انتفاضة الصحافة: الإنذار الأخير للحكومة السودانية؟

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

(1) خلال الأسبوع المنصرم واجهت الحكومة السودانية أول انتفاضة من نوعها في البلاد (وربما في العالم) شارك فيها الصحافيون السودانيون وصحفهم بصورة جماعية تضامناً مع صحيفة السوداني اليومية التي أصدرت الحكومة قراراً بإغلاقها واعتقال رئيس تحريرها وأبرز كتاب الأعمدة فيها. وبمجرد إعلان القرار اعتصمت أعداد كبيرة من الصحافيين في دار السوداني، واحتجبت الأعمدة في كل الصحف تقريباً، حيث تركت مكانها مساحات فارغة مع إعلان يقول إن هذه خطوة تضامنية مع الصحيفة المستهدفة. وفي نفس الوقت قاطعت الصحف تغطية أخبار البرلمان، وقدمت نقابة الصحافيين مذكرات احتجاج إلي السلطات التشريعية والقضائية. وفي وجه هذه العاصفة لم تجد الحكومة بداً من التراجع والسماح بعودة الصحيفة.(2)القرار الذي فجر هذا الاحتجاج اتخذته نيابة الصحافة مساء السادس عشر من ايار (مايو) بإيقاف صحيفة السوداني ومصادرة أعدادها التي طبعت واعتقال رئيس تحريرها ومالكها محجوب عروة وكاتب العمود فيها عثمان ميرغني علي خلفية تعليق كتبه الأخير اتهم فيه النائب العام بالكذب وطالبه بالاستقالة. وكان النائب العام قد أعلن أنه سحب قضية اتهام بغسيل الأموال من المحكمة بناءً علي طلب من هيئة الدفاع عن المتهمين، ولكن هيئة الدفاع أصدرت بياناً نفت فيه أنها تقدمت بطلب من هذا النوع.(3)قرار إيقاف الصحيفة واعتقال كتابها اتخذ علي عجل فيما يبدو، وكشف عن تخبط كثير وخلط للأمور. فالقرار صدر من نيابة أمن الصحافة، وبهذا المعني فإنه يعتبر قراراً ذا صبغة عدلية، تنفيذه موكول بالشرطة. ولكن الذي حدث هو أن ضباطاً من جهاز الأمن والمخابرات باللباس المدني هم الذين حضروا لإخطار الصحيفة بالقرار، وحملوا نصه مكتوباً بخط اليد. وهذا يشير إلي مسرحية سيئة التمثيل لإلباس قرار أمني غشاءً قانونياً غاية في الشفافية. وقامت النيابة في نفس الوقت بإصدار تعميم علي الصحف يحظر النشر في قضية إيقاف السوداني، وهو توجيه تجاهلته كل الصحف تماماً في إطار انتفاضتها الشاملة.(4)الملفت في الأمر لم يكن فقط الموقف الجماعي الصلب للصحف في التضامن مع الصحيفة المستهدفة، بل موقف منظمات المجتمع المدني والأحزاب، بمن فيها الحركة الشعبية العضو الرئيسي في الائتلاف الحكومي، حيث شارك ممثل عنها في الاعتصام ودعا المعتصمين إلي اتخاذ دار الحركة معتصماً. وإن كان هذا الموقف يعبر عن الأزمة داخل الحكومة، فإنه يعبر أكثر عن ضعف وعجز الحركة الشعبية التي تعترف بهذا بفشلها في التأثير علي الجهاز التنفيذي التي تحتل فيه موقعاً مميزاً.(5)الحكومة الحقيقية (لا تلك المجازية التي تشارك فيها الحركة الشعبية وبقية الديكورات) لم تتعظ علي ما يبدو من هذا الإنذار الخطير بالعزلة، بل زادت فاستخدمت تكتيكاً جديداً لإيقاف صحيفة الصحافة التي لعب كبار محرريها دوراً بارزاً في انتفاضة التضامن مع السوداني. في هذا التكتيك الذي لا يشبه سلوك الجهات القانونية جاء رجال أمن بالملابس المدنية إلي المطبعة في منتصف الليل وقاموا بمنع العمال من العمل بحجة ضرورة ملء استمارات إدارية استغرق ملؤها الليل كله!(6)انتفاضة الصحافيين تكتسب أهمية من شمولها وقوتها، ولكنها تعتبر واحدة من سلسلة من الانتفاضات تواجهها الحكومة، من أبرزها الانتفاضات الطلابية التي تمثلت في خسارة مؤيدي الحكومة لانتخابات الاتحادات الطلابية في الجامعات التي كانت آخرها جامعة الخرطوم، وكذلك انتفاضات العاملين التي تمثلت في سلسلة من الإضرابات، ثم انتفاضات المتأثرين ببناء السدود في الشمالية. وإذا كانت انتفاضة الصحافة غير مسبوقة في التاريخ السوداني، فإن انتفاضات الطلاب والعاملين والمتأثرين بالسدود أدت في أكثر من مرة في السابق إلي إسقاط الحكومات.(7)إضافة إلي عزلة الحكومة (أو بالأحري قيادة المؤتمر الوطني) المتزايدة التي تكشف عنها هذه الانتفاضات، فانها أيضاً تظهر العجز عن التكيف مع الواقع الجديد الذي خلقته اتفاقية السلام. فالحكومة لم تستوعب بعد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة لم تعد أدواتها القمعية تغني فيها عن أدوات العمل السياسي الحقيقي. وقد تكاسلت أو عجزت عن بناء أي رصيد ذي معني في هذا المجال، فأصبحت تتخبط ذات اليمين وذات الشمال، ثم تكتشف متأخرة عدم جدوي خطواتها فتتراجع مرغمة، مما يجعلها مجالاً للسخرية والاحتقار.(8)منشأة سليمان التي تتكئ عليها هذه الحكومة تتكون أساساً من سند الحركة الشعبية، ولدرجة أقل من تشرذم المعارضة. ولكن تشرذم المعارضة لم يحل دون سقوط الرئيس جعفر النميري في عام 1985. أما الحركة الشعبية فإن موقفها الملتبس يرجع أساساً إلي أنها حزمت أمرها واتخذت قرار الانفصال، ولهذا فإنها تعتبر ألا شأن لها بالسياسة القومية إلا في إطار ما يعزز سيطرتها الكاملة علي الجنوب ولا يوجد أي عوائق في طريق استفتاء عام 2011 علي تقرير المصير.(9)هناك احتمال كبير بأن تلعب الحركة آخر ورقة لها في انتخابات العام القادم وإقامة تحالف مع المعارضة كبديل للانفصال. وفي الحالين (الانفصال أو الائتلاف المضاد) فإن أيام حكومة المؤتمر الوطني تصبح معدودة، لأنها لو تجنبت السقوط في الانتخابات فإنها لن تبقي يوماً واحداً في السلطة إذا انفصل الجنوب وذهب معه نفطه ومحاذير الإخلال بتوازن القوي.(10)من مصلحة أنصار المؤتمر الوطني قبل غيرهم الإسراع في تدارك الأمر، وأضعف الإيمان في ذلك تولية أمرهم قيادة قادرة علي التعامل مع المستجدات، لأن عواقب انهيار النظام بالنسبة لأنصار الحكومة الحالية والمنتفعين منها، وهي لا تحتمل التفكير، يصعب تجنبها إذا ظل الحال علي ما هو عليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية