انتفاضة الصدور العارية: قراءة في نتائج الحراك

صادق الطائي
حجم الخط
2

منذ ان اطيح بنظام صدام حسين قبل 16 عاما، لم يشهد الشارع العراقي أحداثا مماثلة لما شهده في الأيام الأولى من تشرين الأول/ اكتوبر الجاري في ما بات يعرف بانتفاضة الصدور العارية، أو حركة احتجاجات اكتوبر التي خرجت منددة بأداء حكومة عادل عبد المهدي التي لم تتم سنتها الأولى. النقطة الأولى التي لاحظها المراقبون ان الحراك هذه المرة ابتدأ وكاد ينتهي بدون أن تركب موجته جهة سياسية، أو تيار، أو حزب سواء من المشاركين في العملية السياسية أو ممن كان خارج اللعبة السياسية، إذ بقيت حركة الاحتجاج غير مسيسة إلى النهاية.

ومن ناحية العنف الذي وجهته القوات الحكومية للمتظاهرين، فقد كان الأعنف مقارنة بكل حالات المواجهة بين محتجين وقوات حكومية منذ 2003. وذكر قمع المتظاهرين بأداء القوات الأمنية للنظام السابق في تعاطيها مع المحتجين. ففي هذه الانتفاضة، ما أن تجمع بضعة مئات في ساحة التحرير في قلب بغداد وساحات الاحتجاجات الأخرى في بعض المدن العراقية حتى تصدت لها قوات مكافحة الشغب ومختلف صنوف القوات الأمنية والعسكرية بالغاز المسيل للدموع أولا، ثم بخراطيم المياه، وبعد ساعات ابتدأ إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ليصيبهم إصابات قاتلة في الرأس والصدر، لتتحول ساحات التظاهر السلمي إلى ساحات حرب ضروس شنتها القوات الحكومية على متظاهرين سلميين واجهوا العنف الحكومي بصدور عارية بعد ان خلعوا قمصانهم وتلثموا بها ليحموا إنوفهم من رائحة الغازات الخانقة من جهة، وليبطلوا أي حجة قد يتخذها المغرضون عبر إشاعة إن هناك مندسين كانوا يرتدون أحزمة ناسفة بين المتظاهرين مما دفع القوات الحكومية إلى الرد بإطلاق النار.

النتائج التي أفرزتها حركة الاحتجاج الأخيرة خطيرة إذا بحثناها بدقة وإمعان، فالنقطة الأولى تؤشر إلى أن النسبة الأكبر من المشاركين هم من الأعمار الصغيرة، أو الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة، بمعنى أن هؤلاء الفتية ولدوا بعد 2003 أو ربما كانوا أطفالا لا يعون شيئا عندما أطيح نظام صدام، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجيير هذا الحراك للبعثيين كما يحدث كل مرة مع أي حراك جماهيري، إذ تنطلق هذه النغمة التي باتت اسطوانة مشروخة يرددها المسبحون بحمد الحكومة وأحزابها.

العنف الذي صبته القوات الحكومية على المحتجين السلميين كان مؤشرا على رعب حقيقي شعرت به الحكومة وأحزابها وقواتها العسكرية وميليشياتها، ففي أربعة أيام من حركات الاحتجاج، قامت الحكومة بتنفيذ أعنف عمليات القمع في تاريخ نظام ما بعد 2003 إذ تحولت ساحات الاحتجاج إلى ساحات معركة غطتها دماء الأبرياء بالرغم من إن حركة الاحتجاج لم تهدد باقتحام المنطقة الخضراء كما حدث سابقا.

لقد تم إخفاء المعلومات الرسمية عن حجم الكارثة، فلم تصدر عن وزارة الصحة تصريحات واضحة حول أعداد القتلى والجرحى بين ضحايا الحراك الجماهيري، ولم تعلن وزارة الداخلية عن أعداد المعتقلين، لكن ما تسرب من أخبار سلط الضوء على حجم الكارثة. إذ قتل في حوالي 200 شاب، بينما كان عدد الجرحى مهولا إذ وصل حسب احصاءات المراقبين إلى أكثر من ستة آلاف جريح. ومن تجليات الرعب الذي مارسته القوى الحكومية اعتقال المصابين والجرحى ونقلهم إلى أماكن احتجاز غير معلومة.

في مواجهة المنتفضين لم يتم التدرج في إطلاق عمليات العنف كما هو متعارف عليه في مواجهة حركات الاحتجاج في كل العالم، إذ تستخدم قنابل ‏الدخان أولا، ثم خراطيم المياه، بعدها يطلق الرصاص المطاطي، ومن ثم الرصاص في الهواء وفي حالات نادرة يتم ‏إصابة المحتجين إصابات غير قاتلة. لكن في انتفاضة اكتوبر في العراق كان القتل هو الغاية، وكسر الشباب هدف ‏تسعى له القوات الحكومية والميليشات المساندة لها، فقد تصرفت حكومة عادل عبد المهدي مثل أي نظام شمولي دكتاتوري، ووجهت آلتها القمعية بكل عنفها إلى صدور الشباب العارية، ونفذت عمليات قنص طوال أيام الاحتجاج، نفذها قناصون احتلوا سطوح البنايات المحيطة بساحات الاحتجاج، وكانت إصاباتهم غايتها القتل بالدرجة الأولى لأنهم وجهوا رصاصاتهم إلى رؤوس وصدور الشباب مما رفع عدد القتلى بين المحتجين.

ولمنع أو حجب الحقيقة عن العالم تم قطع خدمات الإنترنت عن العراق لمنع المحتجين من نشر فيديوهات الجرائم على صفحات التواصل الاجتماعي، كما ان بضعة قنوات فضائية تعد على أصابع اليد الواحدة غطت حركة الاحتجاجات بشكل خجول، لكن سرعان ما تمت مداهمة مكاتبها من جهات ميليشياوية وتم حرق وتكسير مكاتبها لحجب وصول أي رسالة إلى العالم الخارجي عما يحدث من كارثة.

النتيجة التي يمكن تلمسها في قراءة انتفاضة اكتوبر، ان الشباب وبشكل خاص من الأعمار الصغيرة الذين طالما اتهموا بالميوعة وعدم الجدية وقلة الوعي كانوا هذه المرة هم المحرك الأساسي للحراك المطلبي. كما إن حركات الاحتجاج هذه المرة قد تبدو وكأنها مطالبة بالخدمات وفرص العمل وتحسين ظروف المعيشة، لكن الحقيقة إنها حركة مطالب أكبر تتمثل بمهاجمة العملية السياسة برمتها، وتوجه معول الهدم لرثاثة الحكومة الهزيلة التي كشرت عن أنيابها وبان وجهها القبيح، وبالرغم من محاولة اللعب بسياسة العصى والجزرة التي حاول رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة ممارستها عبر إطلاق الوعود الكبيرة، إلا أن الشارع العراقي موقن وبشكل قطعي انها وعود كاذبة غايتها التخدير وتهدئة الوضع لتمر الأزمة.

حملات القمع غير المسبوقة وإطلاق حزم الوعود وكلمات المرجعية الدينية التي وصفت الشباب المحتج بانه صاحب حق، جعل حكومة عبد المهدي تطلق تصرفات أقل ما يمكن ان توصف به أنها مضحكة، فبعد ان فشلت الاسطوانة المشروخة التي تتحدث عن الطرف الخفي المندس والمتآمر، صرح رئيس الحكومة بأن ضحايا الانتفاضة هم شهداء ستصرف لهم حقوق الشهداء، وزار بعض الجرحى من الشباب الراقدين في المستشفيات وتصور معهم وهو يقبل يد جريح شاب، ووعد بإطلاق سراح المحتجزين بأسرع وقت.

أما وعود رئيس البرلمان بقطع الأراضي وفرص العمل وإعادة المفصولين إلى وظائفهم وتوفير نصف مليون فرصة عمل في غضون أيام، وكل ذلك لا يمكن أن ينفذ إلا إذا امتلك عبد المهدي ومن خلفه الحلبوسي ومن خلفهما برهم صالح عصى سحرية تقلب الأوضاع. وفي حركة استباقية ذكرت بسلوكيات صدام حسين، التقى عادل عبد المهدي بمن وصفوا بأنهم رؤوساء العشائر، وحثهم على اللحمة الوطنية، وقيل إنه أغدق عليهم العطايا ليلجموا شباب عشائرهم كما كانوا يفعلون في تسعينيات القرن الماضي عبر تعاونهم مع نظام صدام.

لكن الواضح والأكيد ومن تكرار حالات الاحتجاج منذ شباط/فبراير 2011 حتى تشرين الأول/اكتوبر 2019 ان الحراك مستمر، وان ميزة الصفحة الأخيرة من هذا الحراك في انتفاضة الصدور العارية، انها حراك شعبي خالص، لا رأس له فتستطيع حينها أجهزة القمع سحقه أو شرائه وبذلك يتم لها القضاء على الحراك الجماهيري.

وقد كتب أحد الناشطين من البصرة على صفحته في فيسبوك منشورا تم تداوله بشكل واسع لما تضمنه من قراءة حاذقة في توصيف المحتجين الشباب وقراءة نتائج الحراك، إذ قال؛ “لن تفهموا هذا الجيل، على وضوحه البالغ! هذا جيل لم يقرأ (رأس المال) لماركس ولا (فلسفتنا) لمحمد باقر الصدر، ولا (في سبيل البعث) لميشيل عفلق، هذا جيل انفعالي، ليس لديه إلا قواعد سلوك بسيطة لكنها صعبه في نفس الوقت وتتلخص في: أريد وطناً يليق بي، فهذا الجيل العدمي لم يتذوق الحياة ليخاف عليها، يعرف لعبة البوبجي أكثر من تاريخ حزب الدعوة، ويهتم بشحن موبايله أكثر من اهتمامه بأسعار النفط. هذا الجيل، غير معني بما حدث، لكنه معني بما سيحدث. لا أموال في جيبه، وليس هناك ما يشغل به وقته، دراسته غير معترف بها في العالم، ويشح لديه الكهرباء والماء، لم يتذوق خوف صدام، ولم يترب على قدسية خطوط حمراء، قد ينفعل قليلاً معكم، لأنه تربى على ما ينشر في فيسبوك، حيث لا منع على معلومة، ولا حظر على فكرة، هذا الجيل لا سبيل للسيطرة عليه، وإن شئتم السيطرة عليه، فهذا لن يحدث إلا باعطائه وطناً يليق به. ليست لديه أموال ليخاف عليها، ولا حياة لذيذة، ولا مستقبل، اصنعوا له هذه العناصر، وسيكون له مخرجات منطقية، لتتحاوروا معه، عدا هذا، سيكون هذا الجيل أشد غضباً، وأشد انفعالاً، ولن تقف أمامه أي محاذير”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية