انتفاضة الشعر وترسيخ الثقافة الكونية

حجم الخط
0

حورية الخمليشي في ظل زمن التحولات الكبرى للعالم العربي اكتست الاحتفاءات باليوم العالمي للشعر هذه السنة صبغة مميَّزة. فكان للقصيدة مفعول سحري في النفوس الإنسانية المجبولة على محبّة قيم الحرّية والكرامة الإنسانية. إن الثورات العربية أجمل ديوان شعر جعل من الجُرح العربي جُرحاً إنسانياً كونياً، في زمن اشتكى فيه الشعراء من أزمة قراءة الشعر، فبدت القصيدة العربية مزهوة بمحبّة من أحبّوا الحرية وتعلّقوا بها حتى الموت. فحاولت احتضان المظاهرات وحمايتها معلنة أنها ليست إرهابية ولا طائفية، حيث صاحبت القصيدة ثورة الجماهير العربية لتكشف هشاشة الاستبداد وسُموّ الثورات الإنسانية الحقيقية التي يُنتظر أن تعقبها انتفاضة وثورة شعرية مفتوحة، لأن الشعر كان وسيظل دائماً زهرة الحضارات والثورات الإنسانية، وكان زهرة الثورات العربية وبدا أكثر توهُّجاً. ويرى الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي أن تدهور الشعر ظهر جلياً قبل الثورة، وبمجرَّد ما انطلقت الثورة، ازدهر الشعر وظهرت مواهب وأسماء، وأحس المصريون بأنهم كلُّهم شعراء لأنهم كلهم أحرار. صاحب الشعر الثورات العربية في تونس ومصر ومنها إلى كل الوطن العربي أكثر من أي جنس فني أدبي آخر. فإذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد، ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء.إن مصاحبة القصيدة للمظاهرات والثورات العربية في الزمن الراهن، يعني أن الشعر لا ينشأ من فراغ، ولكنه ينشأ من واقع الناس، ومن تجربة إنسانية كبرى ومن الموروث الإنساني الذي يعكس عمق فهمنا للأشياء واستكناه المستقبل، حتى أننا لا يمكن أن نتخيل حياة بدون شعر، أو على حدّ تعبير الشاعر أمجد ناصر ا يمكن تخيّل العالم من دون رواية ولكن من الصعب تخيّله من دون شعرب. لقد استوعبت الجماهير العربية قيمة الإنسانية الكونية. وعادت القصيدة إلى الواجهة بقوة دون سائر الأجناس الفنية الأدبية، فكانت رفيقة الثورة لأن الشعر أراد كما أرادت الشعوب، أراد الحياة والحرية والكرامة… لقد تراجع الشعر حينما أحسّ مُحبّوه بأن ما يصبو إليه من قيم لا مكان لها في الواقع المعاش لشعوبنا العربية. فانشغلوا في بعض الأحيان بأنماطه الكتابية أكثر من انشغالهم بمعانيه الخالدة.وبزوغ عهد الحرية أعاد الشعراء إلى الواجهة. في تونس مَهْد الثورة العربية علت حناجر شباب الثورة بقصيدة الشابي، ومنها إلى كل البلدان العربية الساعية بحقها إلى الحرية وصوت الكرامة الإنسانية. لقد أنشد الشابي هذه القصيدة الرائعة التي تحمل خوالج نفسيته الشبابية المليئة بالمعاني الإنسانية الفياضة وهو في عمر الزهور، عمر شباب الثورة الذين لمست رائعته أوتار قلوبهم. وقد آمن هؤلاء الشباب إيمان الشابي العميق بقدرة الشعر في تحقيق إرادته فكانت قصيدته ا إرادة الحياةب التي عبّر بها عن الجراح الإنسانية للأمة العربية أقوى من السلاح ومن الموت أيام الانتفاضة. لقد لبّى الشباب نداء القصيدة ليُثبتوا للعالم بأنهم شعب يرفض العيش بين الحفر ولا يخاف صعود الجبال. لأن الشعر لا يخاف سطوة الطغاة حملت الأمة هذه الجراح لتنزف بها قلوب صانعيها. هذه القصيدة الرائعة بعثت في الأمة العربية عشقاً أبدياً لرسالة الشعر بل وأرغمتنا على البكاء والفرح الطفولي المنبثق من رسالة الشعر نفسه الذي غرس فينا معنى القيم، وهي قيم إذا خلت منها القصيدة تصبح مجرّد ألفاظ منظومة بلا معنى ولا حياة. ما حدث في العالم العربي سيعمل على خلق تصورات ورؤى جديدة للعملية الشعرية، بل وسينمو شعر جديد من بذور هذه الثورة التي استشعرنا بها كُنْه الحياة ومعناها وحقيقة القصيدة في بعدها الإنساني التي ترغمنا على الاعتراف بأن القصيدة حقيقة والحقيقة لا تموت. نعرف عن حياة الشابي أنها سلسلة من الآلام والأحزان بسبب المرض والفقر والاستعمار لكنه كان شابّاً مجنون الحرّية ومجنون الكرامة والقيم الإنسانية. إلا أنه مات قبل أن ينعم بالحرية التي دافع عنها في بلده من الاحتلال الفرنسي. لكن طيف أبي القاسم الشابي عاد وعادت كلماته أكثر تأثيراً في ظل استبداد الأنظمة العربية التي خوَّلت للغير مرة ثانية إعادة التفكير في الاستعمار. لذلك كان الشعر وقود الثورة وملهمها. وجابت قصيدته كل البلدان العربية، فكوّن بذلك لنفسه أُمّة من القُرّاء. وحمل المتظاهرون لافتات كُتِب عليها أشهر بيت لأبي القاسم الشابي ا إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بُدّ أن يستجيب القدر’، وأنشدوا قصيدته على أنغام الأعيِرة النارية التي كانت تُطلق في الهواء حيناً وعلى المتظاهرين حيناً آخر، فتبوأت الصدارة في كل الوقفات الاحتجاجية، بل وأصبحت إبّان الثورة من أشهر القصائد على الإنترنت، من خلال تداولها الكبير على الفيسبوك والتويتر وغيرها من مواقع التواصل، في سابقة لم يشهدها الأدب العالمي وتحوّلت إلى شعار مؤيّد لانتفاضة الشعب التونسي. وهكذا كان عُمْر الشابي أطول بكثير من عمره القصير. فعاش حالماً قوياً منتصراً، ‘ أنا طائر، متغرّد، مترنّم / لكن بصوت كآبتي وزفيريب ( مناجاة طائر). كما عاش كريماً أبياً شامخاً. ‘ سأعيش رغم الدّاء والأعداء / كالنّسر فوق القمّة الشّمّاءب ( نشيد الجبّار). لقد صنع الشابي من آلام جسده العليل عنوان خلود شعري أنضجته الزفرات. ا أنت يا قلبي قلب / أنضجته الزفــــــــــــراتب (إلى قلبي التائه).وقبل ذلك كانت أول قصيدة هتف بها التونسيون أمام القصر الرئاسي النشيد الوطني الذي كتبه مصطفى صادق الرافعي وتمت إضافة بيتين للشاعر أبي القاسم الشابي من لحن محمد عبد الوهاب: حماة الحمى يا حماة الحمى / هلمّوا هلمّوا لمجد الزمــن / لقد صرخت في عروقنا الدما / نموت نموت ويحيا الوطن.وفي مصر علا صوت أحمد فؤاد نجم مخاطباً شباب الثورة في حوار له على قناة الجزيرة ا أنتم منورين الدنيا.. ثورة عظيمة على حجم مصرب. فأنشد قصيدته ا صباح الخير على الورد اللي فتح، هدية لشباب الثورة وهو يبكي ويكح. صباح الخير على الورد اللي فتح / في جناين مصر / صباح العندليب يشدي / بألحان السبوع يا مصر / صباح الداية واللفة / ورش الملح في الزفة / صباح يطلع بأعلامنا / من القلعة لباب النصرب. وهكذا علّمتنا القصيدة أن زمن الشعر هو زمن الحرية والتخلص من القيود والحواجز. وهو زمنٌ يعلّمنا التواضع أمام القصيدة واستيعاب معانيها قبل أن يأتي الفهم متأخّراً. والشعوب العربية أدمت معصمها القيود على حد تعبير الشاعر إبراهيم ناجي. فقد غنّت أم كلثوم قصيدته الرائعة ا قصيدة الأطلالب على مسرح أولمبيا في باريس سنة 1967م وهي من ألحان رياض السنباطي. وعندما وصلت إلى مقطع ا أعطني حُرّيتي أطلق يديّاب قامت الدنيا وعَلَت الهتافات فكانت كلمة ا الحرّيةب كقيمة إنسانية أعمق من المعنى الذي يحمله النص الشعري. فإذا كان المحبوب قد قيّد محبوبته بقيود – مواثيق الهوى – فإن كلمة الحريّة حملت معنى استعارياً أكثر شمولاً وهي الانفكاك والتحرر من أي سلطة تُقيّد الإنسان حتى سلطة الهوى إذا كانت ستسلب من المحبوب حرّيته. إن الاحتفاء بالشعر احتفاء بهذه القيم الكونية. فقد تتزعزع بعض هذه القيم في مجتمع من المجتمعات لكن قيم الشعر تبقى ثابتة مستقرة تحافظ على مكانتها التي بها تُبدّد غياهب الظلام وتتباهى برفعتها واقفة في وجه كل من يهدد هذه القيم في كل ما يتعلّق بأمور الحياة في المجتمعات الإنسانية، فالجمال والمحبّة والصدق والعدالة والحرّية… حقائق لا تتغير في كل الأزمنة والثقافات. وبها تحيا القصيدة وتنتعش وتنمو وتنتفض انتفاضة الشعوب الساعية إلى العيش في كنَف هذه القيم التي تسعى القصيدة إلى ترسيخها منذ زمن بعيد. إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل. أو لا تزداد سموا بروحها الكونية التي تداعب حواسنا برحيق كلماتها التي تجاوزت كل القوميات والنزعات لتنشغل بالهَمّ الإنساني الواحد؟ وهو ما يشكّل رؤيتنا للحياة والوجود والعالم والأشياء، وهي رؤية منبثقة من ذات الشاعر قد يعجز النقد عن الوصول إليها رغم القدرة التأثيرية للقصيدة، لتبقى سرّاً من أسرار القصيدة، وأسرار القصيدة لا تنتهي.كاتبة وناقدة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية