انتظاراً لمباحثات جنيف حول سوريا بعد الحرب: الأسد ينتظر… تركيا

حجم الخط
0

عصيان مدني صغير جرى هذا الأسبوع في مدينة إدلب بسوريا. سكان المدينة والمحافظة خرجوا للتظاهر، وهتفوا هتافات مهينة ضد “حكومة الإنقاذ” التي تدير المحافظة، وطلبوا إلغاء رفع الضرائب الجديدة وتوفير النفط والغاز واجتثاث الفساد. محافظة إدلب التي يعيش فيها نحو 3 ملايين نسمة، منهم عشرات آلاف المهجرين من سوريا و50 ألف من مقاتلي المليشيات المسلحين الذين انتقلوا إليها في أعقاب اتفاقات وقف إطلاق النار التي بادرت إليها سوريا، تُدار كدولة داخل دولة في سوريا.

معظم أجزاء سوريا عادت بالفعل إلى سيطرة نظام الأسد، لكن ما زالت هناك مناطق كثيرة محررة تحكمها منظمات معارضة ومليشيات متمردين. وهذه تديرها “الحكومة السورية المؤقتة”، وهي جسم شُكل في 2013 واعترفت به المؤسسات الدولية كممثل للمعارضة. يبدو أن هذه حكومة بكل ما تعنيه الكلمة، ولها رئيس هو عبد الرحمن مصطفى، وعدد كبير من الوزراء للدفاع والتعليم والتجارة والعدل وغيرها.

ولكن في 2017 قامت في محافظة إدلب حكومة إنقاذ يترأسها محمد الشيخ، تدير المحافظة بشكل مستقل من خلال الصراع الدائم على السلطة مع الحكومة المؤقتة. حكومة الإنقاذ تديرها فعلياً منظمة “تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) الراديكالية التي أسست في أحضان القاعدة.

ومثل الحكومة المؤقتة، فإن حكومة الإنقاذ في إدلب تعمل وكأنها حكومة حقيقية. هي تضم 14 وزيراً وتدير الشؤون المدنية والأمنية للمحافظة، وتدير محاكم وجهاز تعليم. ومن أجل تمويل نشاطها، استولت على عدد من المعابر الحدودية التي تربط المحافظة مع تركيا، وتحصل على أرباح كثيرة من جباية تأشيرات العبور بين سوريا وتركيا، كما تجبي الضرائب من المواطنين ومسؤولة بصورة حصرية عن توفير الوقود للمحافظة بواسطة شركة فرعية باسم “وتد”.

ازدواجية السلطة في المناطق المحررة التي لا تقع تحت سيطرة النظام تخلق بصورة طبيعية مواجهات إدارية. وهذه تنبع من الجهد الذي تبذله الحكومة المؤقتة للسيطرة على جميع المناطق المحررة وطرح نفسها كممثل حصري لكل حركات المعارضة.

لا تنتظروا الدستور

بدأت في جنيف هذا الأسبوع مباحثات لصياغة الدستور السوري الجديد، الذي سيحدد صورة الدولة بعد الحرب. 150 مندوباً، ثلثهم من الحكومة، وثلث من المعارضة، وثلث من المنظمات المدنية، أعضاء في مجلس صياغة الدستور، وتشكلت من خلاله لجنة دستور مصغرة فيها 45 عضواً يتولون صياغة الاقتراحات.

مسألة الدستور هي إحدى بؤر المواجهة السياسية بين “الحكومتين” في شمال سوريا، اللتين تتبعان مقاربات مختلفة. في حين أن حكومة الإنقاذ في إدلب تطالب بأن تكون سوريا دولة شريعة يستند دستورها إلى أسس الدين الإسلامي، فإن الحكومة المؤقتة تطمح إلى تشكيل نظام سوري ليبرالي وديمقراطي يمثل جميع الطوائف والأديان.

ولكن من الأفضل عدم حبس الأنفاس انتظاراً للنتاجات التي ستنتج عن محادثات جنيف. كرس اليوم الأول للنقاش لمناقشة بروتوكول سلوك الأعضاء، كدليل على السلوك المهذب الذي يشمل تعليمات تمنع الشجار والشتائم ومواجهات بين المندوبين. اليوم الثاني ألقى فيه المندوبون الاتهامات على بعضهم، وعدد منهم، وتحديداً المعارضة، لم يحضروا جزءاً من النقاشات.

الأسد من ناحيته يحافظ على مسافة من نقاشات اللجنة من خلال استخدامه لدلالات أصلية. مندوبو نظامه يسميهم “مندوبين يؤيدون موقف الحكومة”، وكأن الأمر يتعلق بتجمع صدفي لممثلين غير مرتبطين بشكل وثيق بالحكومة ويحصلون منها على التوجيهات من الأسد. هذا التعريف استهدف أن يعفي الأسد من أي مسؤولية في حالة فشل المفاوضات والتنصل من الاتفاقات التي سيتم التوصل إليها في المباحثات إذا لم ترق له.

في ظروف أخرى، كان يمكن رؤية تيارات أيديولوجية متخاصمة تصارع على تطبيق طموحاتها في هاتين الحكومتين، لكن الأيديولوجيا والمبادئ ليست هي التي تفصل بين الجسمين، فمركز الصراع بينهما هو سياسي واقتصادي.

الأمر المهم هو أن هذين الجسمين يؤيدهما رئيس تركيا رجب طيب اردوغان. الحكومة المؤقتة تقيم في تركيا وتدير من هناك المناطق المحررة في سوريا. أما حكومة الإنقاذ في الوقت نفسه فتحظى بمعبر مفتوح إلى تركيا ومنها، ويبدو أن عدداً من المليشيات التي تشكلها تحصل على التمويل من تركيا وقطر.

في المقابل، سوريا وروسيا تعتبران حكومة الإنقاذ جسماً غير تمثيلي وإرهابي، أو على الأقل تعتبرانه جسماً يستند إلى منظمات إرهابية. تعهد اردوغان في الاتفاق مع فلادمير بوتين بنزع السلاح الثقيل من أيدي المتمردين في إدلب، لكنه ملزم أيضاً بالحفاظ على العلاقات الجيدة مع حكومة الإنقاذ التي تعد تركيا بمعقل مهم من النفوذ في الدولة الذي تأمل من خلاله أن تشكل الحل السياسي في سوريا.

لتركيا، إضافة إلى حكومة الإنقاذ، دعامة أخرى في سوريا وهي الجيش الوطني الحر، وهو تجمع مليشيات تشكل مؤخراً، الكبيرة والمهمة من بينها هي “جيش سوريا الحر”، وهي مليشيات المتمردين الأولى التي أنشئت في سوريا عند اندلاع العصيان، والتي تشكلت في الأساس من ضباط وجنود سوريين هربوا من الجيش السوري.

“الجيش الوطني” الذي تموله تركيا بسخاء، خاضع لتركيا والحكومة المؤقتة، ويترأسه وزير الدفاع في هذه الحكومة، الجنرال سليم إدريس. في مقابلة مع وكالة الأنباء التركية “أناضولو” في تشرين الأول الماضي، قارن إدريس القوات الكردية بداعش واعتبرها منظمة إرهابية يجب اجتثاثها من الجذور.

إدريس (62 سنة)، الذي يتحدث خمس لغات وحاصل على شهادة الدكتوراه من ألمانيا في مجال أجهزة الرادار، هو جنرال رفيع في جيش الأسد، الذي فر منه في 2012. في المقابلة، شرح بأن “مصالحنا تتوافق مع مصالح أخوتنا الأتراك”. ولكن خلافاً لأنقرة، ينظر إدريس إلى روسيا كدولة معادية تعمل بتنسيق مع أمريكا وإسرائيل من أجل حماية النظام الديكتاتوري في سوريا.

“بوتين يعتبر نفسه كمن يدير هذه المسألة (العمليات السياسية التي بادرت إليها روسيا في سوريا)، لكنه لا يعرف بأننا نعلم بأنه مندوب الولايات المتحدة التي تحصل على التعليمات من بنيامين نتنياهو”، قال إدريس. “نتنياهو يريد إبقاء بشار الأسد في الحكم لأنه وهو ووالده كانا حاميين لحدود إسرائيل. علينا أن نكون حذرين في قراءة العملية السياسية لروسيا”. إدريس والجيش الوطني يدركون بأن اللعبة السياسية في سوريا تجري من فوق رأسهم وأنهم فقط بيادق. ولكن اعتماده على تركيا لا يبقي له أي خيار عدا الخضوع لتوجيهات تركيا التي هي نفسها مطالبة بتنسيق نشاطاتها مع موسكو.

وضع غامض على الأرض

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا خلق على الأرض، وتحديداً شمال سوريا، تحالفاً غريباً تجري فيه تركيا وروسيا دوريات مشتركة على طول الحدود السورية في مناطق احتلتها تركيا، في حين أن قوات أمريكية تواصل القيام بدوريات مشتركة مع القوات الكردية، الأمر الذي يغضب تركيا. في الوقت نفسه بدأ الجيش السوري بالانتشار في عدة مناطق كردية، ووصل إلى مداخل مدينة القامشلي من أجل إعطاء إشارات بنية وقف استمرار سيطرة اردوغان على المنطقة الحدودية.

ولكن رغم تبادل إطلاق النار الصدفي الذي اندلع بين القوات التركية والسورية، من المشكوك فيه إذا كانت سوريا تنوي الدخول في مواجهة شاملة مع تركيا لطردها من أراضيها. التقدير هو أنه بعد استكمال تركيا عملية تطهير الحدود من وجود الأكراد العسكري، فإن روسيا ستطلب منها الانسحاب من سوريا لاستكمال سيطرة الأسد على جميع الدولة. في هذه الأثناء، يخدم الغزو التركي مصالح روسيا وسوريا في أنها دفعت الأكراد إلى عقد تحالف غير رسمي مع النظام السوري الذي تعهد بحمايتها من القوات التركية.

ولكن الوضع على الأرض غامض جداً. وحسب تصريحات وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، فإن القوات الكردية انسحبت إلى عمق 30 كم، حسب الاتفاق الذي وقع بين روسيا وتركيا. وأنقرة نفت ذلك وقالت إن الأكراد لم يستكملوا انسحابهم بعد. لذلك، هي تنوي البقاء في المنطقة وتوسيع نشاطها العسكري حتى انسحاب الأكراد وعودة ملايين اللاجئين السوريين من تركيا إلى المنطقة الآمنة التي تنوي إقامتها على الأراضي السورية.

هكذا توسع تركيا التفويض الذي حصلت عليه. إذا كانت قد أوضحت قبل الغزو بأن تدخلها العسكري يستهدف إبعاد التهديد الأمني الذي تشكله القوات الكردية، فهي الآن تضع شرطاً آخر للتهدئة، وهو عودة اللاجئين من تركيا. من ذلك يخاف الأكراد والأمريكيون الذين يعتبرون خطوة تركيا نية لإحداث تغيير ديمغرافي في شمال سوريا من خلال توطين ملايين اللاجئين السوريين في المنطقة المأهولة بالأكراد، والتي اعتبرت تاريخياً منطقة كردية واضحة.

تركيا تبرر هذا الهدف بأنها لم تعد قادرة على تمويل وجود اللاجئين في أراضيها بعد أن صرفت من خزينتها 40 مليار دولار لهذا الهدف. هذا ادعاء له أهمية كبيرة، لأن تركيا لم تحصل بعد على كامل المبلغ الذي هو 6 مليارات دولار، الذي وعد الاتحاد الأوروبي بتحويله إليها مقابل منع تسرب اللاجئين من أراضيها إلى الدول الأوروبية.

اللاجئون لا يسارعون إلى تبني فرصة العودة إلى سوريا؛ لأن معظمهم لا يمكنهم العودة إلى بيوتهم المهدمة. هم سيواصلون العيش في ظروف اللجوء في المنطقة الآمنة، وكثيرون منهم سيضطرون إلى التجند في الجيش السوري عند عودتهم. ورغم أن هذه المبررات مقنعة، فالأمر عائد إلى اردوغان الذي إذا قرر بأن الوقت قد حان للتخلص منهم، حينئذ لا المنطق ولا الإنسانية سيوقفان ترحيلهم من تركيا.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 8/11/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية