلك من انعكاسات سلبية على حظوظه في الانتخابات المقبلة.ومن سياق التصريحات الصهيونية كان واضحا شعور الاحتلال بفشل اجهزة استخباراته في تقدير الامكانات العسكرية، خصوصا الصاروخية، التي كانت بايدي مقاتلي منظمة حماس والجهاد الاسلامي. وكان تساقط تلك الصواريخ على كافة المستوطنات والمدن الكبرى، خصوصا تل أبيب والقدس، من بين اهم مفاجآت الحرب. ووفقا لما طرحه الخبراء العسكريون، فقد كان سقوط صواريخ ‘فجر 5’ الايرانية الصنع على هذه المدن صاعقا، وأثره على المعنويات الاسرائيلية مدمرا. فاذا استطاعت مجموعات المقاومة الفلسطينية اختراق شبكات الدفاع، ومنها ما سمي ‘القبة الصاروخية’ وافشال اجهزة الاستخبارات باخفاء امكاناتها العسكرية عنها، فان ذلك يعني ان مقولة ‘التفوق العسكري’ الاسرائيلي على الجانب العربي قد سقطت، وان الجنود والمستوطنين اصبحوا مكشوفين تماما امام مجموعات المقاومة. كما اكدت الحرب ونتائجها حقائق اخرى من اهمها فشل القادة السياسيين في توقيت العدوان العسكري، وعجز اجهزة الاستخبارات والرصد الاسرائيلية عن التعرف على ما تمتلكه مجموعات المقاومة الفلسطينية، وفشل الاجهزة العسكرية في تحقيق اهدافها الاستراتيجية واهمها تدمير قدرة المقاومة على اطلاق تلك الصواريخ. فقد اعتادت قوات العدو شن حروبها ضد الدول العربية بدون ان تخشى ردة فعل عسكرية فاعلة، بينما اصبحت الآن مكشوفة امام مجموعات اكثر اصرارا على التحرير وأقل ميلا للتعايش مع الاحتلال.ما الذي حملته وزيرة الخارجية الامريكية لتل ابيب في زيارتها التي اعلنت حكومة نتنياهو خلالها موافقتها على وقف اطلاق النار؟لا شك ان للاعتبارات الجغرا- سياسية الاقليمية دورها في ذلك. فقد كان واضحا ان حظوظ الاسرائيليين العسكرية قد تلاشت، وانهم اصبحوا يخوضون حربا خاسرة ستفيد من تعتبرهم الولايات المتحدة و ‘اسرائيل’ اعداء لها. وكان استخدام الصواريخ الايرانية عاملا ساهم في حسم المعركة لغير صالح نتنياهو وحكومته. فايران التي تسعى واشنطن لتجاوزها وابعادها عن شؤون المنطقة وخلق فجوة بينها وبين العالم العربي على اسس طائفية، اصبحت في بؤرة الصراع. وفيما كانت مصر وتركيا وقطر تسعى لـ ‘التوسط’ بين الاسرائيليين والفلسطينيين لوقف اطلاق النار، كان موقف ايران واضحا ليس فيه لبس او غموض: الانحياز بشكل لا يقبل الشك الى جانب الفلسطينيين. وكانت تشارك في الحرب من خلال دعمها لقوى المقاومة الفلسطينية وتزويدها بالسلاح والعتاد. واتضح الآن ان اعمالا عدوانية شنتها القوات الجوية الاسرائيلية على السودان كانت تهدف للقضاء على اية محاولة لدعم سكان غزة بايصال المواد الحيوية او العسكرية لهم. وتصر قوات الاحتلال الاسرائيلية على منع ضحاياها من امتلاك الاسلحة التي توفر لهم القدرة على مقاومة العدوان الاسرائيلي الذي استهدف بلدانا عربية شتى في السنوات الاخيرة. فقبل شهر واحد فقط اعتدت مجموعة من الطائرات الاسرائيلية على مصنع اليرموك للذخيرة بالعاصمة الخرطوم، ودمرته تماما. واتهمت السودان الكيان الاسرائيلي بهذا العدوان السافر، وطالبت من الامم المتحدة استنكار هذا العمل الشنيع. وفي مطلع العام قامت عشرات المقاتلاتالجوية الاسرائيلية باستهداف قافلة عسكرية بصحراء السودان، قالت انها متوجهة الى غزة. وادعت المصادر المرتبطة بالكيان الاسرائيلي ان القافلة كانت تحمل اسلحة ايرانية كانت في طريقها الى غزة عن طريق مصر، وذلك إبان العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في شهر كانون الثاني/يناير. كما ذكرت المصادر الاسرائيلية ان الشحنة المتكونة من 120 طناً من المتفجرات والأسلحة تضمنت صواريخ مضادة للدروع بالإضافة إلى صاروخ ‘فجر’، الذي استخدم هذه المرة لضرب تل ابيب والقدس، بالإضافة إلى رؤوس حربية، حسبما أورد التقرير.لا شك ان الصواريخ التي تقاطرت على مدن الارض المحتلة كانت واحدا من اقوى العوامل التي ارغمت الاسرائيليين على رفع الراية البيضاء. وبرغم الصمت الايراني حول مصدر هذه الصواريخ فان احدا لا يشك انها جاءت من طهران. ووصول بعض هذه الصواريخ الى المدن الرئيسية يعتبر تحولا جوهريا في ميزان القوى. فحتى وقت قريب بقيت تل أبيب خارج اطار اي نزاع مسلح، ولم تتعرض للتهديد او القصف. وحين تستطيع حركة ‘حماس’ برغم تواضع امكاناتها والحصار المفروض عليها تهديد تلك المدن، فان ذلك يعني ان عصر التفوق العسكري الاسرائيلي قد ولى، واستبدل بتوازن جديد للقوى ليس بالضرورة لصالح الطرف الاسرائيلي. ويدرك التحالف الغربي المتواطىء مع الكيان الاسرائيلي في افعاله المشينة ان انعكاسات هذا التحول ليست محصورة بالكيان الاسرائيلي، بل انه ينعكس على العلاقات المضطربة بين الغرب وبعض دول المنطقة، خصوصا ايران. فاذا كانت منظمة حماس، وهي الطرف الاضعف عسكريا بين القوى غير الفلسطينية المناهضة للكيان الاسرائيلي قد استطاعت الصمود امام العدوان الاسرائيلي المتوحش، فكيف سيكون اداء حزب الله مثلا الذي سجل باكورة الصمود امام الاسرائيليين في حرب 2006؟ وكيف ستكون نتائج اي عدوان ضد ايران، وهي البلد الذي يمتلك من الامكانات اضعاف ما تمتلكه حماس او حزب الله؟ لقد اصبح واضحا ان اي استهداف عسكري اسرائيلي للجمهورية الاسلامية لن يكتب له النجاح، بل ستتوسع دائرته وقد يتحول الى حرب اقليمية اوسع، ولكنها لن تكون لصالح التحالف الامريكي الاسرائيلي. ان من الواضح ان نتنياهو أخطأ حساباته ولم يحسن قراءة التحول في الموقفين الاقليمي والدولي. ومع استمرار ازمة سوريا، فان فتح جبهة اخرى مع غزة كان خطأ استراتيجيا لا يخدم اهداف حلفائه، لان ذلك يشوش المشهد السياسي، ويبعد الانظار عن الوضع السوري. بينما يريد حلفاء ‘اسرائيل’ تركيز الانظار والجهود على الملف السوري لانه مرتبط بالملف الايراني وحزب الله.فهناك صراع اقليمي محتدم، عنوانه الملف السوري، ولكنه لا ينفصل عن عناوين اخرى من بينها الملف النووي الايراني، ونزع سلاح المقاومة اللبنانية، واحتواء ثورات ‘الربيع العربي’ والحفاظ ما امكن على الوضع الراهن، وتفكيك الامة وفق خطوط التمايز المذهبي بشكل خاص. المشكلة ان الكيان الاسرائيلي يدرك ان الرأي العام في العالم ليس لصالحه، وانه بحاجة لاحداث هزة في ثوابت المنطقة. ويخشى ان تؤدي حالة الهدنة مع اهل غزة الى اعادة تشكيل القناعات والمواقف بشكل لا يحقق مصالح قوى الثورة المضادة. فالتغيرات الديمقراطية تنسجم مع الهوى الايراني الذي يتناغم مع مقولات الثورة والتغيير ووحدة الامة وتقنين العلاقات مع الغرب بما يحفظ الاستقلال ويمنع التبعية والاستغلال.ايران رأت في الحرب تطبيقا لمبادئها وفرصة لاخراج المنطقة من الامراض والاسقام التي فرضتها قوى الثورة المضادة عليها خصوصا حالة الاحتراب المذهبي وفرض عزلة على القوى الناهضة او السعي لاحتوائها. ومنذ حربي تموز 2006 التي خاضها حزب الله و2008 التي خاضتها حماس والجهاد الاسلامي، كان هناك توجس لنشوب حروب اخرى لان العدو الاسرائيلي يسعى لاستعادة مصداقيته بعد ادائه السيىء في الحربين المذكورتين. مشكلة هذا الكيان انه لا يهتم بالرأي العام العالمي ولا يحترم المواثيق الدولية ولا يراعي قيمة حياة الفلسطينيين. ولذلك استمر في جرائم اغتيال نشطاء حزب الله (ومنهم عماد مغنية) وحماس (آخرهم محمد الجعبري، وقبله محمود المبحوح). والواضح انه لم يكن واعيا لتطور امكانات مجموعات المقاومة، ولذلك جاء رد حركة ‘حماس’ على اغتيال الجعبري سريعا، فشنت ‘اسرائيل’ حربها ضد غزة. وجاءت نتائجها معاكسة تماما لما كان الاسرائيليون يخططون له، فتشكل رأي عام دولي ضدهم، وتحرك حلفاؤهم لوقف الحرب على اساس الاعتبارات المذكورة. واتضح ان استمرار الحرب سيكون ضد مصالحهم وخططهم، فجاء الضغط الدولي لوقفها.برغم قصر فترة العدوان الاسرائيلي الا ان انعكاساته على المستقبل المنظور ليست قليلة، خصوصا ان الكيان الاسرائيلي فشل في تسجيل انتصار حاسم يعيد له هيبته التي كان يحظى بها قبل حرب تموز 2006. ومن آثار العدوان ما يلي: اولا انه بالرغم من إصرار الولايات المتحدة الامريكية على الاحتفاظ بالتفوق العسكري الاسرائيلي، فان هذا التوازن اصبح قلقا بعد ثلاث حروب بدأتها قوات الاحتلال ولم تستطع حسمها لصالحها. ومن شأن اضطراب التوازن ان يلغي الميزة الاساسية للكيان الاسرائيلي، ويدخله عهدا لا تتوفر فيه حصانة لذلك الكيان.ثانيا: اظهر العدوان وجود تحول في المزاج العام العربي والاسلامي، لغير صالح استمرار الاحتلال والكيان الاسرائيلي. فمصر لا تستطيع التنصل من مسؤولياتها ازاء شعب فلسطين، واذا كانت قد استطاعت الالتزام بحصر موقفها بمراقبة الوضع من جهة والتوسط لوقف اطلاق النار من جهة اخرى، فان الكيان الاسرائيلي يعرف ان سياسة الحياد لن تدون طويلا، خصوصا ان جماعة الاخوان ما تزال تلتزم سياسة رفض الاحتلال وعدم الاعتراف به وعدم اقامة علاقات مع الكيان الاسرائيلي. كما ان المزاج العام في المنطقة لم يعد يقبل بالتعايش معه بل اصبح اكثر رفضا للاحتلال، واكثر استعدادا للتضحية من اجل الحفاظ على الشعب الفلسطيني ومؤسساته. وقد أدت التغيرات السياسية في المنطقة خصوصا في مصر الى احداث تغيير في التوازن السياسي لغير صالح الاحتلال، الامر الذي ستكون له تبعات ايجابية لصالح الشعوب العربية وتحررها واستقلالها. كما ان اعادة انتخاب باراك اوباما قلصت فرص الحرب نوعا ما. وربما كان لذلك اثره في الضغط على نتنياهو لوقف اطلاق النار كلي لا يحرج البيت الابيض. هذه الحقائق جميعا لا تلغي ضرورة التحلي باليقظة والحذر من دسائس اعداء الامة واعداء الثورة، خصوصا من يمارسون الاحتلال ويقاومون التغيير ويصرون على الاستبداد وقمع الشعوب. هذا الحذر تدعمه من جهة اخرى حقيقة اخرى وهي ان حروبا ثلاثا في غضون اعوام ستة فشلت في كسر ارادة مقاومة الاحتلال وعمقت شعور الكرامة في النفوس والرغبة في التحرر واستعادة الكرامة. فكيف لو تحررت البلدان العربية من انظمة القمع واستعادت حريتها وانتخبت حكوماتها وقررت المشاركة في الدفاع المقدس عن الاراضي المحتلة؟ هذا يعني ان فلسطين مدخل للتغيير العربي، وان هذا التغيير ضرورة لتحرير فلسطين. من هنا يستمر التواطؤ الدولي لمنع تحقيق اي منهما، وهذا يستدعي من النشطاء مواصلة النضال لتحقيق كليهما. ان تجربة الامة مع حروب ثلاث مع الصهاينة، وثورات اكثر ضد انظمة الاستبداد يؤكد هذا الوعي ويقتضي المزيد من وضوح الرؤية وتلاحم الجماهير ورص صفوفها على مسار التحرر المحلي والاقليمي.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية