طارق رمضان والصحوة العربية: الاسلام والشرق الاوسط ابراهيم درويش في نهاية كتابه الذي ضمنه 21 مقالا كتبها في عدد من المواقع والصحف ونشر اكثرها في جريدة ‘ستار’ التركية يعود طارق رمضان الى تيمته المعروفة وهي تأكيد دور المسلمين في الغرب في مستقبل الاسلام في الشرق بعد الثورات العربية التي اجتاحت دولا عربية، وتقوم باعادة تشكيل النظام العربي للمستقبل. وفي قلب كتابه رؤية تقول ان الصدام الثنائية الغرب- الاسلام ستختفي في جيل او جيلين، مشيرا الى صعود قوى جديدة في النظام الدولي وهي الصين التي ظلت تمارس دور المحايد في شؤون المنطقة العربية واقامت فيها وفي افريقيا علاقات اقتصادية واسعة، اضافة للهند التي يعمل من ابنائها مليون عامل في المنطقة العربية خاصة في دول الخليج، ومعهما الدول الصاعدة من البرازيل وجنوب افريقيا. مصنوعة ام عفويةومن خلال اللهجة الحذرة حول الدور الذي لعبه الغرب في الثورات العربية لا يستبعد الكاتب دورا له وان كان في تهيئة الاجواء لحدوثها، فهو يقدم في هذا السياق رؤية بين رؤيتين متضادتين، فالاولى تقول ان الغرب هو من صنع الثورات العربية، والثانية تقول انها هبات شعبية ظهرت نتيجة خروج شعبي في تونس احتجاجا على الظلم والقمع الذي مارسته الانظمة ومظاهرات عفوية بدون قيادة واندلعت اولا في تونس بسبب القصة المعروفة. ويرى رمضان ان الرؤية الثالثة وهي التي يتبناها وتقول ان الثورات العربية التي استخدمت شبكات التواصل الاجتماعي والانترنت بدأت نذرها قبل عقد من خلال تدريب المدونين في العالم العربي من قبل الدول الغربية على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى تنظيم حركات اللاعنف، مشيرا الى المثال الصربي ‘اوتوبور’ (نهضة) عام 1998 الذي استخدم ضد سلوبدان ميلوسوفيتش، حيث نظم مؤسس الحركة سارجا بوفوفيتش دورات في بلغراد دعي اليها مدانون منهم عرب. صحيح ان الكثير من نظريات المؤامرة ظهرت عن ثورات ممنهجة يبغي الغرب السيطرة عليها، الا ان الثورات العربية لم تكن لتتواصل بدون حركات التواصل الاجتماعي والانترنت. ويضيف ان الحكومات الغربية دعمت دورات تدريبية لناشطين من تونس ومصر ولبنان وسورية في جهودها لدعم حركات المجتمع المدني. كما ان شركات الانترنت ‘ياهو’ و ‘غوغل’ ساعدت في هذا الاتجاه ويقول ‘من لا ينسى وائل غنيم الذي برز كبطل لانتفاضة مصر’. وهذه النشاطات قد تكون الخميرة التي ولدت منها الثورات. وهنا لا بد من الاشارة الى ان رمضان يعترض على اسم الربيع العربي او الثورات مفضلا اطلاق اسم ‘انتفاضات عليها’ لان التعبير عنها بالثورة يبالغ في ما احدثته وانها ادت لتغيير جذري. ويشير الى اهمية مصالح الغرب الاقتصادية التي تظل عاملا مهما في علاقات الشرق والغرب وموقفها من الثورات هذه، مشيرا الى انه اثناء الثورة الليبية التقى مصطفى عبدالجليل ووفد من المجلس الانتقالي الليبي المسؤولين الفرنسيين ووعدوهم بنسبة 30 بالمئة من النفط الليبي، فيما اشار الى المداولات التي دارت بين قيادة الجيش التونسي والسفارة الامريكية ومدير سي اي ايه، ديفيد بترايوس للترتيب لما بعد زين العابدين بن علي حيث تم اقناع الرئيس بالخروج مع عائلته بعد ان قيل له انه سيعود حالة استتب الوضع، وابتلع بن علي الطعم، واخذ يفتش عن مكان له، حيث اتصلت هيلاري كلينتون بالامير نايف بن عبدالعزيز، وطلبت منه ايواء بن علي. ويقول الكاتب انه من المستحيل ان يقوم الغرب بتدريب شخصيات ومدونين للاطاحة بأنظمة عربية ظلت تخدم مصالحه، لكن ما حدث في تونس وفي مصر فاجأ الجميع مما يعني ان الغرب لم يكن يقصد من التدريب الثورة. ولكن البعد الاقتصادي يظل العامل المهم الذي يحدد علاقة الغرب وامريكا مع الثورات وعالم الدول ذات الغالبية المسلمة، فاوباما الذي ترددت ادارته في دعم ثوار ميدان التحرير كان خطابه مخيبا للامال عام 2011 عندما لم يخصص الا جزءا قليلا منه والباقي ركز فيه على المصالح الاقتصادية الامريكية مع دول الانتفاضات العربية.
مخاطر وتظل هذه الانتفاضات خطوة على طريق المستقبل لكنها عرضة لخطر الاختطاف من المؤسسة العسكرية وفلول وبقايا الانظمة السابقة ممن يحاولون الحفاظ على انفسهم ومواقعهم. وما يخشى ان لا يحصل المواطن العربي الا على صناديق اقتراع وانتخابات واستفتاءات بدون حرية او حق لتقرير مصيره، مؤكدا ان هذه مظاهر الديمقراطية وليست جوهر الديمقراطية كما تعبر عنها التجربة الغربية. ذلك ان العالم العربي بحاجة لثقافة ديمقراطية عملية ومؤسسات لحمايتها ووعي بدورها. وما يحتاجه العالم العربي هو ثورة مفهومية تقوم على المشترك وتعمل على التخفيف من خلافاتها. ويعود للعامل الاسلامي في الثورات العربية حيث يقول انها من الواضح لم تكن من صناعة الاسلاميين، ليس في تونس او ليبيا اوالاردن ولا اليمن وسورية ومصر، بل ان الاسلاميين انضموا اليها خاصة الشباب ضد ارادة قياداتهم، مشيرا الى ان حركة النهضة في تونس لم تنضم للثورة الا بعد اسابيع من اندلاعها. ففي بعض الاحيان كشفت الثورات عن النزاع او الانقسام داخل الهيكلية التنظيمية للحركات هذه حيث انضم الشباب اليها على الرغم من النصيحة التي تلقوها من قادتهم بالابتعاد عنها. فقد رفض الشباب نصيحة القادة الذين طالبوهم بـ ‘الصبر’ وقاموا بشكل سريع بتبني افكار عن المجتمع المدني ومختلفة عن ثقافتهم التنظيمية. وعلى الرغم من كونهم نتاجا لثقافة اسلامية تنظيمية الا انهم كانوا منفتحين على ثقافة التويتر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. توحد القوىويلاحظ ان هذا ادى الى تقارب في الهدف، والمثير في هذه الثورات ان القوى الاسلامية عملت مع القوى الليبرالية والاحزاب الاخرى في مصر للاطاحة بالنظام، فيما تحالف الاسلاميون مع اليساريين في اليمن ضد علي عبدالله صالح، وبنفس السياق تعاون الاسلاميون في ليبيا مع القوى الليبرالية حيث اختفت الخطوط الايديولوجية في داخل الثورة. ففي بداية الانتفاضات ظل الاعلام الغربي يصفها من خلال منظور الصراع بين القوى الاسلامية والعلمانية لكن بعد فترة اختفت التعليقات والاشارات للاسلامية وكأن ‘ النساء والرجال الذين دفعهم التعطش للحرية والكرامة والعدل لم يعودوا مسلمين فأحلامهم وقيمهم اصبحت مثل تلك التي يدافع عنها الغرب’. و على الرغم من ان الحركات التي شاركت في الثورات لم تكن بطبيعتها اسلامية الا ان كل الرجال والنساء الذين شاركوا فيها وطالبوا بالتخلص من الديكتاتورية شاركوا فيها باعتبارهم مسلمين وهذا تذكير لاهمية المرجعية الاسلامية في دول الثورات هذه، حيث سيصبح الاسلام عاملا محددا للمستقبل. وفي ضوء تواجد الاسلاميين في الثورات العربية وحضورهم الواضح فهم جزء من المستقبل. كما ان حركات الفعل الشعبي الاسلامي حدث عليها تحول في الرؤية واصبحت حركات اسلامية سياسية معارضة في وقت يظهر فيه الاستقطاب واضحا بينهم وبين العلمانيين. ويعتقد البعض ان المستقبل للعمل السياسي الاسلامي قد يكون على غرار النموذجين التركي والاندونيسي او اكتشاف طريق اخر.
تحول في الرؤية ويؤكد رمضان هنا مظاهر التحول التي طرأت على رؤية وتوجه الحركات الاسلامية في عدد من القضايا المهمة، الديمقراطية، المرأة والعلاقة مع الاقليات. ومن هنا يشير الى ملمح مهم تراجع بفعل الثورات هذه وهو رؤية الاسلام للاخر والغرب للاسلام، مشيرا الى الطبيعة العدائية التي حكمت العلاقة ان على المستوى الفكري او السياسي، حيث يعود الى المقال الشهير الذي كتبه ارنست رينان عام 1862 والتي تحدث فيها عن ان الاسلام هو صورة مضادة او نفي كامل لاوروبا، وان الاسلام بطبيعته دين متطرف، وقال ان الاسلام يحتقر العلم ويقمع المجتمع المدني، وقد ظلت هذه الفكرة واضحة وطبعت العلاقات بين الاسلام والغرب وظلت تتمظهر بأشكال مختلفة حتى صدام الحضارات لهانتينغتون في العقد الاخير من القرن الماضي. واللافت للانتباه ان اليقظة العربية قد تقود الى تغيير في هذا المفهوم وثنائية نحن وهم. فالشباب العرب ثاروا ويثورون في حركات سلمية تدعو الى نفس القيم’ التي ‘نحن’ الغرب يدعو لها. كل هذا على الرغم من وجود بعض الملامح ‘الاسلامية’ في الثورات الا ان الغرب بدأ يتفهم هذا المعنى وانها غير مرتبطة بأفعالهم، مشيرا الى الغرب اخذ يفكر ان العرب اصبحوا ‘مثلنا’ يحلمون كما نحلم. ومن هنا فاليقظة العربية يمكن تفسيرها على انها احتفاء سام وتصالح بين الحضارتين. مقارنة غير عادلة على الرغم من هذه الرؤية المتفائلة الا ان الطريق نحو المستقبل مليء بالحفر والمصاعب. ومن هنا وقبل ان يحدد ماهية المابعد، يشير الى محاولات البعض جمع ثورات العرب بثورة التويتر الايرانية او تلك التي عرفت بالثورة الخضراء حيث يقول ان هذه المقاربة ليست عادلة لسبب واضح وهو ان قادة الحركة مير حسين موسوي ومهدي كروبي كانا يتحدثان من داخل النظام ويدعوان لتغييره. كما ان الغرب قام بتبني الثورة ودعمها بشكل مطلق. ومع ان الغرب رمى بثقله وراء الثورة التونسية والمصرية الا انه جاء في ظل علاقة وثيقة مع الانظمة التي تحكم وتطالب الجماهير برحيلها. ويشير تحديدا الى الموقف الامريكي من ليبيا التي تم فيها توزيع الادوار فيها من خلال اعطاء فرنسا الدور القيادي، حيث ستتحمل هذه القيادة مسؤولية الاخطاء وتتجنب امريكا اللوم على انها تورطت في حرب جديدة، اضافة لاعطاء فرصة لعملاء سي اي ايه الفرصة كي يواصلوا عملهم مع الثوار على الارض منذ بداية الثورة وحتى قبلها. ويرى في الحالة الليبية تعقيدا نظرا للطبيعة التي ادار فيها القذافي الدولة وتصرفاته التي احرجت الليبيين العرب والافارقة. وعلى الرغم من كل هذا فالقذافي اثبت في الماضي قدرات استراتيجية لا يمكن لاحد انكارها. ويرى ان الغرب رأى اهمية ادارة الازمة وبالتالي السيطرة على النظام الذي سيخرج في مرحلة ما بعد القذافي نظرا لاهميتها الاقتصادية ولموقعها بين مصر وتونس مما يعني تحويل المنطقة في شمال افريقيا لمحور مشاكل وخطر على الغرب، ومن هنا كان ضروريا الاطاحة بالقذافي وكان مهما وضع ادارة المرحلة بعد رحيله بيد الغرب.
تحقيق العدل والمساواة يعتقد رمضان ان اية عملية تحول تتنج عن الثورات العربية مرهونة بتحقيق العدل الاقتصادي والمساواة الاجتماعية ومن هنا فإن اي توجه نحو الدمقرطة مرتبط بتحقيق هذه الشروط. ويرى ان اهم مشاكل اليقظة العربية بل واهم نقاط ضعفها هي محاولتها النظر وحل المشاكل ضمن اطار وطني- قومي في ظل عالم منفتح ومتعدد الاقطاب، كما ولا يقلل الكاتب هنا من اشكالية النزاع السني الشيعي ومخاطره على الوحدة، مشيرا الى ان الشيعة وان كانت نسبتهم لا تتجاوز 10 -15 بالمئة من مسلمي العالم الا انهم يتمركزون في العالم العربي وفي مناطق غنية بالثروات والمعادن، حيث لاحظ ان العلماء السنة اتخذوا مواقف متناقضة احيانا من طبيعة العلاقة وهي تعكس الوضع السياسي والاشكاليات الجيو- سياسية في المنطقة. وفي تحليله للاسلام السياسي يركز على تنوع تياراته وجذور بعضها في الاصلاح الاسلامي وفي الحركات المقاومة للاستعمار، واشكالية الفهم الغربي له، وما طرح عن فشل المشروع السياسي الاسلامي نتيجة لظاهرة التطرف فيه، وهي نظرية اوليفر روي الكاتب الفرنسي وتبعه فيها جيل كيبل، ويتحدث رمضان عن الجيل الجديد في الحركة الاسلامية او ‘العصر الثالث’ الذي يمثله الاسلاميون الاتراك او اردوغان وجماعته الذين نجحوا بنزع صفة ‘ الاسلامية’ عنهم واصبحوا مثالا تحاول الحركات الاسلامية في المنطقة ان تقلد مسيرته. في تحليله لتيارات الاسلام السياسي وجهود علمنة المجتمعات المسلمة، وعلاقات السلطة فيها يلح رمضان دائما على اهمية التحول الفكري والثقافي، فالعالم تغير وما يحتاجه العرب ليس ثورات سياسية بل يحتاج الى ثورة فكرية تفتح المجال امام التغير الاقتصادي وتقود الى تحرر ثقافي وديني، روحي وفني وتعزيز لقوة المرأة، ولا يتم تحقيق هذا بالتركيز على قضايا محلية تقود الى زقاق مظلم بل يحتاج العرب ومجتمعات الغالبية المسلمة الى مدخل عالمي، كما ان هناك حاجة لان تلتفت وتعالج هذه المجتمعات جوانب العجز عندها اضافة الى مواجهة اشباحها. فاليقظة العربية كشفت عن قدرة الشباب للتعامل مع التكنولوجيا والتحشيد والتنظيم ومواجهة الفساد والانظمة القمعية، كما ان تحول القوة الاقتصادية من الغرب الى الشرق مدعاة للعالم العربي ومعه افريقيا لاعادة النظر بأولوياتها وموقعها من رقعة العالم الاقتصادية وبدون هذا فلن تكون الانتفاضات العربية الا دخانا. وفي النهاية لا ينسى رمضان التذكير بأهمية اليقظة العربية للمسلمين في الغرب ومسؤوليتهم تجاه المجتمعات العربية والافريقية، على الرغم من الاشكاليات التي يطرحها الدور هذا على المسلمين انفسهم في اوروبا وعلى مجتمعاتهم الاصلية. في محاولة رمضان لقراءة اليقظة العربية دعوة لعدم اختصار الازمة في كونها ازمة مواجهة بين الشرق والغرب، ودعوة للمسلمين للتوقف عن لغة اللوم، واستخدام الثورة كفرصة تاريخية لعدم تضييع فرصة تاريخية سنحت لهم عبر هذه الثورات. في تحليل رمضان تفاؤل حذر فما حدث هو ثورة غير منجزة فهي لا تزال املا ولهذا يرى انها انتفاضات وليست ثورات تحمل في طياتها تغييرا جذريا وهذا نابع من اشكاليات المجتمعات التي نشأت فيها والعلاقة بين التراث والحداثة والقوى العلمانية والاسلامية المتغيرة وموقع هذه القوى في الخريطة العالمية المتغيرة هي الاخرى. The Arab Awaking: Islam and the New Middle EastTareq Ramadan.Oxford University Pre/ 2012ناقد من اسرة “القدس العربي”