انتفاضة العراق: جيل يرفض نظام المحاصصة وأتباع إيران ينتظرون في الظلام

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

بعد أكثر من شهر ومقتل أكثر من 300 متظاهرا في العراق، وجرح 8.000 أو يزيد، يطرح سؤال حول اتجاه الريح لدى المتظاهرين الذين يصرون على الدفع بمطالبهم وتغيير النظام السياسي إلى نظام يمثلهم وليس نظاما يعد بالإصلاحات وبالوجوه نفسها.

 ففي معظم الدول العربية أدرك الشبان أن هناك حاجة لقلب البنية القائمة في بلادهم وبناء شكل سياسي قادر على الوفاء بتوقعاتهم ولكن هل يستطيع الشباب العراقي قلب النظام القائم منذ الاحتلال الأمريكي لبلادهم عام 2003 وما هي فرص نجاح متظاهرين باتوا يخافون على أنفسهم أو حتى العودة إلى بيوتهم خشية الاعتقال أو الاختطاف، وسط انتشار الكثير من القصص عن اختفاء المتظاهرين وظهور رجال غرباء في خيام المعتصمين الذين يلتقطون الصور ثم يختفون عن الأنظار كما ورد في تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” (12/11/2019). وجاء فيه إن التعبئة الوطنية الأوسع في تاريخ العراق أخافت النخبة الحاكمة بحيث أعرب فيه رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عن نيته الاستقالة حال تم التوافق على خليفة له ونقل سلس للسلطة. وكان عبد المهدي يعرف أن الذين يسعون للتخلص منه لن يتفقوا على خليفة له، ولهذا نسي أو تناسى تعهده المشروط بالاستقالة فيما لم يقبل المتظاهرون تنازلات الرئيس برهم صالح، تماما كما رفض المحتجون في لبنان تنازلات الرئيس ميشال عون من محاربة الفساد. ورغم محاولة الحكومة حصر المتظاهرين في ساحة التحرير إلا أن حدة التظاهرات لم تخفت لا في بغداد أو مدن العراق الأخرى، حيث واجه المحتجون الملثمون في العادة لحماية أنفسهم قوات الأمن التي تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والقنابل الصوتية، لكن عددا منهم جرح فيما أخذت العائلات تبحث عن أبنائها في المستشفيات، أما المسعفون والأطباء الذين قدموا العناية للمحتجين فقتلوا أو اختطفوا، كل هذا يجعل من الانتفاضة العراقية الأعنف من بين الانتفاضات الأخيرة التي شهدتها العواصم العربية، فقد أصبح العنف جزءا من المعادلة الأمنية في العراق. بل واستخدمت القوات الأمنية أسلحة من المفترض استخدامها ضد تنظيم “الدولة” الذي كان عاملا في توحيد العراق، لكن هزيمته كشفت كما تقول مجلة “تايم” (13/11/2019) عن المشاكل الحقيقية، نقص الخدمات والفساد حيث يعد العراق رقم 12 من بين الأكثر فسادا في العالم حسب منظمة الشفافية الدولية. كل هذا رغم ما يملكه العراق من ثروة نفطية، حيث يرى المتظاهرون أن الأموال لا تذهب إلى المصارف الحقيقية، فبلد كانت موارده من النفط 65 مليار دولار عام 2018 لا يجد سكانه المياه الصالحة للشرب أو فرص العمل المناسبة للجيل الجديد المتخرج من الجامعات.

البداية من الصفر

 وعليه فما بدا أنه احتجاج على سياسات الفساد الحكومية تحول الآن إلى مطالب بتغيير البنية الحاكمة. ورغم ما لدى المحتجين من مظاهر تنظيم داخل ساحة التحرير ووسائل إعلام “تكتوك” ومعارض فنية ومحاولة للضغط على الحكومة إلا أن الأطراف السياسية والنخب لم تعد تسعى لتغيير الحكومة بعد دخول الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس على الخط حيث زار بغداد واجتمع مع القادة الأمنيين وطلب منهم تطبيق المثال الإيراني في مكافحة التظاهر. ومن هنا يبدو رئيس الوزراء في نظر المتظاهرين رهن الجماعات المرتبطة بإيران وجاء تعيينه حسب “التايمز” (12/11/2019) بعدما وضعت الميليشيات الشيعية خلافاتها، وأشارت الصحيفة إلى أن أهم مطلب للمتظاهرين هو الحفاظ على سيادة العراق بدلا من الركوع أمام أي من البلدين المتنافسين عليه. ومن هنا كان هتافهم الداعي لخروج إيران من العراق “إيران برة برة” ولكن كيف يمكن إخراج طهران من البنية السياسية التي ولدت في مرحلة ما بعد الاحتلال والتي كانت الرابح الأكبر فيها؟ ولو أريد إخراجها فلن تخرج بدون قتال.

الميليشيات تسيطر

ولهذا السبب قامت كما كتب باتريك كوكبيرن في موقع “كاونتر بانتش” (12/11/2019) الجماعات المؤيدة لطهران بمحاولة للسيطرة على العراق. وقال إن التظاهرات تمثل تهديدا على المؤسسة العراقية التي لم تواجه خطرا مثل اليوم منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. وهي، أي التظاهرات تعد أكبر تهديد للنظام العراقي منذ زحف مقاتلي تنظيم “الدولة” نحو بغداد عام 2014. وحينها لم يكن للشيعة أي خيار إلا دعم النخبة مهما كان فسادها وعقمها لأن تنظيم “الدولة” يهدد الجميع. إلا أن الطريقة الشرسة التي اتبعتها الحكومة لقمع الاحتجاجات تذكر بأسلوب عبد الفتاح السيسي عام 2013 الذي قمع المعتصمين المطالبين بعودة الحكومة المنتخبة ديمقراطيا. ومقارنة مع قمع الحكومة الحالي لم تلجأ بغداد إلى العنف المفرط عندما اقتحم محتجون المنطقة الخضراء في عام 2016 أو في البصرة عندما تم حرق مكاتب الحكومة ومقرات الأحزاب عام 2018. ويعتقد الكاتب أن العنف الأخير نفذته جماعات مرتبطة بالحشد الشعبي ويشرف عليه قاسم سليماني. ولا يعرف السبب الذي دفعه لاستخدام العنف خاصة أن تظاهرات ساحة التحرير الأولى كانت صغيرة. ويعتقد كوكبيرن أن سياسة إطلاق النار للقتل التي تبنتها الحكومة لم تكن حكيمة وحولت مظاهرات متفرقة إلى حركة جماهيرية تشبه الانتفاضة العامة. واعتقد المحتجون أن عمليات القتل الأولى ربما كانت ردة فعل مفرطة من قوات الأمن لكنها استمرت بدون توقف. ويستبعد كوكبيرن من لقاءاته مع قادة الميليشيات أن يكون ردها وليد اللحظة، بل هو جزء من خطة مدبرة خاصة أن “الإيرانيين لديهم دائما خطة” كما يقول معلق عراقي.

فرح أمريكي

 ويلحظ أن الولايات المتحدة تعاملت مع السخط العراقي ضد إيران كدليل على نجاح خطتها القاضية بممارسة أقصى ضغط على الجمهورية الإسلامية. بل ودعا البعض إلى استفادة واشنطن من السخط الشعبي في لبنان والعراق والكشف عن فساد النخبة السياسية الإيرانية وتعاملاتها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وكتب جيمس دورسو في موقع “ذا هيل” (12/11/2019) داعيا الحكومة الأمريكية الكشف عن المعلومات الأمنية التي تكشف عن الأموال التي أنفقتها طهران في المغامرات الخارجية وتجاهلها للمطالب المحلية للشعب الإيراني، ففي سوريا أنفقت طهران 15 مليار دولار فيما قتل أكثر من 2.300 إيراني خلال الحرب لدعم بشار الأسد. ويحصل حزب الله على 830 مليون دولار سنويا فيما تحصل حماس على 360 مليون دولار سنويا وحركة الحوثيين في اليمن على 30 مليون. أما الجماعات المفضلة لها في العراق فقد حصلت على ما يقرب من مليار دولار. ويقول الكاتب إن الولايات المتحدة يمكنها مساعدة الإيرانيين بما لديها من معلومات عن تعاملات قادة النظام المالية. ومن هنا فالتفاصيل المالية وتعاملات القادة من المرشد حتى قادة الحرس الثوري ستؤدي لزيادة الضغط على النخبة التي قامت بخداع الإيرانيين. ولكن التظاهرات العراقية ليست هي عن إيران بل وهي موجهة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء أمريكا بالمنطقة. فقد حاولت مرسلات إعلامية خليجية المبالغة في التظاهرات العراقية. وكما جاء بمقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” (13/11/2019) فالتحليلات التي ترى في تظاهرات العراق ضربة لإيران تبني رؤيتها على التنافس الأمريكي-الإيراني. والمشكلة لا تتعلق بمن هزم أو انتصر ولكن بمطالب عربية مستمرة. فمنذ 2011 شهد العالم العربي عشر انتفاضات من تونس، ليبيا، البحرين، سوريا، اليمن، السودان، الجزائر ومرتين في مصر ثم العراق ولبنان. وقبل ذلك شهدت إيران نفسها احتجاجات ما عرف بالثورة الخضراء والتي استخدمت فيها طهران وفحصت عددا من أساليبها وطبقتها لاحقا أو علمت جماعاتها الوكيلة على كيفية استخدامها لسحق المعارضة. ومع أن تونس تظل استثناء من بينها، إلا أن نتائج الثورات تظل سلبية، ولهذا فدخول العراق إلى مرجل الثورات العربية يطرح أسئلة حول ما سيأتي بعد. صحيح أن الانتفاضة العراقية تتسامى على الطائفية وترفع شعار الوطنية العراقية، لكننا لو فحصنا معناها لوجدنا أن من بين الذين يحاولون استغلالها هو مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري الذي يوصف عادة بالوطني العراقي. فالوطنية العراقية ليست مرتبطة بالموجات الجيدة في الشرق الأوسط. وحسبما ورد في مقال المجلة كانت القومية العراقية العامل الرئيس للحرب مع إيران عام 1980 وقمع الأكراد على مدى أكثر من عقد. ولهذا أصبح التخفيف من الوطنية العراقية البغيضة هو الشاغل الأكبر للسياسة الأمريكية في التسعينات من القرن الماضي. فالوطنية العراقية تقلل من قدرة الولايات المتحدة على العمل في ذلك البلد بنفس القدر الذي تفضح فيه الوجود الإيراني هناك. ورغم أنه لا يمكن التقليل من مطالب المحتجين الذين فهموا دور الدول الخارجية في التلاعب بسيادتهم لكن من السذاجة الاعتقاد أن عزل المتظاهرين رئيس الحكومة سيقود إلى نهاية التأثير الإيراني، فهذه فانتازيا. فلن تتخلى إيران عن مكاسبها بسهولة، وتظهر الردود الإيرانية على التطورات الأخيرة والمواجهة مع أمريكا أن طهران لديها القدرة على الصمود أمام الضغوط الأمريكية ومواجهة أعدائها في المنطقة حسب قراءة في “فورين أفيرز” (5/11/2019) أو كما تقول بسمة الصمادي في “تايم”(7/11/2019) فالنخبة السياسية لا تريد التخلي عن الأنظمة التي جلبتها للحكم وربما لجأت إيران لقمع المتظاهرين قبل أن يحققوا ما يريدون، فمع محاولة لبنان والعراق الاستفادة من دروس الربيع العربي الدامي إلا أن المظاهر الاحتفالية في ساحة الشهداء وساحة التحرير قد تتحول إلى خريف دام أسوة بما حدث في بلدان عربية أخرى.

فجوة جيلية

ولهذا فالتحدي هو قدرة الشباب في لبنان أو الجزائر والعراق على تفكيك بنى يتحكم بها العسكر. فما حدث في السودان والجزائر هذا العام ومصر قبل أعوام يؤكد سطوة النخب العسكرية والمنتفعة منها على القرار السياسي. أما في العراق ولبنان، فالمتظاهرون يواجهون أنظمة قائمة على المحاصصة الطائفية التي أصبحت بمثابة شبكات رعاية يتخذها المشاركون في السلطة لنفع جماعاتهم وتحويل أموال الدولة واستخدامها لجيوبهم. ولم يعد أمام الشعوب العربية الشابة إلا ركوب البحر أو التعبير عن الحنق. ولكن الملمح الأهم هو أن جيل الوتساب وتويتر استطاع تجاوز الخوف الذي زرعته الأنظمة في قلوب آبائهم، وبات التظاهر هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن حنقهم، سواء حقق ذلك نتائج أم لم يحقق. ويقول أكاديمي لبناني لصحيفة “فايننشال تايمز” (15/11/2019) عن جيل الغضب اللبناني الجديد إن “مستوى الوضوح في شعاراتهم ورؤيتهم متقدم جدا على الأجيال السابقة. وتشعر بأنهم حتى أشجع من غيرهم في الشارع”. وتأتي ثورتهم هذه في وقت يمر فيه الشرق الأوسط وشمال افريقيا بتحد ديموغرافي خطير، مع عدم وجود وظائف كافية لمكون الشباب الديموغرافي المتضخم. ووضع لبنان أكثر خطورة، لأنه يحتاج إلى إيجاد عدد من الوظائف يساوي ستة أضعاف المتوفر حاليا لاستيعاب 23 ألف شخص ينضمون لسوق العمالة سنويا حسب دراسة رعاها الاتحاد الأوروبي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية