انتظارات
أمجد ناصرانتظاراتالانتظار فعل سلبي. عطالة. لا فعل. هكذا تصوره لنا الارادة الانسانية الفاعلة. السعي، هنا، هو الممتدح. هذا ايضا يتوافق مع الدرس الديني والاخلاقي علي السواء: السعي في مناكبها، السماء التي لا تمطر ذهبا ولا فضة، من جد وجد الخ… الادب، وحده، امتدح الانتظار وتوّجه علي عرش التمزق الانساني واعطاه قيمة لا تقل عن السعي. الانتظار لا يعني الصبر او امتحان اعماق الكائن وانما يعني، ايضا،الحيرة وانعدام اليقين، والحيرة وانعدام اليقين هما ذهب الادب وفضته.اقدم انواع الانتظار صوره لنا هوميروس في الأوديسة . ففي مقابل السعي الملحمي ليوليسيس في الحرب والحب والمنفي، هناك الانتظار الدهري الثابت لبنلوبي. يوليسيس يفرغ من حرب طروادة ويقفل عائدا وسط اهوال كالجبال الي ايثاكا ، فيما تعمل بنلوبي، في انتظاره، علي تجميد الزمن من خلال النسيج الذي تحوكه نهارا لتفرطه ليلا لتعود صباحا الي حياكته من دون ان يتقدم هذا العمل الماكر خطوة او يتأخر خطوة. خطابها المتوددون الذين يتمددون في ردهات منزلها في انتظار اكتمال حياكة النسيج العبثي يطعنون في الانتظار. الجميع في ايثاكا محكومون بقانون الانتظار: بنلوبي، الخطاب، تليماخ (ابن يوليسيس)، وارغوس (كلبه العجوز)، وشجرة الزيتون عند مدخل الميناء.لو ان مشهدا سينمائيا نقل لنا بكاميرتين محاولة يوليسيس العودة الي ايثاكا وانتظار بنلوبي في منزلها لكنا امام صورتين متناقضتين: يوليسيس في وضع حركة وسعي دائمين وبنلوبي التي تفرد النسيج في حجرها في وضع انتظار.غير ان هذا المشهد خادع. فبنلوبي لا تقل حركة عن يوليسيس الذي يصارع الاقدار والعواصف والانواء، لكن حركتها ليست خارجية. ليست حركة عضلات واعضاء بل حركة داخلية. ففي رأسها، وربما في قلبها ايضا، تدير لعبة الزمن الماكرة مع خطابها المنتظرين. الانتظار، لا السعي والفعل، هو الحل عند بنلوبي. هو سلاحها. انتظار الريح الطيبة التي قد تعود بأشرعة سيد القلب الي منزله.يوليسيس يعود. يقضي عشر سنين في حرب طروادة وعشرا مثلها يصارع اقدارا عنيدة في طريق عودته الي البيت.لا يهتم النص الهوميري بما بعد الانتظار ولمّ الشمل. لا نعرف ان كان يوليسيس الذي انتظرته بنلوبي عشرين سنة هو نفسه الذي غادرها الي حرب طروادة. صحيح ان الندبة التي تميز ساقه ما تزال في موضعها ولكن ماذا عن ندب لا تلوح علي الجوارح؟ ـ ـ ـهناك انتظار من نوع اخر. انتظار العدو. ففي قصيدة كفافي الشهيرة عن خروج اهل اثينا لاستقبال البرابرة الغزاة يتحول الانتظار الي يأس وغم. فبعد ان انتظر الاهلون ان يشكل مجيء البرابرة نوعا من حل، يسدل الليل استاره علي مدينة تغرق في الكآبة لأن الذين انتظروهم، وارسلوا، بغية استطلاع مجيئهم السعيد، عيونا الي الحدود لم يأتوا.يقول كفافي علي لسان تلك المدينة الشقية التي تنتظر حدثا يخض ركودها: والآن ماذا سيحدث لنا من دون برابرة؟لقد كان اولئك الناس نوعا من حل!هذا ايضا يحصل لجنود القلعة الامامية في رواية دينو بوتزاني الاشهر صحراء التتار . حيث يموت الجنود ويطعن الضباط ويخرفون وهم يحملقون في الافق الرمادي البعيد بانتظار غزو جحافل العدو التي لا تأتي.انه يشبه انتظار الاثينيين لمجيء البرابرة من وراء الحدود ولكن من دون مسحة السخرية السوداء (المرحة مع ذلك) التي يسبغها كفافي علي امبراطورية تتفسخ ويكون الحل الوحيد لها مجيء البرابرة.الانتظار في صحراء التتار ثقيل، قاتم، بطيء للاشيء. الانتظار الثقيل هو الذي يصمد فيما يتداعي كل شيء حوله. الانتظار يبقي مشدود العصب سنة بعد اخري، عقدا بعد اخر. ولكن لا شيء يحدث ولا احد يجيء.. هذه الكلمات الاخيرة هي لانتظار آخر: انتظار غودو . لا شيء يحدث لا احد يجيء.. يا للهول.لا نعرف، عند صامويل بكيت، من هو غودو . لعله الخلاص، لعله اللعنة.. لا نعرف. ولا يعرف بطلاه فلاديمير واستراغون، اشهر بطلين مسرحيين في القرن العشرين، لماذا ينتظران شخصا يدعي غودو علي الطريق الزراعية. يتساءل فلاديمير مثلما تساءل اهل اثينا: ماذا علينا ان نفعل؟يجيبه رفيقه استراغون: لا شيء!ننتظر.ـ ـ ـالكل ينتظر. من منا لا ينتظر؟كأننا خلقنا من اجل الانتظار. ثمة من يحاول التعجيل بمجيء ما ينتظره وثمة من لا يقوم الا بفعل الانتظار. من يحاول استعجال ما ينتظر ومن لا يفعل شيئا (مثلما قال استراغون لرفيقه) يرجحان معا في كفة النقصان، ذلك ان سعيك وراء ما تنتظر لا يعني، البتة، الحصول عليه، ثم من يضمن لك الا يفضي الحصول علي ما تنتظر الي فراغ داخلي عظيم. او الي تلك الخيبة المدوية: اهذا ما كنت انتظر؟لكن الانتظار قد يبقي علي الأمل. قد يكون فعل حياة. ففي نوفيلا ماركيز الرائعة ليس لدي الكولونيل من يكاتبه يكون انتظار البريد هو كل ما يفعله احد ضباط الحروب الاهلية المديدة في امريكا اللاتينية. الامل (بل قل الحياة) هو في تلك الحركة اليومية التي يقطعها العجوز بين بيته المتداعي والميناء ومكتب البريد. انه الانتظار نفسه الذي اجبر عليه ياسر عرفات في مكتب محاصر يسمي المقاطعة . كان السندباد الفلسطيني ينتظر خبرا، مكالمة، رسولا يأتيه بالفرج ولكن من دون جدوي. الانتظار في حالة عرفات كان اقصي انواع العقاب لرجل ولد في حالة حركة. فإن لم يمت عرفات بالسم فقد مات بالانتظار.اوفيد مات وهو ينتظر عفوا من القيصر لم يأت قط. قضي اعظم شعراء الرومان عشرين عاما في بلدة بربرية، موحشة، قاتمة، مطلة علي بحر كليالي الهجران المظلمة بانتظار رسالة العفو القادمة من انوار روما. العفو لم يصدر، ويموت شاعر التحولات و فن الهوي في ابأس بقعة من امبراطورية مترامية الاطراف.نهايات الانتظار السعيدة قليلة، كنهاية انتظار بنلوبي. غير ان ميلان كونديرا يأبي الا ان ينغص علينا تلك الهناءة التي اثمرها الانتظار عندما يقابل بين الحورية كالسبو وبنلوبي، ويتساءل، بخبث، مع ايهما كان يوليسيس اكثر سعادة؟ـ ـ ـولشاعر صحراوي مشكوك بوجوده، ولكن يقال انه عاش في الألفية الماضية، عثر بعضهم علي نص كئيب نختم به هذه الوقفة الطللية علي الانتظار:لطالما قلت ان الانتظار اكثر حواسي عملالكني لا اعرف ماذا انتظر.الليل لا يخلف موعدا الي مائدتيظلمته، علي عهدها، طبقٌ فوق طبق،الكآبة لا تنقص موجة واحدة في الطريق الي الرأستضربُ وتتركُ ضلعا ناقصا وندبا علي الكتفينالانفاس، بزفرة واحدة، تشعل جذوات مطفأة علي طرق البريد.ايها الغامضُ الذي مسَّدت جبينه في غفلة قصيرة سميتها حياتيأمط قليلا لثامكلأري علامة تدلُّ عليك.0